ديريك والكوت

ترجمة: أحمد م. أحمد

البحرُ تاريخٌ

أين شواهدُكم، معارككم، شهداؤكم؟

أين ذاكرتكم القَبَلِيَّة؟ أيّها السّادةُ

في القبّة الرماديّة. البحر. البحرُ

قد أقفلَ عليها. البحرُ هو التاريخ.

في البدءِ، كان الزّيتُ الجيّاشُ،

كثيفاً كما الهيولى؛

ثمّ، كضوءٍ في نهاية النَّفَق،

مشكاةَ السّفين،

وكان ذلك سِفْرَ التّكوين.

ثم كانتِ الصّرخاتُ المختلطةُ،

القَذَرُ، النّواح:

سِفْرَ الخروج.

بالمرجانِ لُحِمَ عظمٌ بالعظمِ،

فسيفساءٌ

تسربلتْ ببركةٍ من ظلِّ القرشِ،

وذلك كان تابوتَ العهد.

ثمّ جاءتْ من الأوتارِ المُقْتَلَعة

لأشعّة الشمسِ على قعرِ البحر

القيثاراتُ الشّجيّةُ للسبي البابليّ،

بينما تَعَنْقَدَ الصّدّفُ الأبيضُ مثل الأغلالِ

على النسوةِ الغارقات،

وذلك كان أساورَ العاجِ

في نشيدِ سليمان،

غير أن المحيطَ ما فتئ يُقلِّبُ الصفحاتِ البيضاء

مُقتفياً أثر التاريخ.

ثم جاء رجالٌ بأعينٍ حادّةٍ كَمَرَاْسٍ

غرقوا دونما أضرحةٍ،

قُطّاع الطُرُقِ هؤلاء الذين شووا قطيعَ الماشيةِ،

تاركين ضلوعَها المتفحِّمةَ مثل سعفِ النّخيلِ على الشّاطئ،

ثمّ الشّدقُ المسعورُ، المُزْبِدُ

لِمَوْجَةِ المدِّ تبتلعُ بورت رويال،

وذلك كان يونان،

لكن أين انبعاثكَ؟

سيّدي، إنها في عهدةِ هاتيكَ الرّمالِ البحريّةِ

هناكَ وراءَ جُرْفِ الحَيْدِ الوعرِ،

حيث هامَ مُحاربو البحر؛

اشحذ ناظريك، سأرشدك إلى هناك بنفسي.

كلُّ شيء مخاتل وينتمي للأعماق،

عبر شِعابِ المرجان،

ما وراء النوافذ القوطيّةِ لمراوحِ المرجان البحريّ

إلى حيث الهامور القشريّ، بعينيه العقيقيتين،

يرمش، مثقَلاً بِحِلِيِّهِ، مثل ملكةٍ صلعاء؛

وهذه الكهوف الـمُقبَّبَةُ بعوالِقِها

التي تنقّرتْ مثل حجرٍ

هي كاتدرائياتُنا،

والأتون ما قبلَ الأعاصير:

عمورة. عظام انطحنتْ بطواحين الهواء

إلى مَرْلٍ ودقيقِ ذُرَة،

وذلك كان سِفْرَ المراثي-

كان حقّاً سِفْرَ المراثي،

لم يكنِ التّاريخَ؛

ثم جاء، كما رغوةٌ على شَفَةِ نهرٍ مُجدبةٍ،

القصبُ الأسمرُ لقرىً

تتورّدُ ثم تنعقِدُ إلى بلداتٍ،

وعند المساء، ثمةَ جوقاتُ الهوامِ،

وفوقَها، قممُ الأبراجِ

تطعنُ خاصرةَ الرَّبِّ

كما شاءَ ابنهُ، وذلك كان العهدَ الجديد.

