كما لو أن الكاتبة السوريّة زينة حموي تبني بقصصها القصيرة[1]حارةً ضيّقة متقاربةَ البيوت، حيّزُها الزماني محدود، ولا تحدّ آفاقها دنيا الله الواسعة. بالكاد يتمكّن سكّانها العاديّون من كبح بكائهم، أو إخفاءِ صوت دموعهم الرقراقة الحبيس. بكاء الانفصال، الهجر الإجباري، مغادرة المكان، البيت، الرحِم الأولى… وكرمى لنا، نحن القرّاء والجيران، المبتورين والـ إلى آخره من لامبالين، وأقرباء وهاربين، غرباء، صُمٍّ، وفضوليين… وحرصاً على سلامتنا ورغَدنا العميم، ولكي لا يفجِّرنا صبرُهم اللَّجوج، تداهمهم ألوان من “محاولة متأخّرة للبكاء”[2] تغدو، بحكم تقلّب الليل والنهار وعدمِ ثباتِ الحال، اسماً للحارة / المجموعةِ القصصية نفسِها مسجَّلاً في قيد النفوس وكتابِ المفقودين الناجين، والناجين والمفقودين في آن.

لافتٌ، منذ البداية، أن للمجموعة اسمَها / عنوانَها الخاص (كالرواية)، إذ لا تحمل اسم/عنوان أيٍّ ممّا فيها من قصص. يشي ذلك سلفاً بأننا أمام وحدة سردية موزّعة على قصصٍ / وجوهٍ متعدِّدة، ما يشجِّع على رؤية هذه القصص عالَماً صغيراً / مصغَّراً: حارة، كُرَةً زجاجية، زقاقاً، شارعاً خلْفيّاً… في “أولاد حارتنا”، مثلاً.

طبيعيّ، ربّما، أن يبدأ كل شيء من رغبة صبيّ باكتشاف البحر، أخيراً. والبحر ليس مجرّد ماء مالح وموج وحيتان ومنكوبين… إنه دلالة ورمز أيضاً. رغبة بالاكتشاف والمعرفة، ولكنّها الحرب الحميمة بعيدةُ الأصداءِ وراءَ الباب واليباب، وتحت اللحاف. في الجيوب والخرائط. في مواعظ أهل الخير، وعلى أنصال لجان السلام. قد نتجنّبها، نحتمي منها، ونقدِّم لها القهوة والطاعة، وأحلى الشباب والبنات، وسُكّرَ النبات. إلّا أنها فتيّة، قويّة: لها نابُ ثعبانٍ “وساقا نعامة”، عمياء في عدالتها: لا ترحم أحداً ولا تُبقي على شيء… “وما هو عنها بالحديث المرجَّم”.

تغدو الحياة في الحارة احتمالاً ضعيفاً: بين قذائفَ وتفجيراتٍ تنشر الموت، وقشّةٍ للنجاة وطيفِ آمالٍ بأمانٍ مظنونٍ في أربعة أطراف الأرض… تغدو الحياة والسعادة جارتَين على قطعتَي جليد تتّسع المسافة بينهما باستمرار…

بعد اجتياز البوّابة والممرِّ القصير (أوّل قصتين)[3]، كما لو بعد تحميَة لماراتون متلوِّن، متشعِّب، تبدأ عملية اكتشاف الحارة: بسمائها القصيرة القامة ـ الخفيضة السقف، بأهلها الذين يتفرّقون (مثل حُمُّصِ على طبْل)، بمنزلقات الفرح وتشظّي المصائر والحكايات والقلوب. قصّتا “السعادة ليست صديقتي” و”مسبحة الحمصيّ” هما السلّم والشرفة إلى عالم المجموعة ومكنونِ النفوس والبيوت. إيقاع السرد فيهما خاصّة، وفي القصص جميعاً بصفة عامّة، هادئُ النبرة، متأنٍّ، متبصِّر. تمنحه هذه الصفات مقدرة سحرية على التسرّب، العدْوى، الكَيِّ، ملامسةِ الجرح وتحريك الأعماق: شيء غامض يؤاخيه مع الشعر.

معرض البشَرِ ـ العاديين جدّاً ـ في هذه الحارة (وليس في “باب الحارة”) بقصصها العشرين (أبطالها، شخصيّاتها) يزيح الستارةَ والظلال عن خبايا النفوس، عن طباعٍ بين تقلِّب وانكسار، ونفاق وانتكاس، وصلابة أيضاً. يجري ذلك في لحظات كاشفة تنعكس الحرب (كخيطٍ ناظم) على صفحاتها، لا في جبهات القتال ولا تحت أنقاض الدمار والهمجية المقدّسة، بل في سلوك الباقين على قيد الحياة، في دواخلهم، في تعاملهم فيما بينهم، في مصائرهم واستجاباتهم لما تفرضه الحرب من شروط.

