كَثُرَ الخلط في الآونة الأخيرة بين مصطلحي “الفن الشعبي” و “الفن الهابط” مع ازدياد حدّة النقاش بين مؤيدي ومعارضي قرار هاني شاكر، رئيس نقابة المهن الموسيقية في مصر، الذي منع بعض مطربي “المهرجانات” من إقامة الحفلات والتعامل معهم. كَثُرَ الخلط حتى بات البعض يعتقد أن الفن الشعبي هو ذاته الفن الهابط، دون تمييز الفوارق الجوهرية بينهما. كما أسيء استخدام هذه المصطلحات بسبب الاعتماد على الانطباعات فقط دون الاعتماد على معايير واضحة تساعد في التصنيف. لذلك كان لا بد من التوضيح بداية بغية إطلاق الأحكام وفق المعايير لاحقاً.

الفن الشعبي، الذي هو جزء من التراث الشعبي “الفلكلور”، هو أي عمل فني بسيط ودال على عادات وتقاليد جماعة ما، تُقرّه كفنُّ خاص بها ودال عليها، فتحفظه لتّتوارثه الأجيال حتى يصبح جزءاً من البنية الحضارية لهذه الجماعة. أما الأغنية الشعبية التي هي جزءٌ من الفن الشعبي، فهي الأغنية القصيرة التي تحوي، من حيث المضمون، أبياتٍ شعرية عدة دالة على عادات وتقاليد جماعة ما. تُعرضُ هذه العادات في سياق سرد رومانسي لحكاية من حكايات العاشقين. تُّغنّى هذه الأبيات الشعرية، من حيث الشكل، بلحن بسيط يتكون من عدّة علامات موسيقية فقط لتتيح لأي فردٍ من أفراد هذه المجموعة إمكانية المشاركة في أداء هذه الأغنية التي لا تتطلب مساحات صوتية قد يمتلكها بعض الأفراد فقط.

أما الفن الهابط (Kitsch) فهو نتاج تغير اجتماعي تاريخي. ترافق ظهوره مع صعود الطبقة البورجوازية والتوسع الصناعي اللاحق. هذا التوسع ساهم في ازدياد أعداد الفلاحين المهاجرين من الريف إلى المدن بهدف الانخراط في سوق العمل. هؤلاء المهاجرون، أصحاب الفنون الريفية سابقاً، صار بإمكانهم الحصول على منتجات ثقافية مستحدثة في المدينة. هذه المنتجات الثقافية المستحدثة كان لا بد أن تكون منتجات تجارية رخيصة من حيث الشكل، ومبتذلة من حيث المضمون. فمؤسسات الإنتاج، في ظل قوانين السوق، لا يهمها الشكل ولا تكترث للمضمون، وما همها إلا زيادة الربح عن طريق البيع بسعر رخيص لاستهداف أكبر عدد ممكن من المستهلكين. على هذا الأساس ازداد انتشار المسارح التجارية والأغاني المبتذلة والكوميديا التهريجية وروايات الأدب الرخيص. أما مصطلح الفن الهابط فقد دخل تاريخ الفن في منتصف القرن التاسع عشر (1860) والأصل اللغوي لهذا المصطلح (Kitsch) مجهول، إلا أن هناك فرضيتان تردّان هذا المصطلح إلى فعلين نجدهما في اللغة الألمانية: الفعل الأول هو Verkitschen (باع برخيص. تصفية السلع. البيع بغير المواصفات المطلوبة) والفعل الثاني Kitschen (التقاط الفضلات من الشارع). أما المعايير التي يمكن من خلالها تصنيف فن ما على أنه فن هابط فهي معايير قيميّة من حيث المضمون ومعايير جمالية من حيث الشكل. وبالنسبة للأغاني فالمضمون هو الكلمة والشكل هو اللحن.

 كانت نتيجة الحرب على مطربي “المهرجانات” ارتفاع أسعار بطاقات حفلاتهم، وزيادة فضول متابعي البرامج للاطلاع على هذه الأغاني على موقع “يوتيوب” وبالتالي ارتفاع أعداد مشاهدي هذه الأغاني وزيادة معجبيها وزيادة شهرتها وانتشارها

بالعودة إلى التاريخ المعاصر للموسيقى العربية، التي وصلت إلى قمة الرقي من حيث اللحن والكلمة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بالرغم من وجود نماذج للفن الاستهلاكي الهابط في حينها، نجد أن هذا الرقي قد ترافق مع بداية التاريخ العربي المعاصر والمشاريع النهضوية. لم تكن الأغنية الواحدة تكتفي بمقامٍ موسيقي واحد، ولم تكن الكلمة تدلّ إلا على القيم الأصيلة في المجتمع، ولم يكن هذا الفن خاصاً بطبقة اجتماعية معينة، بل نالت هذه الأغاني إعجاب المجتمع ككل. ومع انهيار هذه المشاريع النهضوية والتحول نحو اقتصاد السوق، ظهر الفن الهابط مجدداً (لاحظ الفرق بين محاولات الدفاع عن الهوية العربية في كلمات أغنية “الوطن الأكبر: وطني حبيبي الوطن الأكبر” التي هي من ألحان الموسيقار العظيم محمد عبد الوهاب وإنتاج عام 1960، وبين الانحطاط العقلي في كلمات أغنية “من غير ليه: جايين للدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه!!” التي غناها الموسيقار العظيم ذاته عام 1989). ازداد انتشار الفن الهابط مع ازدياد أعداد الإذاعات في تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم انتشر كالنار في الهشيم بعد ازدياد القنوات التلفزيونية في العقد الأول من القرن الحالي، حتى صار هو الفن المُعترف به اليوم إعلامياً. مدّة الأغاني الإذاعية لا تتجاوز الخمس دقائق واللحن فيها بسيط وقد يعزف على مقام واحد (مقام الكورد غالباً) أو مقامين موسيقيين لا أكثر (هناك بعض الاستثناءات عند بعض المطربين).

