أجراه ستيفن تايت

ترجمة: يامن صابور

 

كلما تغيرت الأشياء أكثر كلما بقيت على حالها. وهذا هو السبب الذي يجعل أيمن بعلبكي اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. يستخدم هذا الفنان المتعدد التخصصات، المولود في بيروت عام 1975، ماضيه كلاجئ في صوغ أعماله التي تتصادى مع أزمة اللاجئين السوريين اليوم. وبسبب التأثير المباشر للوضع في سوريا على الغرب، نجد أنّه يحتل واجهة الأخبار، فيما لا يشكل واقع النازحين للأسف حالة فريدة من نوعها خاصة بهذا الصراع. بعلبكي الذي درس في باريس وعاد إلى بيروت، يقبع في مكان متقلقل كفنان عربي حشر في دور المعلم والمحاور والرمز لوطنه. أمّا هدفه فهو أن ينير التاريخ الذي يسهم فيه اليوم أبعد من عناوين الأخبار.

 

ثمة موضوع الترحال في أعمالك. أين تشعر بالاستقرار؟

-هذا واحد من أكثر الأسئلة تناقضاً التي تخطر ببالي. لطالما سألت نفسي حول العلاقة بين النص والصورة. ولطالما كانت الصور حاضرة خلال مسيرتي ودراستي. كنت أسبح على الدوام في حقل الرسم: كان أبي وعمي رسامين أيضاً. وبالإضافة إلى ما ينالنا كعرب من تأثيرات من ثقافات أخرى، فإنَّ النص يسود في خلفيتنا: الثقافة العربية “ثقافة نصّ”.

سبق أن تحدثت عن الصلة القوية بين المواضيع الرئيسة لأعمالي والبنية العامة للشعر الجاهلي (المعلقات) الذي تتكرر فيها مواضيع الفقد والتنقّل وتأكيد الهوية. وبشكل لا واعٍ، بزغت صلة بين الترحال وتجربتي كلاجئ. في ذلك الوقت كنا مجبرين على التنقل باستمرار، وفي كل مرة كانت أمتعة عائلتنا ثقيلة. وشعرت في لحظة أن أمتعة العائلة كانت تنتفخ وتصبح أثقل فأثقل مع كلّ خسارة.

هذا ما دفعني إلى أن أُحْكِمَ شغلي في عمل مثل كلام فارغ يربط النص بالصورة. فهمت حينها أن الثقافات العربية والسامية لطالما فضّلت النص على الصورة، ورأت فيه ملجأها.

في الجاهلية، كان الشعر الحامل الوحيد للتعبير عن الذات، وكانت الذاكرة ملجأ الثقافة البدوية الأخير. وبإيداع القبائل البدوية شعرها ذاكرتها، استطاعت الحفاظ على هويتها الجمعية وإرثها الثقافي أنّى ارتحلت. إنّ المعجم المستخدم للإشارة إلى الشعر هو ذاته المستخدم في العمارة، وهو يبين كيف أشار العرب إلى النص كأنّه منزل: بيت الشِّعر، عمود الشعر، ديوان الشعر، الشطر. أشعر أنني أتتبع خطاهم في بحث دائم عن أمتعة أخف ثقلاً … مثل الكلمات.

قد تتعرض بعض اللوحات كتلك التي أرسمها إلى المقاطعة أو حتى إلى المنع نتيجة تأويلها ببلادة

– ما الذي يلهمك؟

-كثيرة هي الأمور التي تلهمني وتأتي من مجالات عديدة. أذكر بدايةً جميع الرسامين الذين أثروا فيَّ، وكذلك الفن الشعبي والثقافة والتاريخ والأراشيف والفلسفة … يمكن القول كل شيء تقريباً! وكلما زاد إتقان عملي تغيّرت مصادر إلهامي . وهي تقودني أيضاً خلال مرحلة تحويل العمل إلى واقع ملموس. وهذا يسمح لي بالمضي قدماً.