ثم جاءتِ الأخواتُ البيضاواتُ يهلِّلْنَ

لِسَيْرِ المَوْجِ،

وذلك كان العَتْقَ-

الجَذَلَ، آهٍ الجَذَلُ-

خاطفاً يتلاشى

وشريطُ البحرِ المزخرَفُ يجفُّ تحت الشّمس،

لكنّه لم يكنِ التّاريخَ،

كان محضَ عقيدةٍ،

ومن ثمَّ انشطَرَتْ كلُّ صخرةٍ إلى أُمَّتِها الخاصَّةِ؛

ثم جاءَ سِنُوْدُسُ الذّبابِ،

ثم جاءَ أمناءُ السّرِّ من البَلَشُوْنِ،

ثم جاءَ الضّفدعُ الأميركيُّ يجأرُ مُطالِباً بحق الاقتراع،

يراعاتٌ بأفكارٍ مُضيئةٍ

وخفافيشُ مثل تدَفُّقِ السّفراء

والسُّرعوفُ، مثل خاكي الشَّرِطَةِ،

ويَسَارِيْعُ القضاةِ الوبريّةُ

تتفحّصُ كلَّ قضيَّةٍ بمنتهى الاعتناء،

ومن ثمّ في أكواز السّرخَسِ الداكنةِ

وفي قوقأةِ الصّخرِ المالحةِ

عند أحواضهم البحريّةِ، بَدَرَ الصوتُ

مثل إشاعةٍ دونما أدنى صدىً

لتاريخٍ، يبدأُ حقَّاً.

 

أن تعود إلى الأشجار

 عتيقة، هذه السنديانة،

عتيقة، شجرةُ لوز البحرِ هذه

ولا تجفلُ تحت الرذاذ

 

في هذا البستان الشّائخ

على الطريق البحريّة إلى كومانا.

أن تعودَ إلى الأشجار،

 

أن تذويَ مثل هذه الشجرة،

السنديانة الراسخة

للواعظ الـمُرعدِ بِنْ جونسون!

 

أو هل تراني أتمدّدُ

كتلك اللوزةِ المقطوعة

حين أكتبُ مُتَطَلِّعاً لأنْ أهرمَ-

 

شاعراً متغضّناً

مُلْتَحٍ بالزّوبعة،

أوزانُه كالرّعدِ؟

 

ليس الأمرُ البحرَ وحده،

لا، إذ في الصّباحات المخضوضرة العاصفةِ

أتقرّى ما يطرأ على جبلِ مورْنِ كوكو،

 

من الشّروق السّافر

إلى نهايتِه الشاحبة؛

اصّاعدَ الرماديّ كما لا أقوى على احتمالِه،

 

لم يَعُدْ محايداً،

لم تعُدْ رايةُ الإقدامِ

المتسخة تتعفّر تحتَه،

تبقّعتْ بتَدَرُّجِ الألوانِ

كما الـمَرْوُ، متباينةٌ هيَ

كما السّأمُ،

 

الرّماديُّ الآنَ سديمٌ

بِللوريٌّ، ألماسةٌ كَلِيْلَةٌ،

حجرٌ مُغْبَرٌّ ورواقيّ،

 

الرّماديُّ قلبُ السّلامِ،

أشدُّ بأساً من المُحارِبِ

وهو يتخطّى الفصائلَ،

 

إنّه التّرقُّبُ الشّموليُّ

عندما ترتكزُ أعمدةُ الهيكلِ

على أكُفِّ شمشونَ

 

وهي راسخة، راسخة،

تلك الهنيهة

عندما تغفو صخرةُ العالَمِ الثّقيلةُ

 

كطفلٍ

على عاتقيِّ أطلسَ الرّاجفتين

وعيناهُ مُغْمَضتانِ،

 

رزْحٌ ما هو إلا التّوازنُ.