الآن نستطيع التأكيد على أن الفن الشعبي هو ليس الفن الهابط، وأن الفن الهابط، حتى وإن لقي إقبالاً عند طبقة معينة في المجتمع، فهذا لا يعني أنه فناً شعبياً لهذه الجماعة، وهذا لا يعني أيضاً عدم وجود “فن شعبي هابط” كالفن الذي يستخدم قوالب الفنون الشعبية بشكل مبتذل ولأغراض تجارية. وعليه صار بالإمكان القول إن أغاني مطربي “المهرجانات” هي فن هابط وليست فناً شعبياً ولا راقياً بالتأكيد. أما الأغاني الإذاعية، إذا صح الاصطلاح، ومنها أغاني نقيب المهن الموسيقية هاني شاكر، فهي ليست الفن الراقي والأصيل على الإطلاق، بل هي فنٌ هابطٌ وفقاً للمعايير ذاتها. فمعيار الفن الهابط، من حيث المضمون، واضحٌ في معظم هذه الأغاني (استخدام عواطف استهلاكية رخيصة بهدف الترويج) ونأخذ مثالاً أغنية “الحلم الجميل”، التي يغنيها نقيب المهن الموسيقية، والتي تبدأ بالكلمات التالية “الحلم الجميل، البيت الصُغيَّر. كله ضاع، كله راح. كله تكسّر، كله تغيّر. وفضيت علينا الدار، والوحدة زي النار…”. فهي شبيهة بكلمات أغنية “وداع يا دنيا وداع” التي يغنيها مجموعة من مطربي المهرجانات والتي تبدأ كلماتها: “عدِت الأوقات وعمرنا ضاع على الفاضي. جوه مني جراح ومش مرتاح ومش راضي. كل ما أفرح يوم ألاقي هموم تحزّني. مين في وقت الضيق يكن ليا صديق يشيل عني”. لاحظ أن أغنية نقيب المهن الموسيقية تدلُّ على هذا الرجل الذي فقد زوجته في منزل صغير، بينما كلمات أغنية مطربي “المهرجانات” تدلُّ على “الإنسان العربي المصري المقهور” إذا جاز التعبير.

قرار المنع الذي أصدره شاكر كان مسبوقاً بحربٍ ضروس قادها الملحن الكبير حلمي بكر على مطربي المهرجانات. لقّمت القنوات الإعلامية نار هذه الحرب بالبرامج التي استقبلت الملحن الكبير مع مطربي “المهرجانات” للمواجهة! ما كانت نتيجة هذه الحرب؟ كانت النتيجة، وبتصريح الملحن الكبير، هو ارتفاع أسعار مطربي المهرجانات، وزيادة فضول متابعي البرامج للاطلاع على هذه الأغاني على موقع “يوتيوب” وبالتالي ارتفاع أعداد مشاهدي هذه الأغاني وزيادة معجبيها وزيادة شهرتها وانتشارها! بينما لم ينصت أحد لمطالبات الدكتورة هبة الخياط، أستاذ موسيقى في جامعة عين شمس، بإيقاف محاربة هذا النوع من الأغاني وعدم فسح المجال، إعلامياً، لمثل هذه المناوشات الكلامية، بغية إيقاف تضخّيم الحجم الهزيل لهذه الأغاني، على أن يتم التعامل معها كما هي؛ فن “يوتيوبي” يلقى رواجاً لفترة معينة ثم يختفي ويزول.

أخيراً، يُعتبر الفن الهابط اليوم ظاهرة عالمية. الفن صار سلعة استهلاكية همّها الوحيد أن تُباع بأعلى سعر لأكبر عدد من المستهلكين في السوق. ومن يأبى استهلاك الفن الهابط سيتم تحريضه عن طريق غرائزه باستخدام جسد المرأة، بعدما أن خُصصت لهذه الوظيفة. المرأة التي صارت مُستَهلَكة في الفن (تسليع المرأة) ومسُتَهلِكةٌ له.

لا يمكن التخلص من هذا الفن ما زال هذا العالم محكوماً بنظام لا يهمّه إلا القيم الكميّة ولا يكترث لأي قيمة أخرى (يتم اليوم اعتبار الكتب “الأكثر مبيعاً” والأفلام “الأكثر مشاهدةً” والأغاني “الأكثر استماعاً” ذات قيمة فنية من دون أي نقد للشكل أو المضمون). وما منع نقيب المهن الموسيقية مطربي “المهرجانات” من الظهور في الحفلات إلا كمن أراد أن يشفي مريضاً يتألم عن طريق منعه من أخذ المُسكنات، وفي نفس الوقت، من التأوه والصراخ.

 

* من ملف: من أين يأتي الأمل في قَفْر؟

 
×