لطالما طُرحت أسئلةٌ كثيرة عن دور الفاعلين في القطاع الثقافي في المنطقة العربيّة، وعن موقع هؤلاء ومواقفهم وتأثيرهم. كانت هذه الأسئلة تنجم، على الدوام، عن خضّاتٍ أو متغيّراتٍ طالت المجتمعات وأمزجتها في المنطقة والعالم، وفرضت نفسها على السياق الثقافيّ. تنوّعت هذه الأسئلة بتنوع الفترات السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية، منها ما صوّب على نخبويّةٍ أو شعبويّةٍ ما، ومنها ما بحث في جدوى القطاع الثقافي وقدرته على الوصول إلى الجمهور، ومنها ما تطرّق لمصادر تمويله. تتمحور هذه الأسئلة بغالبيتها حول ما يُطلب من القطاع والعاملين فيه من دون الغوص – إلّا نادراً – في واقع هذا القطاع وناسه، أو أهميّة وجوده وخطورة اضمحلاله أو ضعفه. تبدو أسئلة الوضع الراهن أيضاً غير منحازةٍ للقطاع والعاملين فيه، ولكنّها تأخذ منحى أكثر إلحاحاً في كل ما ينذر به المستقبل.

نحاول في هذه المقالة الانحياز إلى القطاع والعاملين فيه أو، على الأقل، التكلّم من زاويته. ماذا يعني أن تكون فاعلاً في القطاع الثقافي؟ يعني أن تخلق واقعاً جديداً، تحررياً، مستمداً من المجتمع، متناسقاً مع البيئة، ومحفّزاً لتوسيع الآفاق الفكرية أو المعنوية الناتجة من مزايا الشعوب وموروثها. هذه الإجابة فضفاضة بلا شكّ. ليس القصد منها أن تكون تعريفاً بعمل الفاعلين الثقافيين، ولكنها تعكس شيئاً من صورتهم.

ماذا يعني أن تكون فاعلاً في القطاع الثقافيّ في المنطقة العربيّة عموماً؟ نضيف إلى الإجابة السابقة بُعداً متعلّقاً بواقع الشعوب في المنطقة التي تنازع للبقاء، والتي تحاول أن يكون لها صوتٌ تتكلّم من خلاله عن نفسها، في ظلّ قمعٍ داخليّ يصل حد الإسكات، وضغطٍ خارجيّ يصل حدّ تلوين القطاع بألوانٍ مفروضةٍ، أو تنميطه بصورٍ تناسب نظرة القوى العالمية الوازنة عنه.

ماذا يعني أن تكون فاعلا في القطاع الثقافيّ في المنطقة العربيّة عموماً وفي الدول المجاورة لفلسطين المحتلّة بشكلٍ أخصّ؟ نضيف إلى الإجابتين السابقتين بُعداً متعلّقاً بأصل الصراع في المنطقة، وبعبء هذا الصراع على سياق الإنتاج في القطاع وعلى ظروف العاملين فيه.

لا نتكلّم في هذه الإجابات الثلاث عن نخبويةٍ أو شعبويةٍ، ولا عن الجدوى أو القدرة على الوصول إلى الجمهور. ليس لعدم أهميّة هذه النقاط، بل لطارئٍ يفرض نفسه للكلام عنه. الطارئ القديم-الجديد يتّصل بالتمويل ومصادره وأثر هذه المسألة على استمرار القطاع وعلى مستقبل العاملين فيه.

لا تصل ميزانيات وزارات الثقافة في المنطقة العربية إلى 1% من ميزانيات الدول، وتصرف هذه الميزانيات بشكلٍ شبه كامل لدفع بدلات إيجار الوزارة ورواتب العاملين فيها

لننطلق من فكرة رئيسة تختصر واقع التمويل ومصادر القطاع. لا مكان في المنطقة العربية اليوم، إلّا باستثناءاتٍ بسيطة وفي مناسباتٍ قليلة، لمفهوم المال العام الذي يوظّف من خلال الإدارات العامة (وزارات الثقافة أو الجهات والمجالس الثقافيّة الرسميّة) في تمويل القطاع والعاملين فيه. لا تصل ميزانيات وزارات الثقافة في المنطقة العربية إلى 1% من الميزانيات العامة، وتصرف هذه الميزانيات بشكلٍ شبه كامل لدفع بدلات إيجار الوزارة ورواتب العاملين فيها، ولا يتبقّى منها إلا القليل لدعم القطاع الأهلي (فنانين ومبادرات ومؤسسات غير حكومية).