ما هدفك كفنان؟

هنالك البحث في الجماليات: صلة الفن مع جمهوره وأثره الاجتماعي السياسي وعلاقته مع الأمكنة. ومن موقعي كمشاهد فاعل، فإن المشكلات السياسية والمسائل الاجتماعية التي تطرح أمامي تشكّل مصدر إلهام لي أنوي أن أخلق من خلاله أشكالاً رمزية.

-ما نوع المسؤولية التي نطالب بها الفنان وهو يقدّم لنا عمله؟

-ليس من مسؤولية الفنان أن ينقل معلومات موضوعية كما الصحافي، على سبيل المثال. فهو يستخدم حشداً من العلامات والمرجعيات في بناء أعماله التي ليس لها بالضرورة معنى أو صلة بالواقع. أعتقد أن الفنان يلزم نفسه، بشكل واع أو غير واع، حين يفهم أنه ينتمي إلى مجتمع وإلى عالم عصره. ما يميّز مثل هذا الالتزام هو قرار المرء الحر الذي ينطوي على مخاطر نكون مستعدين لتحمّل عواقبها. لطالما نظرت إلى غوستاف كوربيه وعلاقته بحوادث عام 1871 كنقطة مرجعية في مساءلة الفن والالتزام. لكن السؤال حول الالتزام في مجال الفنون البصرية قد يفاجئنا اليوم. ومؤخراً أعتقد أنّ الخفة قد تجاوزت كونها مجرد عيب لتصبح نموذجاً متّبعاً.

هل غيرت اعتداءات باريس في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 من قدرتك على السفر كعربي؟

-حصلت على فيزا شينغين منذ بعض الوقت، ما يجعل سفري إلى أوروبا أسهل. لكنه من الصعب أن أسافر إلى بلدان أخرى، بما في ذلك بلدان عربية. يُصنَّف جواز السفر اللبناني بين أسوأ جوازات السفر في العالم. تصنيف الجوازات بهذه الطريقة هو تمييز حقيقي.

المشكلة ليست بدنية فحسب، مع حوادث مثل تلك التي حصلت في 13 تشرين الثاني/نوفمبر في باريس أو في 11 سبتمبر/أيلول في نيويورك. القدرة على التفاعل ذاتها أصبحت أكثر تعقيداً. قد تتعرض بعض اللوحات كتلك التي أرسمها إلى المقاطعة أو حتى إلى المنع نتيجة تأويلها ببلادة. أشعر أنَّ هذا يحصل، مع أنه يحصل بصورة مواربة. أشعر أنه مع ازدياد إمكانية الوصول إلى البشر حول العالم، تزداد حالات الحظر على لقائهم بدنياً وجهاً لوجه أكثر فأكثر. كل هذا يجعل البشر يعتقدون أنهم أسرى وسط صغير.

مازلت أجد نفسي شبيهاً ببول فيريليو (المنظّر الثقافي الفرنسي) حين يصف نفسه بأنّه “طفل الحرب”: “هذه هي الأحداث الصادمة التي شكلت تفكيري، الحرب كانت جامعتي؛ كل شيء انطلق من هناك

-قبل عشر أعوام، اقتُبِسَ عنك قولك إنك لم تعرف سوى الحرب، ولهذا فهي مبثوثة في أعمالك. كيف تغير فنك ومنظورك وآراؤك حيال الحرب في العقد الماضي؟

-هناك شيءٌ سقط سهواً في ترجمة تلك المقابلة: ما عنيت قوله حينها هوأن التاريخ والصراعات لطالما تكررت في لبنان والمنطقة على فترات زمنية منتظمة حتى أصبحت هي الواقع المسيطر. لكني ما زلت أجد نفسي شبيهاً ببول فيريليو (المنظّر الثقافي الفرنسي) حين يصف نفسه بأنّه “طفل الحرب” بسبب طفولته: “هذه هي الأحداث الصادمة التي شكلت تفكيري. الحرب كانت جامعتي؛ كل شيء انطلق من هناك”.

مع التغيرات الهائلة التي اعترت طبيعة الحروب ونطاقها، حتى أصغر المعارك تغدو اليوم حدثاً عالمياً باطراد، ما يجعل من الحروب أكثر خداعاً وعادية. أمثلة سوريا والعراق واليمن وسواها نماذج صارخة على ذلك. الحروب مصلحة الأقوى، وهم يوارونها بأكاذيبهم، ولطالما كانت الحقيقة ضحيتهم الأولى.

