بهية في فيلم العصفور؛ ماما أنيسة في مسلسل ليالي الحلمية؛ عائشة في مسلسل الوسية؛ أم السعد في مسلسل المرسى والبحار؛ صفية زغلول في مسلسل أم كلثوم

جميع هؤلاء الباقيات وغيرهنّ كثير هنّ محسنة توفيق التي رحلت عنّا عن عمر يناهز ٧٩ عاماً.

كثيرون ردّدوا معها، بوصفها بهيّة في فيلم العصفور، عبارتها المفعمة بالشموخ والتحدي وهي تجري خارجاً في واحدة من أجمل لقطات السينما العربية: “لأ… هنحارب، لأ… هنحارب”، بعد إعلان عبد الناصر التنحي عن الرئاسة في إثر نكسة حزيران ١٩٦٧.

كثيرون طربوا لغنائها في الفيلم ذاته:

ورفاق مسيرة عسيرة، وصورة حشد ومواكب

ف عيون صبيه بهيه عليها الكلمه والمعنى

… مصر يمّا يا بهية.

ولدت محسنة توفيق في عام ١٩٣٩ لأم تركية وأب مصري. حصلت على بكالوريوس الهندسة الزراعية في عام ١٩٦٢. بدأ شغفها بالفنّ منذ طفولتها، وكان ذلك غناءً أولاً، ثمّ نصحها أحد مدرّسيها بترك الغناء والتوجه إلى التمثيل، فالتحقت بفرقة التمثيل المسرحي في المدرسة. وكانت حين تغيب ممثلة تقوم بأداء دورها، وهكذا بدأت مسيرتها الفنية التي تقارب ثمانين عملاً في السينما والتلفزيون.

لا يمكن الحديث عن محسنة توفيق كممثلة من دون التطرق لمسيرتها كمناضلة شيوعية، تشكّل وعيها السياسي في مرحلة من عمرها جدّ باكرة، وبدأت تعي أهمية دور الطلبة والعمال في الثورات وهي تستمع إلى نقاش الكبار وتعليقاتهم إزاء حادثة كوبري عباس، بعدما قام البوليس بمحاصرة المظاهرة التي خرجت من جامعة فؤاد الأول -القاهرة حاليًا- ثم أطلق الرصاص على أكثر من مئتي طالب، وسقط بعضهم في النيل.

ناصر أكثر شخص أحببته لكنه أكثر من تشاجرت معه في حياتي وحبسني، لأنني انتبهت لشيء خطير، وكان لابد أن أنبه الناس له نحن نتعرض لهجوم على أوطاننا، فالثورات من يقوم بها الشعوب وليست القادة

يبدو أنَّ حادثة كوبري عباس تركت أثرًا بالغاً في محسنة توفيق، إذ ربطتها في سن صغيرة بالشوارع والحواري الشعبية والناس وآلامهم. وهذا ما لازمها طوال عمرها، فكان آخر ما قالته في مهرجان أسوان لسينما المرأة، إنها مدينة للشعب المصري، وأضافت: “قدمتُ في حياتي ما أشعر به، وما استفزني وأعجبني من خلال انتمائي للطلبة والعمال منذ صغري، حيث جاءت ثورة ٢٠١١ فشاركت فيها، لذلك أنا مدينة لشعب مصر بوقوفي هنا”.

اعتُقلت محسنة توفيق في عهد عبد الناصر الذي قالت عنه: “ناصر أكثر شخص أحببته لكنه أكثر من تشاجرت معه في حياتي وحبسني، لأنني انتبهت لشيء خطير، وكان لابد أن أنبه الناس له نحن نتعرض لهجوم على أوطاننا، فالثورات من يقوم بها الشعوب وليست القادة، وكونه أن يصادف مرحلة معينة من المراحل وجود ناس مؤهلة لدور في القيادة لا يعنى أنها هي من صنعتها”. وقالت عن تجربة السجن: “السجن جريمة فظيعة، فأسوأ شيء أن تعتقل الناس بسبب أفكارها، فهذه جريمة في حق الإنسانية لا تغتفر”.

أمّا في عهد السادات فقد تمّ عزلها فنياً وسياسياً بسبب مواقفها. تقول في إحدى ندوات مهرجان أسوان الأخير في شهر شباط الماضي: “طُلب مني تغيير مواقفي السياسية، لكنني لم أفعل. فقد كنت دائماً أسأل نفسي عن سبب تظاهر العمال والطلبة منذ أن كنت صغيرة، وعرفت أنهم عانوا من الضغط والكبت وسوء المعيشة، وظلت حكايات كتلك تلازمني في حياتي, ودائماً أنظر إلى الظروف والأوضاع وآخذ بالأسباب”.

حين أُسنِد دور أنيسة إلى محسنة توفيق في الجزء الثاني من ليالي الحلمية كاد الجمهور ينسى فردوس عبد الحميد التي أدت الدور ذاته في الجزء الأول. مع صوت محسنة توفيق الطافح بالأمومة وشخصية أنيسة المفعمة بالنبل بات من الصعب التفريق بين الممثلة والشخصية.

محسنة توفيق التي غنت مع الشيخ إمام وأحمد فؤاء نجم لم تطل المكوث بعدهما. وإذ يرحل هؤلاء الذين شكلوا فسيفساء وعينا وثقافتنا تباعاً، نشعر بأن فراغات كثيرة تتسع في الذاكرة، من دون أمارات تدل على إمكان سدّها.

تغصّ صفحات التواصل الاجتماعي بصور ومشاهد وكلمات تنعى محسنة توفيق, ونغصّ بالذكريات والبكاء.

من أعمال محسنة توفيق في السينما: الزمار، البؤساء، قلب الليل، حادثة شرف، العصفور، اسكندرية … ليه، وداعاً بونابرت، قلب الليل، ديل السمكة.

ومن أعمالها في التلفزيون: المفسدون في الأرض، اللص والكلاب، ليالي الحلمية، المرسى والبحار، حبنا الكبير، أم كلثوم، الوسية.

وقدمت في المسرح منين أجيب ناس لنجيب سرور.

وداعاً محسنة توفيق،

وداعاً يا بهيّة.