مقطع من مقالة إدوارد سعيد “تحية إلى راقصة” المكرّسة للاحتفاء بالفنانة المصرية تحية كاريوكا

ترجمة: ثائر ديب

في عزّها كراقصة فريدة، كانت تحيّة كاريوكا تجسيداً لضربٍ من الإثارة بالغ الخصوصيّة، ما جعلها أنعم الراقصات وأبعدهن عن التصريح، كما جعلها في الأفلام المصريّة نموذجاً واضحاً أشدّ الوضوح للـ “Femme Fatal” (المرأة الفاتنة المغوية التي تفتك بالناس بسحرها). وحين عُدت إلى عدد من الأفلام التي مثّلتها بين أوائل الأربعينيات وعام 1980، وجدتُ 190 فيلماً، وحين سألتها في القاهرة ربيع 1989 عن هذه الأفلام، لم تستطع أن تتذكر الرقم الفعلي لكنّها قدرت أن يكون المجموع أكثر من 200. ولا يكاد يخلو فيلم من أفلامها الأولى من رقصة على الأقل، فجميع الأفلام المصريّة التي لم تُرِد أن تُصنّف ضمن “الدراما الراقية” (حفنة فحسب هي التي أرادت ذلك) كان لا بدّ أن تشتمل على نمرة من الرقص المُرافق للغناء. فهذه كانت صيغة أشبه برقصات الباليه التي كانت ترافق الفصل الثاني في عروض الأوبرا الباريسيّة في القرن التاسع عشر: حيث كانت رقصات الباليه هذه تُؤدّى سواء لاءمت القصّة أم لا. وفي الأفلام المصريّة كان من المُمكن لمذيعٍ أن يظهر فجأة على الشاشة ويُعلن عن مُغنّ وراقصة، ليتكشّف المشهد (دونما مسوّغ في الغالب) عن نادٍ ليلي أو قاعة واسعة، ثم لا تلبث فرقة موسيقيّة أن تعزف ألحانها، ويبدأ العرض.

لقد قدّمت تحيّة مثل هذه المشاهد. لكنّها لم تكن أكثر من مسوّدات مُختصرة وغير مصقولة لما كانت تُقدّمه في الكاباريهات من عروضٍ كاملة، كنتُ قد شاهدتُ واحداً منها وسيظلّ حيّاً يُجفل ذاكرتي ما حييت. كان ذلك في العام 1950. وكان زميلٌ لي مُغامر من زملاء المدرسة قد اكتشف أنّها ترقص في كازينو بديعة المكشوف في الجيزة على النيل (حيث يقوم فندق الشيراتون الشاهق). واشترينا البطاقات، ووصلنا إلى هناك في المساء المُحدّد قبل ساعتين على الأقلّ من الوقت الذي يُفترض أن تبدأ به، أربعة فتيان مُرتبكين في الرابعة عشرة من أعمارهم. كان حرّ النهار في ذلك اليوم الحزيراني قد تحوّل إلى عشيّة مُنعشة عليلة النسمات. وحين أُطفئت الأنوار إشارةُ إلى دور النجمة، كان كازينو بديعة مُمتلئاً تماماً، وكانت طاولاته التي يزيد عددها على الأربعين قد ازدحمت بجمهورٍ مصري من غواة الطبقة الوسطى. أما شريك تحيّة في تلك الأمسية فكان المُطرب عبد العزيز محمود، أصلع، بليد الملامح بسترة بيضاء، جاء وانغرس في كرسي من القشّ وسط المنصّة البدائيّة، وطفق يُغنّي برفقة تخت موسيقي صغير جلس أفراده إلى جانب المنصة. كانت الأغنية “منديل الحلو”، التي تتغنّى مقاطعها التي لا حصر لها، مرّة بعد مرّة وطوال ما يُقارب الساعة الكاملة، بالمرأة التي طوت ذلك المنديل، ومسحت به دموعها، وزيّنت شعرها.

قد تلجأ بعض الراقصات إلى الحركة البهلوانيّة، أو التزلّق على الأرض، أو التعرّي الخفيف، أمّا تحيّة فلا