عندما أُبدع عملاً، لا أروي قصة، بل أحاول أن أقف كشاهد على إدراكي للتاريخ في ما يخص الأحداث الحالية التي أشعر أنني أشارك فيها.

-ما هي حالات سوء الفهم الشائعة بين الغرب والشرق الأوسط في رأيك؟

-أنا حذر في استخدام مصطلح الشرق/الغرب، لأنني أجده، في أساسه، تبسيطياً للغاية و”مغلوطاً”. هذا الاستقطاب يعزز التمييز والتحيّز. وبالإضافة إلى المصطلحات، هنالك كثير من سوء الفهم إلى درجة بات معها تفكيك التحيّزات والكليشيهات والأفكار المسبقة والتعميمات وسواها بحاجة إلى جهد جبار. سبق لرديارد كيبلنغ أن كتب: “الشرق شرق والغرب غرب، ولا يمكن أن يلتقيا.” كانت تلك حقيقة (مفترضة) في زمنه. لكنها لا تعني لي شيئاً، لا اليوم ولا حينها، ما خلا أنّها استخدمت يوماً كعقيدة حرب.

من المؤسف أنَّ كتّاباً مثل المستشرق الفرنسي غاستون ويت وإدوارد سعيد وآخرين ممن لديهم معرفة عظيمة بالعالمين لم يعودوا مرجعيات قطّ. فوسائل الإعلام تركّز على الكراهية والجهل لدى المتطرفين على كلا جانبيّ هذا الانقسام الاعتباطي بين الشرق والغرب.

السفارة (٢٠١٦)

يبدو أن البلاد العربية تُظهر “الرفض في وجه الغرب”، لكني لست متأكداً من هذا. يتأتّى هذا الرفض من الإحباط والإذلال اللذين تعرض لهما هؤلاء البشر على مرّ التاريخ المعاصر. أما السبب اليوم فهو الحروب غير المتكافئة الحالية. وفي هذه الأثناء، يتكلم مزيد من الأشخاص في الغرب على “صدام الحضارات”. لكن الدليل الوحيد على صدام هو سلسلة من الأحداث الضخمة أحياناً إنّما الملتبسة. منذ 11 أيلول/سبتمبر واصل كثيرون تكرار سردية “الهمج الضعفاء” الذين بادروا إلى مهاجمة “العالم الأول”. لكن الحقيقة بالغة التعقيد! أنا أرى أن انعدام التوازن قضية عالمية: تتجاوز سوء الفهم في ثنائية الشرق/الغرب. وهي مزيج عقليات وإيديولوجيات مختلفة، وعلاقات قوة، وتقدم وتأخر تاريخيين. وأداتنا الأفضل الباقية للتغلب على هذا الوضع هي الثقافة التي تدفعنا باتجاه التفهّم المتبادل.

-كيف يستقبل البشر من بلدان مختلفة أعمالك؟

-هذا يتوقف دوماً على ثقافة المشاهد وحساسيته. لا أعتقد أن أصولنا المختلفة تحدد كيف نفسر عملاً من الأعمال؛ بل يتعلق الأمر بخبراتنا المختلفة وما عشناه. ولأن أعمالي تغتذي أساساً على الفن الغربي، فإن الاختلاف يتأتّى دوماً من المرجعية الثقافية للصورة والحياة اليومية. أحياناً أُسأل، من كل الأطراف، أسئلة غالباً ما تكون من خارج حقل الفن، وغالباً ما يحصل ذلك حين تمثل لوحاتي مواضيع يمكن مشاهدتها يومياً في الإعلام. يخطئ الناس في منطقتي أحياناً تفسير لوحاتي حين ينزعونها من سياقها، كما أن الحروب الإقليمية تساهم أيضاً في تحوير لوحاتي.

