بول سويني، جون ماغ، جون بيلامي فوستر*

ترجمة: علاء سند بريك هنيدي

أزمات الرأسمالية

كُتِبَ البيان الشيوعي في عام 1884، وكان عام أزمةٍ في أوروبا. عامنا الحالي، 2018، هو العام العاشر لأزمةٍ تعصف بالاقتصاد الرأسمالي المعولم، أزمةٌ لا نهاية لها. ما قاله كارل ماركس وفريدريك إنجلز حول “الأزمات التجارية الدورية التي تهدد أكثر فأكثر وجود المجتمع البرجوازي بأسره”، ينطبق تماماً على زمننا الراهن. ولقد كتبا في تشخيص السبب الأساس “لهذه الأزمات”: “في الأزمات يتـفـشّى وباء مجتمعيّ ما كان ليبدو، في كل العصور السالفة، إلاّ مستحيلاً، وهو وباء فائض الإنتاج”. ربما يصحّ على عصرنا وصفه بـ “عصر الإفراط في إنتاج وسائل الإنتاج”. لم يفهم الاقتصاد البرجوازي هذا الأمر، ولعلّه لن يفهمه.

بدأت الأزمة المالية الكبرى والركود العظيم في الولايات المتحدة في 2007-2008 وعمَّت بسرعة أرجاء المعمورة، مشيرةً إلى ما يبدو على أنّه نقطة تحول في تاريخ العالم. وعلى الرغم مما تبع هذا في غضون عامين من مرحلة تعافٍ مطولة، مرحلة هي الأضعف في القرن الأخير، ما زال الاقتصاد العالمي بعد عشر سنوات من بداية الأزمة في حالة ركود. ولا تزال الولايات المتحدة وأوروبا واليابان في حالة نمو بطيء وعدم استقرار مالي، مع ظهور هزات اقتصادية جديدة طوال الوقت تاركةً آثارها على الصعيد العالمي. النقطة المشرقة الوحيدة في الاقتصاد العالمي، من وجهة نظر النمو، هي التوسع الذي لا يمكن إيقافه –على ما يبدو– لحفنة من الاقتصادات الناشئة، لا سيما الصين. ومع ذلك، فإنَّ الاستقرار المستمر للصين أصبح الآن موضع تساؤل، خصوصاً أنَّه يعتمد بدرجة عالية على التكامل مع الرأسمالية العالمية. ومن هنا، فإنَّ الإجماع العام بين المراقبين الاقتصاديين المُطَّلعين هو أنَّ الاقتصاد الرأسمالي العالمي يواجه خطر الركود على المدى الطويل (ما يعقّد الموضوع احتمال ممارسة المزيد من تخفيض المديونية المالية)، ذلك المدى الذي يشار إليه أحيانًا باسم مشكلة “العقود الضائعة” (lost decades). لقد برزت مسألة ركود الاقتصاد الرأسمالي كقضية كبرى في جميع أنحاء العالم (مزيحةً قضية البيئة)، حتى عند الاقتصاديين البرجوازيين الجادين.

