في روايته “الحيّ الروسي”، إصدار”ضفاف والاختلاف” 2019، لا تشكّل الحرب ثيمة الرواية الرئيسة، إنّما اتخذها خليل الرز خلفيّة لمجريات حياة مجتمع صغير يعيش خلالها في “الحيّ الروسي” .

في غرفة على سطح بناءٍ في حديقة الحيوانات، يعيش السارد، الذي يعمل مترجماً عن اللغة الروسية ومهتماً بآدابها. درس الأدب الروسي في موسكو، وعمل مترجماً في إحدى صحفها. وبهذا يتشارك السارد مع الروائي. واختيار خليل الرز لشخصيّات روائية روسية، لا يشير إلى أيّ موقف سياسيّ، كما هو واضح في النص.

تعيش مع السارد زوجتُه الروسية “نونا”، وأمّه المصابة بالسكّري وقد جاءت إليه بعد بتر إحدى ساقيها، ثمّ الزرافة أمام الغرفة. في فسحة، حيث ستجري أحداث عديدة، وُضعت صوفا، وطاولة صغيرة عليها تلفزيون بالأبيض والأسود يبث مباراة لكرة القدم بين إسبانيا والأرغواي، جرت منذ خمسين عاماً!

يتهادى الحيّ الروسيّ، المكان الروائي الرئيس، بين الواقع والخيال والفنتازيا. يظهر كمكان مشبع بالغرائبية واللامعقول مثل غرائبيّة الحرب السورية ولا معقوليّتها!

في الرواية خلطة من تقنيّات سرديّة عديدة، كالخطف خلفاً، الاستباق والتكرار. وفيها تتعدّد الأزمنة والأمكنة، تتشظى وتتداخل باتزان. يسوق السرد لغة منحوتة بدراية لنحّات متأن صبور، فلا شطط فيها أو لغو. لغة أنيقة وبسيطة تتراشق، تواري وتفصح. والمتتبع للغة في مجمل أعمال خليل الرز الروائية، يلاحظ ولعه باعتماد مفردات شائعة في اللهجة المحليّة الدارجة، هي فصيحة وحاضرة في قواميس اللغة.

السارد عليم ومثقّف، فاعل ومنفعل، هو إحدى شخصيّات الرواية الكثيرين من سوريّين وروسيّين، وحيوانات أيضاً، إنّما لا بطولة لأيّ منهم، ولا حتى لشخصيّة عصام الحاضرة بقوّة. عصام بطل الجمهوريّة العربية السورية في الرماية ورفع الأثقال، يصبح ثانية بطلاً في الحيّ الروسي، وينال ثقة أهاليه ومحبتهم، بعدما خلّصهم من “بوريا” المتنفّذ الفعلي بمصائر الحيّ بعلم الجهات الرسميّة ومباركتها!

يخرج الحيّ الروسي عن بكرة أبيه في التشييع رغم خطورة الموقف، فعصام الذي لا يد له في هذه الحرب لم يمت في الحيّ، إنّما في الغوطة الشرقية المجاورة، حيث تدور المعارك

يشغل عصام أهالي الحيّ وحيواناته المختلفة. حيوانات شخصيّات روائية إنّما غير ناطقة، غير أنّها تشعر وتحسّ، تدرك وتعبّر، تتأثر بالمحيط وتؤثر فيه. مثل الكلبة الهرمة “رئيسة بتروفنا” لصاحبها فيكتور إيفانيتش مدير حديقة الحيوانات، والكلب البودل “موستاش” الذي بلغ سنّ الحكمة، لصاحبه أبو علي سليمان مدرس اللغة الفرنسية وصاحب محل ألبسة في الحيّ. يتمكّن الكلبان:” من تمتين صداقتهما العفيفة طبعاً بحكم السن!”(ص82) ثمّ “غزال” قطة عصام التي دفعت به للمجيء للمرّة الأولى إلى السطح، وسيكون لذلك أثره فيما بعد، ولولاها أيضاً لما عرفوا باختفائه قبل وصوله إليهم جثّة هامدة.

