في عام 2000، ولأسباب لا أريد أن أنغّص بها هذه المناسبة، كانت أوّل مرّة أسافر بها خارج بلدي إلى أيّ مكان. وكانت مصر هي هذا المكان. جئت إليها وشربت من نيلها، بنيّة الذي لا بدّ أن يعود ومصيره.

كنت قد عرفت مصر من كتبها، من أسماء ثقافتها اللامعة بتعاقب أجيالهم. ويا لها من أسماء كثيرة ورفيعة في آن. وفي ذلك العام، 2000، عرفت مصر وجهاً لوجه وعلى الطبيعة.

لطالما غيّرتنا ثقافة مصر. ولطالما غيّرنا أهل مصر، ذلك التغيير العميق البطيء الذي لا يُرَدّ.

في عام 2000، جئت إلى هنا، إلى المشروع القومي للترجمة، في المؤتمر الذي عقده بمناسبة نقله مئتين وخمسين كتاباً إلى العربية وكان بعنوان “قضايا الترجمة وإشكالياتها”. هذا المؤتمر غيّرني إلى الأبد، لا كمترجم فحسب، بل ككاتب وشخص أيضاً.

كان في ذلك المؤتمر د. حمادي صمود برصانته العلمية المكينة الآسرة، وعبد السلام المسدي بلغته المنتقاة حبّة حبّة، وفيصل درّاج وأنور مغيث بتقليبهما سياسات الترجمة وإخراج هذه الأخيرة من كونها مجرد مسألة لغوية تقنيه يقوم بها شخص أمامه قاموس، وريشار جاكمون بروحه النقدية الساخرة وتحويله الإحصاءات الترجمية العادية المتاحة للجميع إلى معلومات من ذهب، وحسن حمزة بجعله الترجمة محلّ نظرٍ وتحليلٍ علميين، كان هناك خليل كلفت وبشير السباعي وأسماء أخرى كثيرة غيّرتني وغيّرت نظرتي إلى الترجمة، في تأمّلها كما في ممارستها، حتى إنني في المؤتمر التالي الذي عقده المشروع في عام 2004 بعنوان “الترجمة وتفاعل الثقافات”، وكذلك في المؤتمر الذي تلاه، “الترجمة ومجتمع المعرفة”، في عام 2006 بمناسبة مرور 10 سنوات على انطلاق المشروع وبلوغه الكتاب الألف، أو في ما تلاهما من لقاءات، لم أعد أنا أنا، بل بتّ غيري أيضاً، سواء في ما كتبته عن الترجمة أم في ممارستي لها عموماً.

لكنَّ أهم من كان في ذلك المؤتمر عام 2000، من دون أدنى شك، هو د. جابر عصفور. حفيد محمد عبده والطهطاوي وابن طه حسين الذي قُيِّضَ لهذا المشروع. جابر عصفور الأكاديمي والمفكّر والمخطط الثقافي والصديق والإنسان الذي عزّ نظيره وندر مثاله. وفي ذلك اللقاء، في عام 2000، أهديته كتاباً من ترجمتي، وما إن قلّب صفحاته حتى ورّطني: “ما تترجم لنا، حتترجم إيه؟” وحين قلت: “موقع الثقافة لهومي بابا”، نظر متشككاً بعض الشيء، لكنه لم يلبث أن صاح: “اعملولوا عقد”. وهكذا بدأت رحلتي مع المشروع القومي للترجمة الذي صدرت لي فيه غلى الآن ستة كتب، هي موقع الثقافة لهومي بابا، الترجمة والإمبراطورية لدوغلاس روبنسون، علامات أُخِذَت على أنها أعاجيب: سوسيولوجيا الأشكال الأدبية لفرانكو موريتي، بؤس البنيوية: الأدب والنظرية البنيوية ونزع مادية كارل ماركس: الأدب والنظرية الماركسية لليونارد جاكسون، وأخيراً وليس آخراً النظرية النقدية: مدرسة فرانكفورت لآلان هاو.