يبقى تحليل البيان الشيوعي لتعاقب الأزمات التي “تهدد أكثر فأكثر وجود المجتمع البرجوازي بأسره” محورياً بالنسبة إلى أي محاولة للتنبؤ بأحداث السنوات القادمة. لم يتحقق التعافي البطيء إلّا من خلال التوسّع العالمي غير المسبوق في الديون –العامة والخاصة على حد سواء– وهو توسّع أصبح ممكناً بفضل التخفيض القسري لأسعار الفائدة إلى مستويات لم يسبق لها مثيل. لم يذهب هذا السيل من الديون الجديدة إلى الحقل الإنتاجي، كما يتضح من الركود الكبير في النمو، ولكن إلى التضخم العالمي في أسعار الأصول. وكانت النتيجة استحواذ حفنة صغيرة على جُلِّ هذه المكاسب المنتجة في العقد الأخير، حفنة تملك أغلب أصول العالم سواء كانت أصولاً عقارية أو أوراقاً مالية. لكن الرأسمالية العالمية ما زالت عالقة في التناقض الذي تفرضه ضرورة التوسع المستمر في الأرباح من خلال الاستيلاء على فائض القيمة عبر استغلال العمل، وضرورة إنماء ذلك الفائض من خلال الاستهلاك أو الاستثمار الجديد. يمثّل الاستثمار الجديد في القدرة الإنتاجية، في رأسمالية عالمية مبتلاة بفائض قدرة، مشكلة أكثر منه حلاً. ولم يجرِ الحفاظ على استهلاك العمال، بالنظر إلى الضغط المتزايد باستمرار على الأجور في جميع أنحاء العالم (والضغط التصاعدي على الريوع الناجم عن تضخم الأصول)، إلّا من خلال الزيادة الهائلة في ديون الطبقة العاملة؛ ففي الولايات المتحدة اليوم، ليس لدى غالبية العاملين بأجر أي مدخرات على الإطلاق. ولا تزال الدورة التجارية التي حددها البيان الشيوعي يقينية إلى حد كبير في عالم لا يقيني. ولقد وصل التعافي من الأزمة الكبيرة في 2007-2008 إلى مرحلته النهائية، ولم تعد تقنيات الديون وخفض أسعار الفائدة التي مكَّنت التعافي الأخير متاحة. وليس بوسع المستقبل القريب إلّا أنْ يثبت الأهمية المتواصلة لعبارة البيان الشيوعي حول “الأزمات التجارية الدورية التي تهدد أكثر فأكثر”.

إلى أين؟

كان ماركس وإنجلز ثوريين مخلصين يؤمنان أنَّ التناقضات المتأصلة وغير المستقرة للرأسمالية ستولد صراعاً ثورياً مضطرداً وناجحاً في نهاية المطاف يقلب النظام ويستبدل به نظاماً أكثر إنسانية وعقلانية. لكن هل سمح تحليلهم بنتيجة تاريخية مختلفة أو انطوى عليها؟ الجواب، بحسب اعتقادنا، هو نعم لا لبس فيها. ففي البيان، وفي الصفحة الأولى من القسم الأول الموسوم “البرجوازيون والبروليتاريون”، نقرأ في فقرة كثيراً ما يُستشهد بها: “إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. الحرّ والعبد، النبيل والعامي، البارون والقنّ، المعلّم والصانع، وبكلمة الظالمون والمظلومون، الواقعون في تعارض دائم، خاضوا حرباً متواصلة، معلنة تارة ومستترة طوراً، حربٌ كانت تنتهي في كلّ مرة إمّا بتحول ثوري للمجتمع كلّه أو بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين”.

لم يُكتب في البيان المزيد حول “هلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين”، على الأرجح لأنَّ ماركس وإنجلز لم يريا ذلك نتيجةً محتملة للصراع الطبقي في ظلّ الرأسمالية. ولكن إذا نظرنا من حولنا اليوم –وأخذنا في الاعتبار إلى أيّ مدى تدمر الرأسمالية الأسس الطبيعية لاقتصاد مستدام أو تقوّضها– فعلينا بالتأكيد وضع “هلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين” في موضعها كإمكانية واقعية للغاية في المستقبل القريب.

ما العمل؟

يجب أنْ نحاول إقناع شعوب العالم بحقيقة الرأسمالية، حقيقة أنَّها ليست “نهاية التاريخ” –كما يريد منا الأيديولوجيون البرجوازيون أن نصدق– لكن استمرار وجودها يمكن أن يؤدي حقًا إلى نهاية التاريخ. هل يقدم البيان أي مساعدة في هذا الصدد؟ ربما –إذا قرأناه بعناية وفسّرناه على نحوٍ مبتكَر. ففي مقطع كثيراً ما جرى إهماله، يُدخل ماركس وإنجلز موضوعًا جديدًا في تحليلهما: “أخيراً، عندما يقترب الصراع الطبقي من الحسم، تتخذ عملية التـفسّخ داخل الطبقة السائدة، وداخل المجتمع القديم بأسره، طابعاً عنيفاً وحاداً، إلى حدّ أنّ قسماً صغيراً من الطبقة السائدة يَنسلخ عنها وينضمّ إلى الطبقة الثورية، إلى الطبقة التي تحمل بين يديها المستقبل. ومثلما انتقل في الماضي قسم من النبلاء إلى البرجوازية، ينتقل الآن قسم من البرجوازية إلى البروليتاريا، لا سيما هذا القسم من الأيديولوجيين البرجوازيين الذين ارتفعوا إلى مستوى الفَهم النظري لمُجمل الحركة التاريخية”.

