مضى على المجلد الأول من رأس المال أكثر من مئة وخمسين عاماً، وهو جوهرة الإنتاج الفكري لكارل ماركس والسلاح الأمضى -بحسب ألتوسير- في يد الطبقة العاملة. وما أريد أن أركِّز عليه في هذه المادة المقتضبة هو أمر واحد يتصل بضرورة قراءة هذا العمل في وقتنا الراهن كفرض عين.

يتركز الحديث اليوم على الهيمنة الاقتصادية وسيادة القطب الواحد على العالم. وهذه الهيمنة تجلب معها، بطبيعة الحال، إطارها الفكري وشكل البحث الذي يناسبها ويلائم ديمومتها. وما خدمة البحث العلمي للبزنس، في وقتنا الراهن، إلا دليلٌ على هذه الهيمنة وشكلٌ لتمظهرها. فهذه الهيمنة تفرض على الباحثين نوعاً معيناً من التفكير المقبول الذي يتبدى في نوع المقررات التي تُدرَّس للطلبة في الجامعات، وشروط نشر الأبحاث المحكَّمة في الدوريات العلمية، وشروط الترقيات العلمية لأساتذة الجامعات، وشروط تسجيل الرسائل والأطاريح بالنسبة إلى الباحثين الشباب، وشروط الحصول على تمويل للأبحاث، وما إلى ذلك من سياسات التنشئة الأكاديمية. وتصوغ هذه الإجراءات التي تبدو “طبيعيةً” جداً الإطار الفكري الذي يستند إليه الباحث و/أو الطالب في عمله سواء أكاديمياً أو في صياغة تصوراته عن العالم والظواهر والأحداث. وفي نهاية المطاف، فإنَّ كل إنسان باحث بمعنى من المعاني، ما يدفعنا لأن نستخدم مصطلح “البحث” ليدل على البحث ضمن الحقل الأكاديمي بخاصة كما ضمن الواقع بعامة.

تعمل الهيمنة الفكرية على استبعاد الأطر الفكرية غير المرغوبة من الحقل الرسمي، فتمايز بذلك بين التفكير الشرعي والتفكير اللاشرعي، بين المرغوب والصائب من منظورها وبين المكروه والخاطئ من منظورها أيضاً. والسؤال الآن، ما الذي يقدمه رأس المال بصدد هذا كلّه؟ أتى رأس المال بطريقة أو بمنهجية بحثية ثورية، هي المادية الجدلية والمادية التاريخية أو باختصار الفهم المادي الجدلي للتاريخ، وحمل في طياته إطاراً مختلفاً للتفكير في الظواهر والأحداث المحيطة، وهو ما تكشف عنه قراءته، سواء أردت الاقتناع بصوابية ما يطرحه أم لا، إذ تبقى المنهجية التي اتبعها كارل ماركس منهجية خلّاقة ومحفِّزة في آن.

غير أنّه يجب الانتباه إلى ما تتميّز به هذه المنهجية من كونها مُتعِبة، لجهة أنك تدرس التناقضات التي لا حلول لها، كما يقول هارفي. تناقضاتٌ توجد ولا تختفي بمجرد الكشف عنها، بخلاف المشكلات التي لها حلول وتروق للباحثين من التيار السائد. وهنا نذكر حادثةً رواها محمد دكروب عن الشهيد مهدي عامل حين شرع بكتابة كتابه أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازية العربية؟ ففي أثناء نقاشات الشهيد مع رفاقه، كان كلما توصل إلى فكرة جديدة يقتنع الحاضرون بأنها خاتمة بحثه يفاجئهم بالقول ولكن هنا نواجه تناقضاً جديداً يجب علينا دراسته وهو كذا ويشرع في الشرح والبحث ليصل إلى فكرة أخرى يقتنع الحاضرون أيضاً أنها الخاتمة، ليعود ويقول لهم لكن هنا نواجه تناقضاً جديداً…إلخ. يعلق دكروب: “كنا نكتشف أن تحديداته الصارمة نفسها كانت تنقلنا، بهدوء، ولكن باستمرار، إلى التخلص التدريجي من الاستخدام العشوائي وغير الدقيق للمصطلحات والمفاهيم، وإلى التخفيف مما هو جاهز من الأفكار والصياغات. رجل يتقن تحريك الفكر، وتفتيح العيون”.