أمّا أبرز الحيوانات فهي شخصيّة الزرافة التي تنازل عنها سيرك مهمّ، وأرسلها، منذ خمس سنوات، إلى حديقة الحيوانات بسبب إصابتها بالعمى، على حدّ زعم فيكتور إيفانيتش مدير الحديقة. لكنّ السارد وزوجته نونا يستنكران ذلك وينفيانه. فالزرافة تعيش معهما، وقد جرّباها وخبراها، وإذاً:” كيف يمكن أن تكون زرافة عمياء؟ هي التي لا تكلّ عن الإصغاء الخالص إلى هواجسنا والتغلغل بنظراتها الصافية الثاقبة الدافئة السوداء إلى أعماقنا، كما لو أنها في كل مرة تولّف فينا وفيها خواطرنا الدفينة بخواطرها الخاصة، وأسرارنا بأسرارها، ومشاعرنا بمشاعرها.”(ص35). فثمّة أفكار تبثّها كنبوءة، مثل أن توحي لنونا التي تحيك بالصوف ما لم تتوضح معالم شكله بعد، لحياكة عصفورٍ من دون أن تنتبه نونا ذاتها إلى ذلك أو تراه، ولا زوجها الذي خمّن أنّ العصفور هو إحدى أفكار الزرافة! بعد حين، يتضح الشكلُ الذي حاكته نونا؛ إنّه مفرش سيغطي جثّة عصام!

لن يطير العصفور، كما نتوقّع في فضاءات الرز الفنتازيّة، بل نونا نفسها، هي التي طارت وحلّقت، وكأنّما تبحث عن الخلاص، أثناء سيرها المفجع مع المشيّيعين في مشهديّة جنائزية فنتازيّة مسرحية مدهشة.

يخرج الحيّ الروسي عن بكرة أبيه في التشييع، رغم خطورة الموقف تبعاً لقانون نظام البلد، فعصام الذي لا يد له في هذه الحرب أو أيّ اهتمام بالشأن السياسيّ، لم يمت في الحيّ، ليسهل عليهم أمر دفنه، إنّما في الغوطة الشرقية المجاورة، حيث تدور المعارك. لقد ذهب إليها. وهناك أعدمته المحكمة الشرعية للكتائب الجهاديّة بتهمتين، إحداها، الزنا بامرأة مغربية مسلمة، والعيش معها لسنوات تحت سقف واحد دون عقد زواج. رغم ذلك، شيّعه الأهالي باتفاق ضمني جامع، لم يألفوه سابقاً. فالناس في هذا الحيّ المُحدث، لم يكن يجمعهم أيّ جامع عقائدي أو فكري، ولا موروث مقدّس أو غير مقدس، ولا تاريخ طويل. لكنّهم إزاء مقتل عصام:” بدوا كما لو أنهم يقفون أخيراً أمام نفق إجباريّ لا بدّ من عبوره… لقد طالت مراوحتهم كثيراً جدّاً على حافة تنزلق تحت أقدامهم يوماً بعد يوم إلى قلب الهاوية، كأنّ عقلاً جماعيّاً متجهّماً يسيّرهم الآن لأن يقولوا معاً كلمة قويّة، أخيرة ربّما، قد لا يحتمل الحيّ الروسي قولها دفعة واحدة.” (ص226). فيسيرون معاً في التشييع تحت الظلام السميك، ثمّ سيخرجون في طريق آخر، ومصير مغاير، إثر قصف طيران النظام لحيّهم، تلاه انفجار سيارة قرب سور حديقة الحيوانات، فخّخها الطرف المعارض! حدث ذلك، في صباح مبكر شبه معتم، ثمّ أمام:” شمس تشرق على هينتها خلف أفق بعيد لا نراه.” (ص280) إنّها شمس نكرة وبطيئة، أمل نكرة. هو العبث بعينه!

إزاء أمّ السارد المضطهَدة ومهيضة الجناح، فإن الزرافة تبطن، أمّاً أخرى مختلفة، أمّاً قويّة شجاعة وملهمة

إذاً، لم ينج الحيّ الروسي الذي اختار الحيّاد في هذه الحرب، من أيّ طرف من طرفي الاقتتال، حتّى لو كان المسكن في حديقة حيوانات!

يتابع الحشد سيره الطويل خلف الزرافة، رجالاً ونساء وأطفالاً، بما تيّسر لهم حمله من متاع عجيب، وصولاً إلى العاصمة دمشق، وفي ساحة الأمويين سيحلّ محلّ المشهد الفنتازي مشهد آخر يمزج الواقع بالخيال. يتظاهر الحشد، يشاركه الكلبان رئيسة بروفنا والبودل موستاش الذي لن يتوقف عن النباح/الهتاف. وما تزال الزرافة تقودهم، لكنّها سرعان ما ستقتل بقذيفتي مدفعية!