يعكس هذا، بالنسبة إلى ماركس، ما فهم أنَّه “عصر تفسّخ” علاقات الملكية الطبقية التي أسقطت المجتمع الإقطاعي (انظر خصوصاً نقاشه حول “التشكيلات الاقتصادية ما قبل الرأسمالية” في عمله الأسس أو الغروندريسه). نعتقد أنّ عصرًا مماثلًا من التفسّخ سيؤدي إلى إسقاط الرأسمالية بدورها، على الرغم من أنَّ تفسّخ العلاقات الرأسمالية سيتخذ بالضرورة شكلًا مختلفًا.

في ظل الرأسمالية الحالية –لا سيما في البلدان الأغنى– يمكن أنْ نلمس باطراد تصاعدَ تناقضاتٍ حادة تُسرِّع في تفكك النظام، تتبدى في أقصى درجات استقطاب الدخل والثروة في جميع الدول، وعلى الصعيد العالمي، كما يمكن أن نتحسس الواجهة المدمرة للركود والأَمْوَلة “financialization” والعولمة النيوليبرالية، والأهم من ذلك كله، الأزمة الكوكبية المتسارعة التي تهدد البشرية جمعاء. وبسبب هذه التطورات التاريخية نرى “التفسخ [الحالي] داخل الطبقة الحاكمة”، وهو ما يتضح في عدم الاستقرار المتزايد للدولة. وعلى الرغم من الدور الأيديولوجي المستمر الذي تؤديه الاقتصاديات البرجوازية، لا يوجد إخفاء للتناقضات الحادة في عصرنا التي يمكن لأي طفل رؤيتها. ومع تفاقم العواقب المُهلِكة للرأسمالية، سيدرك عدد متزايد من الناس -ليس الحركات الثورية في جميع أنحاء العالم فحسب، بل أيضًا “الأيديولوجيون البرجوازيون الذين رفعوا أنفسهم إلى مستوى الفهم النظري للحركة التاريخية ككل”- ما ينبغي عمله، إذا ما كان لجنسنا البشري أي مستقبل. مهمتنا هي المساعدة في التوصل إلى هذا الإدراك في أقصر وقت ممكن، ما دام لا يزال هنالك وقت.

 

* The Communist Manifesto in the Twenty-First Century مجلة Monthly Review المجلد 70 العدد1 (أيار 2018) وهو إعادة نشر مع رؤية معاصرة لبيلامي فوستر وماغ. نشر أساساً كذكرى لمرور 150 عام على البيان بعنوان “البيان الشيوعي اليوم” في عدد أيار للعام 1998 في نفس المجلة.

*جون بيلامي فوستر: عالم اجتماع وكاتب ومنظِّر ماركسي، وهو بالإضافة لذلك محرر في مجلة Monthly Review. صدر له العديد من المؤلفات والمقالات وتُرجِم له إلى العربية مقالات عدة آخرها مقالة “ماركس: القيمة والطبيعة”.

*بول م. سويزي (1910-2004): أحد أبرز المنظرين الماركسيين وهو أمريكي الجنسية قدّم العديد من المساهمات في مجال تطوير فهمنا لعمل نمط الإنتاج الرأسمالي، له العديد من الأعمال المترجمة للعربية منها “الاشتراكية، رأس المال الاحتكاري”.

 
×