-كيف يسير إبداعك العمل؟

-الصور الفوتوغرافية هي أصل أعمالي، سواء كانت صوراً من الأرشيف أو صوراً ألتقطها بنفسي. وأنا أختار الصور استناداً إلى نظريتي عن “الآثار”: الآثار التي تبقى حولنا، على نحو ما، مثل شاهد على ما حصل في الفترة التي عشتها. وهي صور رمزية لديها القدرة على تحديث الماضي. بل إنني استخدم الصور أحياناً كوسيلة أرسم عليها بالفعل، كما هو الحال في الملصقات الإعلانية، مثلاً. نادراً ما أعمل على خلفية بيضاء. فأنا أشعر بنوع من التوجس أمام قماش اللوحة البكر. ولهذا قبل الإطباق على اللوحة، عادةً ما أغطي القماش إما بلون موحَّد أو بلصق مواد كولاج (ملصقات، قماش مزهَّر، وما إلى ذلك …) وفي أحيان أخرى أُتبع ذلك بالمزاوجة بين بعض هذه المواد التي تمتزج مع اللوحة. أشعر أنني أوسع مفاهيمي وأدواتي وطرائقي وأمزج بينها في الوقت ذاته.

أين تعيش اليوم؟

– أعيش في بيروت، في الحمرا: الحي المتنوع الذي استطاع الحفاظ على روحه حتى خلال الحرب الأهلية. تكمن أصالة الحمرا في تعدد وظائفه وفي تنوعه الاجتماعي وقصصه المتباينة.

تغيرت بيروت ككل كثيراً على صعيدها الحضري. الكوارث التي حصلت بعد الحرب كانت أكبر من الحرب ذاتها بكثير

كيف تغيرت بيروت؟

بيروت تتغير باستمرار، نتيجة موقعها بين ثلاث قارات. لطالما كانت معبراً تاريخياً للغزاة، شأنها شأن الشرق الأوسط بأكمله.

كل شيء يحصل بسرعة. ولدت في بيروت ولكن في حي للاجئين كان قد بدأ يومها بتشكيل طبقة جديدة من نسيج بيروت الاجتماعي. كان أهلنا على الطريق في رحلة “سريعة” من المناطق الريفية إلى المدن. كل هذا حصل في الفترة بين جيلين فقط. لكن نهاية الحرب والبدء بمشروع إعادة إعمار وسط المدينة وضعا نهاية لهذا الواقع، وتغيرت بيروت ككل كثيراً على صعيدها الحضري. الكوارث التي حصلت بعد الحرب كانت أكبر من الحرب ذاتها بكثير. لكنني متفائل مع ذلك، حتى لو حملنا أمتعة ثقيلة بسبب موقعنا: على الرغم من الحروب المستمرة وكوارثها والتغيرات الديموغرافية، أنا أؤمن أنّ بيروت لا يزال لديها دور محدد تلعبه في ما يخص العالم العربي والمتوسط. وثمة حاجة اليوم للحفاظ على ما تبقى من مزيج المنطقة وبيروت جزء منه.

البرلمان (٢٠١٤)

-كيف يجري عملك هذه الأيام؟

ببطء نوعاً ما. أنا ألجأ إلى “التكرار” بغية ترك أثر. أعمل على عدد من المواضيع الجديدة: طائرات مقصوفة ومحطمة، حواجز، أعلام محروقة. لكنني لا أزال أقارب المواضيع القديمة في الوقت ذاته. أنا لا أومن بالعمل في مسار خطي أو بطريقة موضوعاتية تماماً. العملية عشوائية بعض الشيء: أنسج كدودة القز حول أعمالي القديمة. وفي الوقت ذاته أدع لمواضيع غير متوقعة وللمواد ذاتها أن تقودني. أحسب أن تقدمي يكمن في الاستمرارية.

هل يشكل الفن مهرباً بالنسبة إليك؟

يتحدّى الفن الرؤية الشائعة للواقع. ويطلب منا مساءلة ما ندعوه الواقع بالإشارة إلى رؤية أخرى للعالم. يقول سارتر: “التأمل الجمالي حلم مستثار”. وبتضافر الفن مع الأحلام والخيال، يغدو وسيلة هروب من هذا الواقع الثقيل والضيق ويقدم لنا “عالماً آخراً.

 

 
×