لن تقتصر الرواية على استلهام المسرح في معمارها السردي، أو على افتعاله مثلاً من قبل الممثل العريق عبد الجليل حجازي، الذي حوّلته الحرب إلى مصلح ساعات. إنّما يستوحي خليل الرز، على عادته المميّزة، من فنون أخرى سينمائية وتشكيلية. وبمقدرة تصويرية وتوصيفيّة بديعة يقدّم مشاهد سينمائيّة عدّة، تتناوب فيها الكوميديا والكوميديا السوداء أحياناً، مثل مشهد لقاء الأهالي وأبو علي سليمان برشيدة المغربية، إثر اختفاء عصام، وغيره من المشاهد التي ترسخ في الذاكرة.

يحمل السرد أفكاراً ومفاهيم عديدة، وأحداثاً تتوالد وحكايات تتناسل، عبرها ينتقل الكاتب بمهارة بين الأفكار الكبيرة المجرّدة، وبين التفاصيل الصغيرة والدقيقة، واقعيّة كانت أم مُتخيّلة، وبفنّيّة لافتة، تندرج في السرد وتتناغم معه وتثريه، من دون أيّ استعراض ثقافي نافر أو منفّر.

لا يُغفل الكاتب، كما في رواياته السابقة، الحديثَ عن المرأة. فثمّة نونا، تهتمّ بزوجها وبالزرافة وبأبيها. وتواظب على حياكة الصوف. ما يذكرنا بـ”بينلوب هوميروس” مع اختلاف هدفي الحائكتين. في المقابل، خصّص الرز فصلاً كاملاً للحديث عن أمّ السارد المرأة المضطهدة، وسرد حكاية طفولتها ويفاعتها في الرقة، وعذاباتها المديدة. وثمّة رشيدة المغربية التي شعرت بالضياع بعد مقتل عصام ملاذها الحامي.

لن يمرّ فصل الأم منفصلاً عن المتن الروائي، بل يتداخل معه. فنشعر أنّ الأمّ تتماهي مع الزرافة، وفقاً للسارد. فمثلاً، يقول:” … أو أنّني أمتّ بصلة رحم ما إلى الزرافة…”(ص184) وفي مطرح آخر، ولحظة ما، يرغب، ولإحساسه بالذنب، في أن يعانق الزرافة بمثل رغبته الشديدة في معانقة أمّه، هذه التي لم يحدث أن عانقها يوماً، ولن يحدث!

إذاً، إزاء أمّ السارد المضطهَدة ومهيضة الجناح، فإن الزرافة تبطن، أمّاً أخرى مختلفة، أمّاً قويّة شجاعة وملهمة، تجيد حلّ المشاكل، مثلما حلّت مشكلة خوف الناس من السير في تشييع عصام، وقادتهم بنفسها!

يوارب اختيار الكاتب الزرافة أيضاً ما يوارب! فالزرافة جميلة ومسالمة، كبيرة الحجم، قوائمها على الأرض، ورقبتها الطويلة تصل برأسها إلى الأعالي، فترى ما لا يستطيع غيرها رؤيته. جعلها الكاتب صامتة. واقفة أغلب الأحيان. خائفة. تتأمّل، ونادراً ما تنام. وفي الليل فقط تصدر أصواتاً خفيضة تشبه الغناء. تلهم محيطها بأفكار خطيرة بنّاءة. أليست تلك أسباباً كافية لاتهامها بالعمى سابقاً وإقالتها، من جهة إدارة السيرك، ولقتلها لاحقاً، من قبل نظام البلد؟

يجتهد خليل الرز في مجمل أعماله الروائيّة، مثل روايتي “البدل، و”بالتساوي”، ويكدّ في بحثه الدؤوب عن التمايز، يبرع في بناء هياكلها، وفي رسم التفاصيل الكبيرة والصغيرة وتصويرها، متأثّراً بالرواية العالميّة، الروسيّة خاصّة، ومبحراً في التجريب والحداثة. ولديه، البطولة الروائية هي للفنّ.

أمّا قارئه فلن يسترخي أبداً، وعلى قلق يقلّب الصفحات بدهشة واستمتاع.

تجدر الإشارة، إلى أن رواية “الحيّ الروسي” وصلت إلى القائمة القصيرة في مسابقة “البوكر العربية” لهذا العام، وستُعلن النتائج في نيسان/أبريل المقبل.

المزيد من هذا المؤلف

نقرع كؤوسنا أملًا

نهار طويل من الضحك!

 
×