سينيكا، ذلك الملولُ الخرافيّ،

ولاتينيتُه العُقَديّةُ، الوعرة

 

التي لا أقرؤها إلا في نثار

من لحاءٍ مُهَشَّمٍ، وأبطالُه

الذين طوّعتْهمُ الزّوابعُ،

 

والذين ينظرون مُستعِينينَ بكلمةِ

“حكيمة،” بعينيها الاثنتين،

من خلال أفرُعِ هذه الشجرة،

 

إلى ما وراء الغبطة،

إلى ما وراء اللفظ الـمُغنّى،

شجرة اللوز السّادرةُ هذه

 

تذهبُ بهذه اللغةِ

في الرّملِ، بطيئةً،

مع حُبيباتِ الرملِ، مع القرون.

 

وظيفة غريبة للكلب- الثور[1]

تتهيّأُ لبلوى،

لكنّ أخرى تأتي.

لا يُشبه الأمرُ الطقسَ،

وليس بوسعك أن تُحصِّنَ نفسَك،

عدم الاستعداد هو لبّ المسألة.

رفيقك، المرأة،

الصديق إلى جوارك،

الطّفلُ قربَك،

والكلب،

نرتجفُ لأجلهم،

نتطلَّعُ صوبَ البحرِ آملين

أن تمطر.

علينا أن نتأهّبَ للمطر؛

لستَ تجد صِلةً

بين أشعّةِ الشمس إذ تغيّرُ

الدّفلى الآخذةَ بالاسوداد

في حديقة البحر،

وبين الذهب الطّالع من النخيلِ.

ولا تجد صلةً

بين نُقط الرّذاذ

على جلدك،

وبين عويلِ الكلب،

العاصفة لا تُخيف،

الاستعداد هو لبُّ المسألة؛

وما يأتيك من الزهو

يقصدُ أن يُعْلِمك

بأنّ الصّمتَ هو لبُّ المسألة:

أنه أعمقُ من الاستعداد،

أنه بعمقِ البحر،

بعمقِ الأرض،

بعمقِ الحبّ.

 

الصّمتُ

أعتى من الرّعد،

نحن مُبتَلُون بالغفلة والعمق

كما الأنعامُ التي لا تتلفظ بالحُبِّ أبداً

كما نفعلُ، إلا

أنه يصبح عصيّاً عن التلفّظ

ولا مناص من أن يُقالَ،

عويلاً،

دموعاً،

في الرّذاذ الذي يأتي أعيننَا

دون أن يتلفظ باسمِ الشيء المحبوب،

صمت الموتى،

صمت أعمقِ حُبٍّ دفين هو

الصمت الأوحد،

وإنْ نَكُنَّهُ للبهيمة،

أو للطفل أو للمرأة أو للصديق،

فإنه الحبُّ الأوحد، هو ذاته،

وهو المُبارَكَةُ

إذ تتجلى عميقةً بالفقد

هو المُبارَكَةُ، هو المبارَكَة

 

ناسك كوڤا 

عندما يتردَّدُ الغروبُ، والناقوس النحاسيّ،

في كوڤا،

أُدرِكُ روحي، طليقةً خارج غمدِها،

كسربِ طيورٍ بيضاءَ يتضاءلُ

فوقَ محيطٍ من قصبِ المساء،

أمكثُ هادئاً، بانتظارِ أن يعودَ

مثل قطيع خنازير تلطخت بالوحل،

إذ أنَّ الهندَ، بالنسبةِ إلى روحي، بعيدةُ المنال.

ونحو ذاك الناقوس

تحتشدُ غيومٌ عقيمةٌ في أرديةٍ زعفرانيةٍ

مقدّسَةٌ للمساء،

مقدَّسةٌ حتى لـِ راملوشان[2]،

وهو ينشِدُ أغنياتٍ هنديّةً من أرجوحتِه القنَّبِيَّة

بينما المساءُ يمسحُ الخواصرَ

والأبواقَ الفضّيّةَ لِعَرَبَتِه الكستنائيةِ العمومية،

في حينِ يطنّ البعّوض بتعاويذ مسائه،

صديقتي بعوضة الملاريا[3]، على السِّيْتارِ[4]،

واليراعات تُحيلُ كلَّ غَسَقٍ إلى دِيْوَاْلِيْ[5].

