كثيرة هي العجالات التي كتبت بعد اعتقال يوسف عبدلكي مع رفيقيه توفيق عمران وعدنان الدبس. وكثيرون هم الذين كتبوا حول اعتقالهم وطالبوا بإطلاق سراحهم، أو نشروا وجدانيات وذكريات عنهم ومعهم، غير أنّ اعتقال يوسف حظي بالنصيب الأعظم من الكتابات والمتابعات في وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية ووسائل التواصل الاجتماعي سواء بسواء. بعضهم رأى في ذلك -بحسن نيّة أو بسوئها- انتقاصاً من شأن رفيقيه، ناهيك عن شؤون أكثر من مئة ألف معتقل تغصّ بهم سجون ومعتقلات وفروع النظام الأمنية المنتشرة كالسرطان على امتداد الجسد السوري كلّه، والتي تفتح عالمها السفلي أولاً لابتلاع الناشطين السلميين من أجل الدولة المدنية الديموقراطية التي تساوي بين مواطنيها جميعاً، والذين كانوا على رأس جموع الشعب التي ملأت الشوارع والحارات والأزقة رافعة مطالبَه بالحريّة والكرامة والعدالة، ومعلنة وحدته، ورافضة التدخل الخارجي في شؤونه، قبل أن ترفع شعار إسقاط النظام كنتيجة لمواجهته الأمنية العسكرية لها بالرصاص الحي والقصف وبالاعتقالات والقتل.

هل كان في تركيز الكتّاب والأفراد والوسائل المتعددة على اعتقال يوسف انتقاصاً من شأن رفيقيه أو أي من المئة ألف معتقل ويزيد؟ في الكتابات والتغطيات التي فرض الحدث على كتّابها ومُعدّيها أن ينشروها في عجالة للتعبير عن استنكارهم للاعتقال أو للمطالبة بإطلاق سراحه، أو لإلقاء ضوء من خلال الحدث على قضية الاعتقالات برمّتها أو للنفاذ منها إلى مقاصد أخرى، أشار هؤلاء بشكل أو بآخر إلى نقاط مميزة في شخص يوسف وحياته وعمله ونضاله وتجربته. تكلموا عنه شخصياً وخلقياً وأخلاقياً وعائلياً واجتماعياً وتاريخياً وسياسياً وفكرياً وفنياً. واتفقوا جميعاً – حتى أولئك المختلفين معه سياسياً وفكرياً – على المطالبة بالحرية له، فهل أتى ذلك من فراغ أم كان نتيجة لشخصيّته الاستثنائية التي لم تكن وليدة الصدفة بل كانت في معظم عناصرها من صنع صاحبها الذي صاغها بتصميم وإرادة وإتقان وإضافة وصقل وإبداع كما يفعل مع أعماله الإبداعية التي جعلته في طليعة الحفارين والرسامين ورسامي الكاريكاتير وعلماً بارزاً في ساحة الفن عموماً والمهموم منه بقضايا الوطن والإنسان والحقّ بشكل خاص.

نعم هي الشخصية الاستثنائية ليوسف عبدلكي، هي نسيجه الخاص المتفرد المتنوع المتعدد، هي روحه الحرّة الوثابة الجموح، هي ضميره النقي الحيّ المعجون بالحب والنبل والكرم والعطاء لشعبه ووطنه وللإنسان في كل مكان، هي قامته التي تؤهله بجدارة ليكون رمزاً لشعب يطمح إلى الحريّة والكرامة والعدالة والمساواة،هي اجتماع ثالوث الحق والخير والجمال في شخصه من جعلته ينال النصيب الأعظم من الاهتمام كتابة وإعلاماً وحديثاً على صفحات التواصل الاجتماعي، من دون أن تستطيع تلك العجالات أن تفصح عن التفاصيل شديدة التنوع والغنى التي جعلت منه رمزاً وقيمة، يُجمِع الجميع على فرادتها وخصوصيتها، حتى أولئك الذين يختلفون مع صاحبها سياسياً أو فكرياً، أو من يناصبونه العداء، كما لم تستطع أن تتكلم عن روحه الديموقراطية وانفتاحه على الرأي الآخر وعن رفضه لعسكرة الثورة و للهيمنة عليها من أي طرف كان، وعن رفضه للشحن الطائفي والمذهبي والعرقي، ناهيك عن الشرذمة والفرقة بين تعبيراتها السياسية المدنية.