تحديد معيار يوم العمل يبدو، على امتداد تاريخ الإنتاج الرأسمالي، بمثابة نتيجة للصراع بين رأس المال الجماعي، أي الطبقة الرأسمالية، والعامل الجماعي، أي الطبقة العاملة

يفتح الديالكتيك آفاقاً جديدة لفهم العالم، فهمه في ترابطه وليس كظواهر معملية معزولة. يقول إنجلز في ضد دوهرنج: “لا يمكن التوصل إلى صورة دقيقة عن الكون وتطوره وعن تطور البشرية وكذلك عن انعكاس ذلك التطور في أذهان الناس إلا بالطريق الديالكتيكي، بالانتباه المستمر للتأثير المتبادل العام بين النشوء والزوال، بين التغيرات التقدمية والتغيرات الرجعية”. وفي تناول ماركس نمط الإنتاج الرأسمالي، لا نجد علاقة سبب-نتيجة كما نعهدها في التفكير الميكانيكي، بل نجد سلسلة من التكشفات المتتالية، تناقضات تُحلّ لتُستوعَب في وحدة جديدة تتملك هي ذاتها تناقضاتها الخاصة التي تجد حلها في وحدة جديدة أخرى وهكذا دواليك، ما يجعل هذه المنهجية متجاوزةً الجمود الستاتيكي الذي يسم العقل الميكانيكي وقادرة على أن تُملِّكنا لا وعي الواقع في حركته فحسب، بل القدرة على تغيير هذا الواقع أيضاً، وهنا تبرز الأهمية السياسية لهذه المنهجية الثورية.

تبرز الأهمية السياسية في رأس المال ذلك البروز الخاص بعد ما يقرب من 300 صفحة، ما كان لماركس أن يصل إليها لو ركنَ إلى التفكير الميكانيكي. فبعد عرضه أبرز مقولاته الأساسية ومسايرته المقدمات والافتراضات البورجوازية لعلم الاقتصاد تمهيداً لنقضها، يخلص بالديالكتيك إلى أنَّ الحل لا يأتي من جانب حقوقي بل من جانب الصراع الطبقي: “يتمسك [العامل] بحقه كبائع حين يرغب في تقليص يوم العمل وحصره في مدة طبيعية معيَّنة. ثمة إذاً تعارض حقوقي، حق إزاء حق، وكلاهما يحمل ختم قانون تبادل السلع. وبين الحقوق المتساوية، لا حاكم غير القوة. من هنا فإن تحديد معيار يوم العمل يبدو، على امتداد تاريخ الإنتاج الرأسمالي، بمثابة نتيجة للصراع، صراع بين رأس المال الجماعي، أي الطبقة الرأسمالية، والعامل الجماعي، أي الطبقة العاملة”.

يحوز رأس المال من هذه الزاوية المنهجية أهميةً قصوى، بالإضافة إلى أدواره الأخرى كسلاح للحركة العمالية وكتشخيصٍ لعالم الرأسمالية ونمطها الإنتاجي، يبقى دوره كطريقة أو منهجية علمية للتفكير (أو كإطار فكري) دوراً محورياً يتيح رؤية عالم اليوم بعينٍ مختلفة وفهمه بشكل أكثر اتساقاً وشمولية.

ما من بحث علمي يتصل بدراسة الظواهر وتحليلها إلا ويستند إلى نموذج إرشادي أو إطار نظري مفهومي حاكم (paradigm) محدد، هو إطار للتفكير معرَّف ومعيَّن لدى الباحثين في حقلٍ ما. وما من سبيل لأن نصل إلى نتائج تتسق مع نظريتنا الماركسية في حال تبَنِيْنَا نماذج إرشادية صاغتها المتطلبات البرجوازية. وسوف تواصل الطبقة المهيمنة حالياً أسرنا في دوامة تفكيرها وحدودها النظرية ما لم نكتسب منهجيةً أخرى نحفر بها في الواقع، وهو ما قام به عدد من المفكرين الماركسيين منذ ماركس وإنجلز وحتى اليوم، وما لم نُزِلْ تلك الغشاوة لنرى العالم بأعينٍ صافية.

 
×