في موقفها من الحرب، التي تُلقي بظلالها على أجواء المجموعة القصصية كلّها، لا تتّخذ الكاتبة موقف الحياد والفرجة، ولا تختار بين “الأحمر والأسوَد”[4]. من زوايا رؤيتها إلى المجتمع والواقع والقيم السائدة ينبع ذلك الموقف ويتبلور عبْر منطوق تلك القصص ليَظهر جليِّاً في “أبو شيبان” الواضحة الرمز، و”أخضر البلاد” القصيدة، و”فلورا وأمّون” العميقة الخادعةَ المظهر، وعلى وجه الخصوص في “صديق ريم” الوضّاءة السواد.

سرعان ما يكتشف ابنُ الحارة أن سماء الحارة “واطئة، وصفحتها لامعة”. بيده يخبط على “السقف السماويّ”، وبظفره يحكّه، إنه وأهل الحارة محبوسون في “قبّةٍ عملاقة، كرةٍ من زجاج”!

تضمُّ هذه المجموعة قصّتين (“كُرَةُ الأماني الزجاجيّة” و”كما في السماء كذلك على الأرض”) تستحقّان وقفة خاصّة. لكلٌّ منهما صفة تعميمية ما، تشبه في بعض وجوهها البرنامجَ/الإعلان الـ “مانيفِست”. عنوان القصة الأولى يوحي ببعدٍ فلسفي ناجمٍ، ربّما، عن صدى تداعيات غامضة تذكِّرنا بـ “لعبة الكريّات الزجاجية” لـ هرمان هيسّه؟! تقدِّم هذه القصة مقطعاً دالّاً من صورةٍ/تاريخٍ مكثّف وموجَز للحارة (المكان/البلاد) التي تستيقظ ذات صباح فجأة على نظافة وماء وصابون، ورائحة طيبة وجارٍ بَشوش، بعد أكداس من الزبالة وماءٍ آسن وبَعوض وذباب وجارٍ حَرون. ينقلب الجحيم الأرضيّ إلى نعيم ونظام واحترام وتفاهمٍ وشبَعٍ وراحة بال: “يا سلام! يا سلام! أين كانت هذه الحياة؟ <…> ما أقربنا إلى السعادة التي كنا نظنّها مفقودة!” ـ يتساءل في سرّه ابنُ الحارة السعيد. ولكن، يا لَلخيبة! فسرعان ما يكتشف السعيد أن سماء الحارة “واطئة، وصفحتها لامعة”. بيده يخبط على “السقف السماويّ”، وبظفره يحكّه، إنه وأهل الحارة محبوسون في “قبّةٍ عملاقة، كرةٍ من زجاج”!.. تحت هذه السماء الواطئة ستشتعل الحرب: “ليس بالخبز وحدَه يحيا الإنسان”.

القصة الثانية، الأخيرة في المجموعة، “كما في السماء كذلك على الأرض” رحلة إلى السماء، ما دامت واطئة إلى هذا الحد، تُقرأ بمتعة كقصة منفردة، وكخاتمة لـ “محاولة متأخّرة للبكاء”. عنوانها لا يختزل ما فيها من خيال بارع، ولا ينتقص من قيمتها الفنّية، غير أن فيه أيضاً ذلك الاستخلاصَ “القدَريّ” ربّما، الذي يصل إليه فلاسفة وفنّانون وأفراد في هذا العالم: مات الملك، عاش الملك! هذا ما كان، هذا ما سيكون. ليس لنا إلا هذا الكوكب الذي عليه نحيا ونموت.

***

يغتني تنوّع مواضيع القصص (ثيماتها، مجاراةً لـ à la mode)، يزيده تأثيراً وقيمةً بناؤه الفنّي القائم على جماليّة متجدِّدة في إنبات القصة من العاديِّ، المألوف، اليوميّ (هل أقول: العابر؟)، ومن الزهد بالزخرفة والعكّازات الحداثيّة والبوتوكس (بالشطارة، ربّما؟). ما من قصص تقليدية مفتعلة (تقوم على فكرة ناشفة أو تلوّح بشعارات)، ولا نهايات مقحَمة في قصص “محاولة متأخِّرة للبكاء”. ما من إثقالٍ بلاغيٍّ أو رهانٍ على تخييل يُسَيِّر دُمى أنيقة لا حياة فيها. ميزة تعزِّز تقدير ما تتطلّبه/تستحقّه الكتابة الأدبية من مسؤولية، جماليةٍ في المقام الأوّل.