مشى يوسف دوماً في طريق الحقّ غير هيّاب ولا وجِل، غير آبه لقلة السائرين فيه، ينير طريقه ضمير حيّ وعقلٌ متقد وذهنٌ خلّاق وثقافة رفيعة متنوعة غنية، وتسدّد خطاه قيم فكرية وإنسانية نابضة متجدّدة وإيمان لا يداخله الشكّ أو الوهن بقضيّة الإنسان وحقه في الحريّة والعدالة والمساواة والحياة الكريمة، ولم يضنّ بنفسه أو بجهده أو بوقته أو بماله أو بفنّه في سبيل ذلك.

في إنتاجه الفنيّ أيضاً كان يوسف عبدلكي طليعياً مبدعاً حراً أعطى تشكيلياً وأضافَ وطوّر وانتزع مكانته المتميّزة في ساحة التشكيل هذه المكانة الإبداعية مضافاً إليها كل ماسبق جعلته يستقطب النصيب الأعظم من الاهتمام الذي لم يَخدُم يوسف أكثر مما خدم قضية المعتقلين في سجون النظام السوري جميعاً، فلقد كان سبباً لتسليط الأنوار عليها من جديد، ولم يكن نصيب يوسف من ذلك أكثر من نصيب أي معتقل آخر.

يقف يوسف عبدلكي في الصف الأول من الفنانين التشكيليين السوريين، وكذلك العرب، وقد استطاع انتزاع مكانته هذه من خلال تفرد أسلوبه التشكيلي الذي نهل من التراث التشكيلي العربي والعالمي على حد سواء، فهو يتعامل مع الظل والنور بشكل يتقاطع مع الأساليب الغربية في الوقت الذي نجده يتخلى عن المنظور الغربي لصالح رؤية متطورة عن المنظور الذي عرفه التصوير العربي الاسلامي، كما أنه يتمرد على النسبة الذهبية والتقسيمات التي سارت عليها لوحة الحامل لتحل محلها رؤيته الخاصة التي تتعامل مع التكوين وتوزيع العناصر وعلاقة الكتلة بالفراغ بخصوصية تشكيلية متميزة وغنية، تأخذ بعين الاعتبار التمايزات التقنية بين الحفر والرسم الذين مارسهما بتميز واقتدار جعل له بصمة واضحة تمكن المتلقي من معرفة أعماله حتى لو لم تكن تحمل توقيعه. وهو متقشف في استخدام الألوان التي لم يستخدمها الا في عدد قليل من أعماله، منحاز الى الأسود والأبيض باقتدار يجعل عمله يشي باللون الغائب، من خلال رمزية خاصة ينطوي عليها، تعكس رؤية نقدية تشكيلية مبنية على هضم للمنجز الفني العالمي وسعي للإضافة عليه، وعلى فكر معجون بالإنسان وأسئلته وحياته وهمومه وآلامه وآماله، ما جعل أعماله معروفة ليس في أوساط الفنانين والنقاد وأصحاب قاعات العرض وجمّاعة الفن فحسب، بل وفي أوساط قطاع واسع من المثقفين والمتلقين، ما أكسبه شعبية خاصة لدى كثير من الفئات. وقد عرفه جمهور عريض منذ سبعينات القرن الماضي كمصمم ورسام لكتب الأطفال، وكرسام للكاريكاتير وللرسوم المصاحبة للموضوعات التي تهتم بالشأن العام في عدد من الدوريات العربية. ونشرت له بعض الصحف الفرنسية مثل اللومانيتيه واللوموند في طبعتها العربية.

يوسف عبدلكي معروف جيداً في سوريا كواحد من أبرز فنانيها التشكيليين، وكمناضل في سبيل العدالة والحرية والديموقراطية الأمر الذي عرّضه للاعتقال والنفي اللذين لم يثنياه عن الاستمرار في هذا الطريق. كما أنه معروف لدى قطاع واسع من المهتمين بالفن التشكيلي وفن الكاريكاتير في العالم.

أراني اضطررت لهذه العجالة، لكن العجالات لا تليق بيوسف، العجالات لاتليق بالضمير.

 
×