يجب أن أعترف أنني ولدت بامتيازات متعددة. فحتى إن كنت ولدت في الشرق الأوسط وعشت معظم حياتي في مصر، وهذا بالتأكيد ليس من الامتيازات الواضحة، وحتى إن كنت لا أمتلك بشرة بيضاء ولم أكبر وفي فمي ملعقة من الذهب، إلا أنني حظيت بامتياز أهم بكثير من كل هذا، وهو أنني ولدت لأعرف عائلة اللباد منذ طفولتي. لحسن حظي، كان الأستاذ محيي الدين اللباد من الأصدقاء المقربين لأبي بحكم عملهما في مجالات متقاربة، فأبي كان صحفياً وكاتباً، والأستاذ محي بالطبع هو من أهم رسامي الكاريكاتير في العالم العربي بأكمله. ولدت لأجد رسومات «أنكل محيي» كما كنت أناديه في طفولتي تحيط بي من كل مكان، وانطبعت صورة واحدة في عقلي الصغير، أن الرسم يعني اسم اللباد وحده ولا أحد سواه، على الرغم من وجود كثير من الفنانين في الدوائر القريبة من أبي ومن عائلتي الصغيرة.

مرت سنوات كثيرة وكبرنا وخفتت الصلات قليلاً، خصوصاً بعد وفاة أبي، إلى أن عرفت في ليلة غبراء بوفاة محيي اللباد، الأمر الذي أفزعني كثيراً لأنه بالنسبة إلي كان شخصاً أكبر من الموت الذي حتمًا لن يجرؤ على الاقتراب منه. بعثت في ذلك اليوم على استحياء برسالة قصيرة الى أحمد اللباد، الابن الذي عرفته صغيرة، وإن لم نكن أصدقاء مقربين. كانت علاقتنا غريبة بعض الشيء، فعلاقة أحمد الأساسية كانت بأبي، وعلاقتي الأساسية كانت بأبيه، كل ذكرياتنا تجاه واحدنا الآخر يحملها شخصان مات أولهما منذ ١٥ سنة وثانيهما منذ ٩ سنوات. تعودت بعدها أن أقابل أحمد بالصدفة في أماكن مختلفة في محيط وسط البلد، وإن ظل بيننا حاجز ما، ربما لأننا نعرف يقيناً أن العلاقة الحقيقية كانت بأشخاص لم يعودوا بيننا.

في صباح ما منذ سبع سنوات، أرسلت الى أحمد رسالة أيضاً، كانت قصيرة، عن الرواية التي كنت أكتبها في ذلك الوقت. لم أكن أتصور على الإطلاق أن يجيب أحمد على هذه الرسالة، فقد انقطعت صلات كثيرة، وفي الوقت نفسه كان أحمد اللباد هو الاسم اللامع في عالم التصميم والرسم وبالطبع في عالم أغلفة الكتب. كنت أرى الأغلفة التي يصممها أحمد بكثير من الحسد وأتمنى، من دون أن أفتح فمي، أن أحظى يومًا بغلاف يصممه بنفسه. وكان يمنعني من طلب ذلك كلام أصدقائنا المشتركين الذين يتحدثون طوال الوقت عن مزاجية أحمد في العمل، وأنه لا يصمم أغلفة لكتب لا تعجبه، وأنه “مزاجانجي” وقد يتأخر الغلاف الذي يقوم بتصميمه شهورًا، وأحيانًا قد يصل الأمر لمدة أكثر من السنة، بسبب طابور الكتّاب الطويل الطامحين في غلاف يصممه أحمد اللباد. وضعني هذا الأمر في حالة من الخوف الشديد، فهذا معناه أن أخضع لاختبار شديد الصعوبة من شخص أعرفه بشكل شخصي، وقد يتسبب الأمر في حرج متبادل، ولهذا قمت بحرص شديد بإرسال المسودة الأولى من الرواية من دون أن أذكر الغلاف على الإطلاق، ولم أطلب سوى رأيه في النص. فاجأني أحمد كثيرًا برد فعله الذي احتوى على دفقة لا حدود لها من الدعم الإنساني والمحبة واللطف الشديد، بجانب نصائحه وتعليقاته شديدة الذكاء على النص، والتي انتهت بتصميمه الغلاف واختياره عنوان الرواية الذي خرجت به الى النور.