الروح النقدية التي تفتك بالبديهيات المطمئنة هي، في رأيي، أشدّ ما تحتاجه ثقافتنا العربية في تبعيّتها من جهة وفي تمحور معظمها على الماضي بعقلية ماضوية من جهة أخرى

من غير جابر عصفور، حين كان في زيارة لمدينتي اللاذقية، سيتصل بك من المطار ليسألك: “صرت فين في ترجمة هومي بابا؟ هات اللي عملته وتعال الفندق”؟ من مثل جابر عصفور سيشعرك أنّك الابن والأخ والصديق؟

لا شكّ أنّه يمكن لأبسط قارئ بين القرّاء وأقلّهم نزاهة أن يعترف بأهمية المشروع القومي للترجمة بمجرد استعراضه قائمة إصداراتها التي ناهزت 3500 إلى الآن. لكنّ أحسن العلم بما فعله جابر عصفور وخلفاؤه وموظفوه والمترجمون الذين عملوا معهم على هذا الصعيد هو التدقيق الذي يدققه الباحث في نوعية كتب المشروع القومي للترجمة لا في كمياتها فحسب. كُنْ باحثاً في مجال من المجالات واحتج إلى مراجع جيدة فيه وابحث عنها. من المؤكّد أنك ستجد أكثرها وأهمها في إصدارات المشروع، كائناً ما كان المجال الذي تعمل فيه. مَن غير جابر عصفور ومشروعه ستجد لديه، إن كنت مهتماً بتركيا والأدب والثقافة التركيين على سبيل المثال، كتب محمد فؤاد كوبريلي، وما أدراك من كوبريلي بين الكتّاب؟ عند من غيرهما ستجد كل هذا القدر المهم من الروايات والمسرحيات والأشعار وقصص الأطفال، وكل هذه الموسوعات والمعاجم، وكل هذه الروائع التي يُعاد إصدارها من تراث الترجمة العربية، وكلّ هؤلاء المترجمين العرب من خارج مصر، وكل هذه اللغات الأصلية المنقول منها في مواجهةللمركزية الغربية إنّما من دون تعالم فارغ على الغرب؟ عند مَن غيرهما كلّ هذا القدر المهم من الكتب عن ما بعد الكولونيالية والنسوية والأدب والثقافة الإيرانيين قديماً وحديثاً، كي نذكر بضع مجالات فحسب؟ عند من ستجد كل هذا الاهتمام بالعلم والثقافة العلمية في عصر مواتهما في ثقافتنا العربية، وكل هذه العناية بالتفكير النقدي؟

قليلة هي المرّات التي أمكن فيها لتاريخنا العربي أن يجمع بين خيارات المترجم الفرد وتفضيلاته وضرورات الثقافة ومؤسساتها، بين وعي الفرد العلمي النقدي ووعي المؤسسة والمشروع الاستراتيجي المستدام. ومن المؤكّد أنّ المشروع القومي للترجمة هو أهم المواقع التي جرى فيها مثل هذا الجمع. وها هنا، بالضبط، وجدت نفسي، لا سيما أنَّ معظم الأعمال التي قمت بترجمتها تندرج في إطار الدراسات الفكرية النقدية. ولطالما كنتُ مقتنعاً، ولا أزال، بأن أكثر ما تحتاجه الثقافة العربية هو الدراسات العلمية والفكرية والمعرفية النقدية، من دون أدنى انتقاص من أهمية الأدب بشتى أنواعه. وتنبع أهمية الصفة النقدية التي شغلني ويشغلني تعزيزها لديّ ولدى جمهور القرّاء في الثقافة العربية من أنَّ النقد هو مصدر إنتاج المعرفة وإعادة إنتاجها. وهو الذي يضع على المحكّ، في سياق إنتاجه المعرفة، ما يظن “الحسّ السليم” أو “الفهم الشائع” أنه يقيني وصحيح. هذه الروح النقدية التي تفتك بالبديهيات المطمئنة هي، في رأيي، أشدّ ما تحتاجه ثقافتنا العربية في تبعيّتها من جهة وفي تمحور معظمها على الماضي بعقلية ماضوية من جهة أخرى. ولا شكّ أنَّ المشروع القومي للترجمة كان ولا يزال أبرز المواقع المؤسسية التي تفسح المجال أمام هذه الروح النقدية ومثالاً على النجاح المزدوج لكل من المترجم الفرد الجيّد والمؤسسة الثقافية.

في “يوم المترجم”، تحية لمصر وأهلها.

تحية للمركز القومي للترجمة.

تحية للمعلّم والصديق الكبير جابر عصفور ومن يواصلون مشروعه ويرتقون به في هذا الصرح العظيم الذي لن يزول أثره.

 
×