قدّم المخرج الفرنسي الراحل أنطوان فيتيز سنة 1990 مسرحية حياة غاليليه لبرتولت بريشت على خشبة مسرح الكوميدي فرانسيز الشهير. كان فيتيز، ابن المصور الفوتوغرافي الفوضوي، وسكرتير لويس أراغون، والمخرج المسرحي الشيوعي ببطاقة حتى سنة 1979، يرى في هذا النص التعبير الأسمى عن تراجيديا الحلم الشيوعي في القرن العشرين.

كتب فيتيز في برنامج العرض واصفاً الشاعر والمسرحي الألماني:

“هذا الشاعر ملاك ساقط. اشتهى مطولاً الاعتقاد بأن العالم خيِّر، لكنه يلاحظ بوضوح كم هو فاسد، ويعرف حقّ المعرفة كم هي رهيبة غواية الطيبة! لذاك يؤجل تمرين الأخلاق إلى الما بعد، لأنه يعتقد أن المعركة لجعل العالم خيِّراً تصهر كلّ أخلاق.

لكن ما يساوره في هذه المعركة تحديداً هو هواجس أخلاقية يتحتم عليه مواجهتها باسم الأخلاق الجديدة: يعذبه هذا الصراع، فيرينا معاناته ويبرر بمعاناته هذه فعله.

هكذا، هل تكفي المعاناة؟

هل التمزق مقدس؟

سيرى بريشت تالياً أن من الجيد طلب التعاطف والرحمة من الأجيال المقبلة، أولئك الذين سيعيشون في الطيبة لأننا عشنا في الخطيئة.

‘نحن الذين أردنا أن نمهد الميدان للحب

لم نعرف كيف نحبّ بعضنا بعضاً

والصراخ ضد الظلم

يصيّر الصوت أجشّ’….”

مات فيتيز، في ذروة عطائه واكتئابه، بجلطة دماغية في عام النهايات ذاك. كانت حياة غاليليه عرضه الأخير، إخراجه-الوصية.

لقد انتصروا“، يقول غاليليه في المسرحية ويردد فيتيز المكتئب معه ذلك.

لطالما رأيت في هذه السطور مكانة بريشت وأثره في مبدعي النصف الثاني من القرن العشرين المسرحيين.

ومع القرن الجديد أرى بريشت في تحول جديد ومختلف.

اليوم، مع انتفاضة لبنان الفتية ضد “حكم المصرف”، عادت جملة شهيرة من مسرحية بريشت أوبرا القروش الثلاثة لتملأ صفحات “الفيسبوك” وتجد طريقها إلى جدران وسط المدينة المزيف ذاك: “ما هي جريمة أن تسرق بنكاً أمام جريمة أن تفتح بنكاً؟”

بريشت ينهض من رماده مع عودة الفاشيات والشعبوية والمواجهة الحقيقية مع ” الحساب الفرداني” الرأسمالي في عواصمنا. بريشت ينهض من رماده لدى أسماء متباعدة وربما متناقضة مثل لارس فون ترير في دوغفيل وفضائه الفيلمي-المسرحي وباماكو للموريتاني عبد الرحمن سيساكو حيث يحاكم المضطهدون في باحة منزل فقير صندوق النقد الدولي وصولاً إلى رسم الشخصيات القادمة وبعنف من المعركة التي تصهر أي أخلاق في مسرحتها المواجهة الطبقية المعقدة في مشاهد القتل في طفيليات (بارازيت) الكوري بونغ جون هو.

وبريشت الشاعر الذي يتساءل عن حجم الآلام التي جعلت أمه خفيفة إلى هذا الحد لدى رحيلها يحضر أيضاً في تأملات أبطال الأمريكي جيم جارموش في غوست دوغ وحكمة الساموراي الزنجي الهيب هوب فوريست ويتيكر وفي باترسون حيث يتأمل سائق الباص آدم درايفر جمل الشعر على صفحات الهواء في مدينته.

الرجل الذي تغير المسرح بعد عبوره الخمسين سنة الأولى من القرن الماضي كان شاعراً قبل كلّ شيء. ومن ثم كان مخرجاً ودراماتورجاً وروائياً وكاتب قصة قصيرة ومنظّراً لفن التمثيل وعلاقة الفنون ببعضها ضمن العمل الأدائي وسيناريستاً للسينما ومحترف اغتراب وخيانات زوجية وكارهاً مطلقاً للرأسمالية والفاشية. عاش بريشت أقلّ من عشر سنوات في ألمانيا الشرقية حيث أسس لمواجهة ستنتج لاحقاً هينر موللر وما بعد الدرامية في تضاده مع الواقعية الاشتراكية (الرسمية) وسماح “الرسميين” له بـ”شكلانيته” مع تطويبهم إياه شاعراً قومياً وبطريركاً لمؤسسة مسرحية (هي البرلينر أنسامبل). قَبِل بريشت بذلك وعمل بطريقة جعلت من البرلينر في ستينيات القرن العشرين المسرح الأشد تأثيراً في العالم وبيت الجدلية الذي سيفجر في النهاية إرثه ذاته.

آمن بريشت بأشياء كثيرة متناقضة أقربها إلى قلبنا زمن “الاقتراب من العدالة” لدى القاضي آزداك في دائرة الطباشير القوقازية. ذاك الذي سيحكم لصالح الفقراء حتى لو خالفوا القانون والذي سيعاقب الأغنياء ولو كانوا على حق (لأنهم دوماً على حق) قبل أن يختفي ضاحكاً.

حقق تيم روبنز فيلماً (تقدمياً) في نهاية التسعينيات عنوانه سيهتز المهد اشترك فيه (مجاناً على ما أظن) كلُّ من فانيسا ريدغريف وإميلي واتسون وسوزان سارندون وبيل موراي وجون توتورو وإيان هولم وجون كوزاك وبربارا سوكوفا وجاك بلاك وكثر غيرهم، يحضر فيه بريشت دوماً مثل شبح ليسأل الكاتب المسرحي اليساري مارك بليتزستاين “أين الشراميط؟” في مسرحيته التي يخرجها أورسون ويلز قبل بدء الهجوم المكارثي على كل شيء. يشبه بريشت هنا آزداك في وعيه للضرورة وفي عاطفته.

يبقى أجمل ما أذكره من قراءاتي ومشاهداتي لمسرحياته في سنوات دراستي في فرنسا أو قبلها وبعدها في سوريا هي جمل من قصيدة صغيرة :

“أفي الأوقات الحالكة

سيوجد أيضاً غناء؟

نعم،

سيوجد أيضاً غناء عن الأوقات الحالكة..”

كل عام وأنت بخير برتولت بريشت.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles

عن يوسف I وII

عن أيمن

 
×