 

عَقَدتُّ رأسيَ بغيمةٍ،

تَسَمَّرَ شارِبايَ كقرنين،

يداي هَشّتان مثل صحائفِ الـ رامايانا[6].

ذات يوم تناسلتْ القِرَدَةُ المقدَّسَةُ كالأفْرُعِ

في المعابدِ القديمة؛

لم أحنَّ إليها،

لأنَّ هذه الحقول أنشَدَتِ الـ بِنْغال،

هناك خلف مشغلِ راملوشان كانت ولايةُ أُتّار برادِشْ[7]؛

لكنّ الزّمنَ يهدرُ في أُذنيَّ مثلَ نهرٍ،

العصرُ القديمُ حريقٌ هائلٌ

عاتٍ كما حرائق القصب وقتَ الحصاد.

سأعبرُ هؤلاء البشر عبورَ غيمةٍ،

سَيَرون طائراً أبيضَ يقهرُ بحرَ القصبِ

المسائيَّ وراء كوڤا،

فَمَنْ سيُشِيرُ إليهِ على أنّه روحيَ خارجَ غِمدِها؟

لا اللغةُ المقدسةُ للعريسُ في الخَرَزِ،

وللعروسِ في براقعِها،

على لوحِ الإعلان السينمائيّ.

 

تحدثتُ أكثر مما ينبغي إلى مجلسٍ كوڤا القرويّ.

تحدّثتُ بصوتٍ خافت، لكنَّ صوتيَ خنقتْه

مكبراتُ الصَّوتِ أمام المتاجرِ

أو مكبّرات الصّوتِ مع الصّورِ الأكثر ضخامةً.

أنا أنسبُ مَن يتخطّرُ كطائرِ من سربٍ أبيض

ينتصب على ساقين كالعِيدان، ثم يعْلقُ عند المعبَرِ

بينَ القصبِ على طريقٍ ريفية في المساء.

ألعبُ دور الأخِ الرّاشد. لا مزيد من الأخوةِ الراشدين.

هناك العجائزُ وحسْب.

 

يبصقُ أصدقائي على الحكومة.

لا أظنّ أن الأمر وقْفٌ على الحكومة وحدها.

أتحسبُ أن كلَّ الآلهة عجائز،

أتحسب أنهم موتى وأن هناك من يحرقهم،

متخيِّلاً ما يُشبِه قطّاعةَ قصبٍ

تشرعُ في تقطيعِ الأفاعي بمنجلٍ

يسومُ الإلهَ ذا الأذرعِ الأفعوانيّة صنوفَ البترِ،

أتحسبُ

أنّ صيّاداً ما قدِ احتجزَ

هانومان[8] بخبثه في قفصِ القرود.

أتحسبُ أن الآلهةَ قاطبةً قد أعدمتْ بالمصباح الكهربائي؟

 

الغروبُ، كموقد، يهدرُ في أذنيَّ؛

جمراتٌ من سنونوّاتٍ منتفجةٍ تحومُ وتزعقُ،

حولَ مِحرقةِ جُثثِها،

كنساءٍ ذاهلاتٍ.

وأرتقي سريريَ المصنوعَ من خشبِ الصَّنْدَل النّديّ.

 

[1] – Bull Terrier: كلب إنكليزيّ مهجّن، يشبه رأسه البيضة، ذو عينين مثلثتيّ الشكل.

[2] – Ramlochan: كاتب ولغويّ وناشر هنديّ، 1889-1971.

[3] – Anopheles.

[4] – Sitar: آلة موسيقية.

[5] – Divali أو Diwali: مهرجانُ أضواء وشموع يمتدّ خمسة أيام في الديانات الهندوسية، الجينية، والسيخية.

[6] – Ramayana: ملحمة سنسكريتية قديمة.

[7] – Uttar Pradesh: ولاية هندية.

[8] – Hanuman: أحد رموز المعتقدِ الهندوسيّ.

المزيد من هذا المؤلف