فور سماعنا قطعة موسيقية، نسارع – بتذاكٍ سمجٍ أحياناً – للقول إنها لمؤلف معين. هنا يبدو أسلوب المؤلف مصبوغاً بطابع محدد، بتتالٍ موسيقي خاص، أو، بشكل أدق، تتنمط أدواته في التعبير، ليمتلك ملامح خاصة تلازمه غالباً مدى الحياة، نتذوقها ونستمتع بها، ولاحقاً نتورط بها، كذوّاقة النبيذ. والأمر في الكتابة ليس أفضل، فمن السهل أن نقول إن فلاناً متأثرٌ بأسلوب محمد الماغوط أو ميلان كونديرا. لقد خَلق كتّاب مثلهما أنماطاً خاصة أسَرَتهم طويلاً. وفي الفن التشكيلي يبدو الأمر أكثر وضوحاً، إذ إن جزءاً من التكرار يظهر كما لو كان هدفاً بحد ذاته، كالفن الكنسي في المرحلة البيزنطية وعصر النهضة، وكلاهما متشابه بموضوعاته وآليات تعبيره. التثوير كان في مراحل كتلك يظهر في شكل التعبير أكثر مما يبرز في المضمون، كما في حال اللوحات المشهدية لقصص دينية. التكرار، في حالات كهذه، سمة مُغوية، لأنها تضمن إلى حد ما تفاعلَ المتلقي الذي يثمّن تجارب مشابهة، علماً أن أسلوب الفنان يتنمّط حتى في تجاربه اللاحقة الهادفة إلى التجديد، كما نلاحظ في أعمال كليمت أو إيغون شيلي مثلاً. حتى أكثر الفنانين تمرداً مثل بيكاسو أو دالي لم ينجوا من هذا التنميط رغم ثوريتهم المتطرفة.

إن التكرار ليس لعنة دائماً، فهو أحياناً الحلُّ الوحيدُ الذي يبقى للمبدع عندما يقول كلَّ ما لديه، ولا يقدر على تجديد نفسه، فيعود إلى اللعب بالأدوات القديمة المجرّبة، أي إلى اللعب الآمن المضمون. لماذا على الممثل البارع أن يؤدي دوراً من أعمال شكسبير؟ لماذا تُنتَج أفلام في العام 2018 عن الملك لير وماكبث؟ ما زلت أرى في روميو وجوليت مقلباً كبيراً للبشرية إن أخذنا بالاعتبار الشكوكَ التي تفيد بأن شكسبير كان مثلياً جنسياً، إذ إن ملحمة العشاق هذه تبدو مجرّد مسرح عبث (أتمنى أن يُخرج أحدهم فيلماً لحكاية العشق نفسها بين مثليين… هذا قد يكون تمرداً على سطوة التكرار!) . لماذا تتكرر أعمال باخ أو موزارت كأعمال مقدسة ومحمية من النسيان؟ بالتأكيد لا أنتقص هنا من قيمة أي من الأعمال أو المبدعين الذين ذكرتُهم، إنما أحاول أن أحلل فكرة التكرار، التكرار الذي يكاد يجعل أبي على سبيل المثال ينظر بنوع من التعاطف لأي مطربة تغنّي لأم كلثوم، مع أن صوتها قد يكون رديئاً. إنه يثمّن خيارها بالدرجة الأولى، ويكافئها بالإصغاء.

التكرار يلاحقنا في الأمثال والأغاني الشعبية عن الفراق والهيام، التي تتماهى مع ما ورد في الكثير من شعرنا الجاهلي، الذي درج على البدء بالوقوف على الأطلال والتفجّع على الغائبين. التكرار هنا ثقافة عميقة لها آثارها في اللاوعي. ليس في إنتاج الفن وتلقيه فحسب، بل في تعريف الفن نفسه. والمضحك أن التجديد نفسه يخضع بسهولة لسطوة التكرار. هنا لا أستطيع أن أكتم غيظي من الكثير من اللوحات البائسة، البيضاء الفارغة، أو التي يُضاف إليها خطٌ أحمر يتيم، المعلقة في متاحف الفن الحديث التي تختلف الواحدة منها عن الأخرى بتفاصيل لا أهمية لها، والتي يحميها موظفو المتاحف بأمانة عسكرية كوميدية. التكرار أيضاً قد يخنق التجديد في الفن التشكيلي. لي أصدقاء يرسمون الثيمات نفسها لسنوات طويلة. لهم خصوصيتهم، لكنهم قانعون بذلك الكهف الذي حفروه بقلوبٍ تشفُّ.