تواصلت هذه الأغنية خمسين دقيقة على الأقل قبل أن تظهر تحيّة فجأةً على بعد بضعة أقدام خلف كرسي المطرب. كنّا جالسين في أبعد الأماكن عن المنصّة، لكن البدلة الزرقاء الوامضة المتلألأة التي كانت ترتديها خطفت أبصارنا، فيا لذلك اللمعان في التِّرْتِر، ويا لوقفتها الهادئة المضبوطة وهي تقفُ هناك واثقة تماماً. إنّ جوهر فن الرقص العربي التقليدي، شأن مصارعة الثيران، ليس في كثرة حركات الراقصة وإنّما في قلّتها: وحدهن المبتدئات، أو المُقلّدات البائسات من يونانيّات وأمريكيّات، من يُواصلن الهزهزة والنطنطة الفظيعة هنا وهناك مما يُحسب “إثارة” وإغراءً حريميّا. فالهدف يتمثّل في إحداث أثر عن طريق الإيحاء أساسياً (إنما ليس حصراً على الإطلاق)، وذلك عبر سلسلة من الحوادث المترابطة معاً بصيغٍ مُتعاقبة، أو موتيفات متكرّرة، على ذلك النحو من التوليف الكامل الذي قدّمته تحيّة في تلك الليلة. فموتيف تحيّة الأساس، بالنسبة إلى “منديل الحلو”، هو علاقتها بعبد العزيز محمود الذي كان غافلاً عنها إلى حدّ بعيد. فكانت تنزلق من ورائه، في ما هو يدندن برتابة، فتبدو كما لو أنّها ستقع بين يديه، مُقلّدةً إيّاه وهازئةً منه، كلّ ذلك من غير أن تلمسه البتّة أو تستثير ردّة فعله.

كانت أَحجبتها الشفّافة تتدلّى فوق البكيني المحوّر الذي يُشكّل جزءا أساسيّاً من بدلتها من دون أن يكون قطّ مصدر جاذبيّتها الأساس. فجمال رقصها يكمن في تكامله: في ما تُخلّفه من شعورٍ بجسدٍ مُذهل في لدانته وحُسنه يتماوج من خلف عدّة معقدة من الزينة المؤلَّفة من الشرائط، والأحجية والعقود، وسلاسل الذهب والفضّة، التي تبعث حركاتُ تحيّة فيها الحياة على نحوٍ مُتعمّد وعلى نحوٍ مُفترض في بعض الأحيان. إنّها لتقف، مثلاً، وتبدأ بتحريك وركها الأيمن ببطء، الأمر الذي يبعث الحركة في طماقيها الفضيين، وفي الخرز المتدلّي على الجانب الأيمن من خصرها. وإذ تفعل كلّ هذا، فإنّها ترنو إلى هذه الأجزاء المتحركة وتُثبّت نظراتنا المُحدّقة إليها نحن أيضاً، كأنّنا جميعاً إزاء مسرحيّة صغيرة مستقلة، مضبوطة الإيقاع كلّ الضبط، نُعيد فيها تكوين جسدها على النحو الذي يسلّط الضوء على جانبها الأيمن الذي يبدو كأنّه قد انفصل عن بقية جسدها. كان رقص تحيّة أشبه بأرابيسك متطاول تُحكم صنعه من حول شريكها الجالس. لم تنطنط، أو تهزهز نهديها، أو تتقدّم من أحد لتدفعه أو تحتكّ به. كان ثمّة تروٍّ مهيب في كلّ شيء بما في ذلك المقاطع السريعة. وعَلِمَ كلّ منّا أنه يعيش تجربة إيروسيّة هائلة الإثارة، نظراً إلى إرجائها الذي لا ينتهي، تجربة ما كان لنا أن نحلم بأن نصادف مثلها قطّ في حياتنا الواقعيّة. وتلك على وجه الدقّة هي النقطة المُهمّة: فقد كان ذلك ضرباً من الجنس بوصفه حدثاً عامّاً، مُخطّطاً ومُنفّذاً ببراعة، لكنه مستعصٍ تماماً على الاكتمال أو التحقّق.

قد تلجأ بعض الراقصات إلى الحركة البهلوانيّة، أو التزلّق على الأرض، أو التعرّي الخفيف، أمّا تحيّة فلا. فرشاقتها وأناقتها توحيان بما هو كلاسيكي تماماً بل ومهيب. والمفارقة أنّها كانت ملموسة وقريبة كما كانت نائية لا تُطال ولا تُنال. وفي عالم الكبت الشديد الذي كنّا نعيشه، كانت تلكم الصفات تعزّز الانطباع الذي خلّفته تحيّة. وأذكر على وجه الخصوص أنّها ما إن بدأت ترقص حتّى ارتسم على وجهها ما بدا كأنه بسمة صغيرة مستغرقة في ذاتها لازمتها طوال العرض. كان فمها مفتوحا أوسع مما تكون عليه البسمة في العادة، كما لو أنّها مختلية بنفسها تتأمّل جسدها وتستمتع بحركاته. لقد طغت تلك البسمة على كلّ بهرجة مسرحيّة مُتكلّفة في المشهد أو في رقصها، فنقّتهما بما انطوت عليه من تركيز مفروض على أفكارها العميقة والشاردة. بل إنّني ما من مرّة رأيتها ترقص في الأفلام الخمسة والعشرين أو الثلاثين التي شاهدتها لها، إلا وكنتُ أعثر على تلك البسمة، مضيئةً الخلفيّة التي عادة ما تكون سخيفة مُتكلّفة. بسمتها نقطةٌ ثابتةٌ في عالمٍ قُلَّب.

*المصدر كتاب “تأملات حول المنفى” – دار الآداب.

 
×