كثيراً ما يكون عنوان القصّة هنا جزءاً أساسيّاً منها، شُعاعَ ضوء، أو مفتاحاً يصعب اجتيازُ عتبتها من دونه (“اسمي آمال”، “أخضر البلاد”، “بريد الكراهية”، “موعد”…). قد يُنظر إلى خاصية العنوان هذه بوصفها إحدى أدوات/عناصر التجريب الحاضر بدرجات مختلفة من القوّة والمجازفة في معظم قصص الأديبة زينة حموي. يتجلّى ذلك على نحوٍ خاص في القصص التي تحرِّك في نفس المتلقّي سؤالاً يدفع إلى مزيد من التأمّل، وربّما إلى إعادة القراءة: كيف أمكن لهذه الأسطر القليلة أن تنتج قصة بهذه الحرارة والآفاق؟ ما الذي زوّد النص بهذه الشحنة العالية التي تكشف وتضيء أكثر ممّا في مقدور أي سردٍ عاديّ أن يقدِّم حادثة أو مشهداً أو فكرة؟ إن التمثيل على ذلك بقصص “السعادة ليست صديقتي”، “بعد الفراق”، “وزائرتي”، “خطّة القُبَل”، “أخضر البلاد”… لا يستثني إطلاقاً الاحتفاء بباقي القصص واحدةً واحدة. ولكنّ هذه المقالة لا تهدف إلى تقديم دراسة نقدية لكل قصة من قصص المجموعة. هنا يكمن أحد الفروق الرئيسة بين الحكاية والقصة الأدبية. ليس السر في الفكرة نفسها، ليست المسألة مسألة قيَم وعِبَرٍ وأخلاقٍ وآراء لها مجالاتها الخاصة للتعبير عنها: الفلسفة، التاريخ، علم النفس، علم الاجتماع، الوعظ الديني، المقالة السياسية …إلخ. هنا تتجلّى موهبة الكاتب، ثقافته ومهارته وحساسيته في التعامل مع الكلمة والعبارة وهو يُقِيم بناءه الفني، قصَّته، بحِرَفية معماريّ وخَيال شاعر.

هل نريد أن نؤكّد على أهمية الشكل في كتابة القصة؟ نعم، بل وفي الفنِّ عموماً. على الشكل الفنّي، “الشكل المضموني” الذي لا يمكن فصلُ الشكل فيه عن المضمون بالطريقة المبتذلة البائدة التي تختزل الشكل والمضمون إلى: شكلٍ هو كأس زجاجيّة، ومضمونٍ هو السائل الذي يصبغ زجاجها بلونه؟!

قد يتوقَّف نجاح القصة أو فشلها، في الوصول إلى قلب المتلقّي ثمَّ إلى عقله، على كلمة أو عبارة، على أيِّ شطط أو وعظ أو استدرار دموع أو إطلاق أحكام. فعلى القصة أن تفتح فضاءها للمتلقّي مثل وردة نديّة وجهَ الصبح، لا يتحكّم بستانيٌّ بلحظة تفتُّحها وقوّة أريجها وعدد تويجاتها… (نتحدّث عن الورد الطبيعي، لا الاصطناعي الذي تشبهه القصص الخالية من الروح. عن فَتاة في عزِّ صباها الطبيعي نتحدّث، وليس عن الدمية “باربي”). هذا النجاح المنشود من تجريب متقَنٍ، جريءٍ ومليء يشقّ الطريقَ إليه ويعزِّزه حسٌّ جماليّ عالٍ يتجلّى من خلال لغة موزونة، مقتصِدة، مضبوطةِ الإيقاع والأداء: نحْواً وتركيباً وصوراً تخلو من الشطط والمجّانية والاجترار.

معروفٌ، أو ربّما لا جديد في القول إن الكتابة، لكي تكون إبداعية، يجب أن تشكّل إضافة ما في مجالها، في فنِّ القول الأدبيّ جملة. نرجو أن تكون المحاولة في هذه القصص إضافة جماليّة، مَدعاةً لأملٍ يرفع السماء عالياً ولو قليلاً، يغسل الروح والأفق، وليس فقط لبكاء متأخِّر أليم.

 

[1] زينة حموي. محاولة متأخِّرة للبكاء. قصص قصيرة. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، ط1/ 2019.

[2] تتكرّر هذه العبارة / العنوان في قصة واحدة هي “كلاكيت نزوح”، ولكنّها حاضرة روحاً، من غير ما تصريح، في قصص المجموعة كلِّها.

[3] وَفقاً للنظر إلى هذه المجموعة ذاتِ العنوان التوحيدي/الجامع، بوصفها كلّاً متكاملاً، حارة، عالَماً صغيراً/ مصغَّراً، يبدو منطقياً أن يكون ترتيب القصة الثانثة “القصيدة المنسيّة”، بين قصتين، قد تأخر قليلاً لتأخذ مكانها المناسب بين (“القصة الأخيرة”، “بعد الفراق”، “جاهلة”…).

[4] عنوان رواية للكاتب الفرنسي ستندال (1783 ـ 1842).

المزيد من هذا المؤلف

 
×