الرسام في أي عمل مُقلّد يكشف نفسه، لأنه لا يقدر أن يُغيّب ذاته تماماً، وسيُعبر عن نفسه ولو بضربة فرشاة خاصة خارج العمل الأصلي

ولا يقتصر التكرار على الفنانين بل يتجاوزهم لمقلديهم. إعادة تمثيل شكسبير أو موليير أو تشيخوف فيها شيء من التقليد، وهي تفرض بشكلٍ أو بآخر نمطاً أدائياً مفتعلاً يتماشى مع العبارات المفخّمة في أعمال شكسبير تحديداً. وفي الفن التشكيلي، تقليدُ نسخ الأعمال الكلاسيكية أمر شائع، كما أن المحاكاة والاقتباس شائعان في الأدب. وعموماً لا أرى أي مشكلة في ذلك متى كان من يقتبس يُنتج نصاً عالي الجودة (وأتعاطف لأعتبرها تناصاً)، وكذلك الأمر في الموسيقى.

أما في الفن التشكيلي، فالأمر يختلف قليلاً، إذ إن التكرار جزء من التعلم. أغلب الرسم الواقعي هو مجرد محاكاة “ساذجة” إلى حد ما. كثيراً ما كُنت أسأل نفسي: أليست أشهر اللوحات في العالم هي تكرار لمرجع بصريreference؟ أليست الموناليزا تكرار لصاحبتها؟ أليس الأصل أقوى من اللوحة (أحياناً على الأقل)، أو بشكلٍ أدق الحكاية المختبئة وراء الأصل؟ أليست الحكاية وراء لوحة نهاية العالم لكوربيه أقوى من اللوحة ذاتها، وهي قصة السفير التركي (المسلم من حيث المبدأ) المولع بصاحبته، والذي أراد تخليد جسدها وفرجها تحديداً، فطلب من كوربيه رسمها؟ ألم تستلق أمام الرسام ليرسمها، وفي أقل الروايات حدة رسمها من صورة، ولكن جسدها كان يضج في خياله، وبالتأكيد في خيال السفير؟ هل كان يعتقد أنه سيأخذ مع اللوحة شيئاً من خيال كوربيه؟ ألا يجوز أن نقول إنهما تشاركا ما هو أكثر من اللوحة التي دفع مقابلها قدراً من المال؟ التكرار هنا ضعيف أمام الأصل، النادر والمتحرك والمتحول خارج إطار اللوحة. الجسد الأنثوي المجهول هنا هو الفضاء العام الذي تتطور فيه رابطة بين العاشق والرسام. أليست حكايات إيغون شيلي مع نسائه مغرية بما لا يقل عن لوحاته؟ ألم يرسم الكثير من الفنانين المذهلين بورتريهات شخصية، كانوا يعيديون ذواتهم عبرها بأمزجة مختلفة؟ كل ما يرسم هو تكرار، أو صدى للشيء العصي عن الإمساك.

أتذكر فكرة ساحرة في فيلم The Best Offer للمخرج Tornatore، يقول فيها الشخص الخبير في الفن التشكيلي ما معناه: إن الرسام في أي عمل مُقلّد يكشف نفسه، لأنه لا يقدر أن يُغيّب ذاته تماماً، وسيُعبّر عن نفسه ولو بضربة فرشاة خاصة خارج العمل الأصلي. العمل الزائف قد يحمل روحَين لا روحاً واحدة. في هذه الفكرة مرافعة قوية لصالح التكرار الذي يغدو أصيلاً إلى حد ما، وأحياناً أشد أصالة من الأصل!

التكرار بالتأكيد ضرورة، بل هو قوة جبارة أحياناً كما في الطبخ (وهو أحد أنواع الفنون). إذ إنّ أجود خلطات الطعام قائمة على التكرار الدقيق. هنا يغدو الضبط الصارم للتكرار هو السر في النجاح. على المستوى الشخصي، أحصل على عقابي الخاص لـ”تذمري” من التكرار في عملي اليومي كجرّاح (الجراحة العينية بالنسبة لي، نوع خاص جداً من الفن). إذ أقصى ما يتمناه الجرّاح (والمريض طبعاً) هو إبقاء العملية في المنطقة الآمنة المألوفة والمحمية بالتكرار، الذي يَخرج من صفة اللعنة إلى التميمة، تميمةٌ تخفّف من هَول الأشياء، لتجعلها أكثر ألفة!

لوحة لكاتب المقالة عبد الوهاب عزاوي

المزيد من هذا المؤلف

 
×