ينعكس هذا الواقع على شكل القطاع الثقافي وعلى طرق العمل داخله من دون شكّ. إذ يلجأ القطاع، بهدف الوصول إلى تمويلٍ يضمن استمرارية إنتاجه، إلى طرقٍ أخرى لتكوين ميزانياته وتلبية احتياجاته. بينها اللجوء إلى منظمات دولية تعتمد على مالٍ عامٍ في تشكيل ميزانياتها (ضرائب في دول أوروبية لدعم الإنتاج الثقافي في “العالم الثالث” مثلاً)، أو إلى التمويل عبر وسيطٍ إقليمي (حيث تتشكّل مؤسسات تخصّص برامج مِنح ودعم للقطاع، وتقوم هذه المؤسسات بتمويل مشاريعها عن طريق منظمات دولية)، أو إلى مساهمة رجال أعمالٍ وشخصياتٍ عامة ترغب بالاستثمار والدعم، أو إلى التمويل الآتي عبر الملحقات الثقافيّة التابعة لسفاراتٍ مختلفة، أو إلى التمويل القائم على مجالس ثقافيّة في دول الخليج، أو إلى التمويل الذاتي الذي يعتمد ما نسمّيه نموذجاً تجاريّاً تُستخدم أرباحه لدعم القطاع (وهذا النموذج مستجدّ على المنطقة، ولا يشكّل حتى اليوم إلا نسبة ضئيلة من مصادر التمويل). يتموضع القطاع الثقافي والعاملين فيه ضمن هذه الاحتمالات، وتُموَّل برامجه الثقافية عبر اللجوء إلى خيار أو أكثر منها.

يعكس هذا الوصف تحديات القطاع القائمة اليوم بين انسحاب بعض الممولين الدوليين من المنطقة، وفرض شروطٍ خاصّة في ما يتعلّق بالمؤسسات الفلسطينية، وإشراك ممولين إقليميين في الخليج مؤسساتٍ وفاعلين من إسرائيل في برامجهم وأعمالهم، نتيجة الاتفاقات بين هذه الدول وكيان الاحتلال. يضع هذا الواقع العاملين في القطاع، الذين يحملون أعباءً ضخمة أصلاً، أمام معضلةٍ غاية في التعقيد والصعوبة. اذ تقع عليهم اليوم مسؤولية العمل في شروطٍ قاسية، سوف تجبرهم على مقاطعة مصادر تمويل خليجية أو أوروبية ضخمة وأساسيّة رفضاً للتطبيع الثقافيّ مع الاحتلال.

يقف العاملون في القطاع اليوم أمام ضرورة إطلاق موقفٍ واضح، ليس بالضرورة من خلال التصريح الرسمي، بل من خلال الممارسة. ولكن ما هي المخارج المحتملة من واقع هذه المنطقة المشرذمة، الآيلة إلى الفوضى والسقوط اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً؟ ربّما يحتّم هذا السؤال العودة إلى التعريفات المذكورة أعلاه. ربّما يقع على عاتق القطاع والعاملين فيه الدور الأكبر في خلق واقع جديد أقلّ سوداويّة. ربّما عليهم الانتظام والعمل التعاوني والتشاركي من أجل توسيع مفهوم النماذج المالية المستدامة لتمويل القطاع، وعدم الركون إلى التمويل المشروط أو غير المتسّق مع قناعات العاملين فيه.

لن نتمكّن من توقّع الآتي، ولا من ترتيب أولويات العاملين في القطاع الثقافي وإسقاط الاحتمالات عليهم. لكن الأكيد أنّ تمويل الإنتاج الثقافي يعني – في ما يعنيه – تأثير المموّل على الإنتاج وعلى صورة الثقافة ومضامينها المرتبطة بمزايا المجتمعات وناسها. إنّ فهم هذا التأثير، وتجنّب الرضوخ له، هو واحد من المواضيع الأكثر إلحاحاً في المرحلة القادمة.

إنّ الوضع القائم يفرض على القطاع الثقافيّ والعاملين فيه ابتكار ديناميّةٍ جديدة للاستمرار. ولكن، في الوقت عينه، لا يمكن تصوّر هذه المواجهة على المستوى الثقافيّ بشكلٍ منفصلٍ عن المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لا جدوى من التفكير في الثقافة وإنتاجها إلّا كمظهرٍ أساسيّ من مظاهر قابليّة استمرار وجود حياةٍ قابلةٍ للعيش، بحريّة، في هذه المنطقة. هنا تكمن المسألة الأساس، وهنا يكمن لبّ الصراع.

 
×