أردتُ أن أتحدث عن لؤمه الفني، عن مكره الصغير الذي يجعله لا يزال ينتقي بدقة ما يقوم به من عمل من دون النظر الى الضغوط التي تجعلنا جميعًا نقع في فخ التكرار والتجارية اللعينة

أعرف الكثير عن أعمال أحمد اللباد. أعرف الكثير عن شغفه الشديد بالفن والكتابة وعن أشياء قد لا تحسب له في النهاية، وإن كان يفعلها لأنه يريد أن يخرج العمل من تحت يده في أفضل صورة. أعرف الكثير عن تطوعه للقيام بأشياء قد لا تكون جزءاً من عمله، لكنه يفعلها بمحبة غير محدودة وحماسة لم يفقدها مثل الكثيرين عبر السنين.  أعرف أنه محب ولطيف وله ذائقة خاصة وأن أعماله أيقونية، ولا يوجد مثلها في ما رأيت. أعرف أيضاً أنه يحمل إرثاً صعباً يجعله دوماً على اتصال لا ينقطع باسم أبيه، وأن هذا ولو كان يثير الفخر إلا أنه يثير التوتر. فمن نحن حتى يقارننا العالم بآبائنا، خصوصاً عندما يكون الأب شخصية أسطورية مثل محيي الدين اللباد؟ أعرف أيضًا أنني أنتظر ما يكتبه أحمد في لهفة شديدة، وأتمنى كل يوم أن أجد إنتاجًا مكتوبًا يشبع لهفة قرائه الذين يعرفون أنه إن اتخذ قرار الكتابة، ربما يكف نصف كتاب مصر عن هذه المهنة احترامًا لأنفسهم. أتذكر أنني لم أكف أبدًا عن إرسال مسودات لم تعرف النور بعدها إلى أحمد، فقط لأستمتع برأيه الذي يأتي دومًا على قدر من الشاعرية والجمل الأدبية التي أقف عندها مبهورة، والتي كثيرًا ما تدفعني لمزيد من الكتابة. منذ بضعة أشهر أرسلت له نصًا عاديًا، كتبته ولم أنشره في أي مكان، وكنت فقط أريد أن آخذ من كلماته ما يعطيني دفعة جديدة لمزيد من الكتابة. رد علي أحمد على الفور «استمتعت والله خالص.. وجات لي نشوة زي نشوة بنت طار منها وهي واقفه على الجبل الإيشارب الحرير اللي بتحبه، فلت منها.. وطار قدام عينيها بنعومة مغيظة، وبلا عودة.. وبقت هي متلخبطة جدا بين دهشتها من فكرة الفقد، ومتابعة جمال حركة طيران الإيشارب..» ربما لا يعرف أحمد حتى اليوم أن تعبيراته العفوية التي لا يبذل فيها مجهود في التفكير أو في الصياغة تظل حتى اليوم أفضل مئات المرات من عشرات النصوص التي تُصدرها دور نشر من دون الانتباه أن هناك موهبة مهولة كامنة تحت اسم اللباد المخيف، الذي ما زال يثير خشية وتوتر الكتاب حتى الآن.

ربما لا أتحدث اليوم عن تقنيات أحمد اللباد في الرسم ولا عن تأثيره في العالم الذي يمتلك مفاتيحه في سهولة يُحسد عليها، ولا أقوم بتنظيرات فنية عن مجمل أعماله، ولم أذكر أيضًا إلا لمحات من علاقتي الإنسانية بشخصه، لكني أردتُ أن أتحدث عن لؤمه الفني، عن ذكاوته الشريرة التي يمارسها طوال الوقت وتدعو من حوله الى مزيد من الإبداع، عن مصارحاته الفنية في عمله، عن كتاباته الذكية التي لا تخلو من صياعة محببة، عن مكره الصغير الذي يجعله لا يزال ينتقي بدقة ما يقوم به من عمل من دون النظر الى الضغوط التي تجعلنا جميعًا نقع في فخ التكرار والتجارية اللعينة، عن طول قامته التي تجعلنا جميعًا ننظر له –مثل ما كنا ننظر لأبيه– من زاوية بعيدة، عن طول لسانه وحدته الحنونة ولطافته المطلقة وخفة دمه وتشذيبه الإنساني لما يحدث أحيانًا من هراء، وعن كل الكتابات التي –بشكل شخصي– ألهمني فيها ودفعني دفعًا من دون أن يدري لأن أتمها. تحية لك وللطف العالم المتمثل فيك.

 
×