في روايتها الحائزة جائزة مان بوكر العالميّة للعام 2019، والصادرة عن دار الآداب (2010)، تحيك جوخة الحارثي نسيجها الروائيّ الخاص بهدوء وتأنّ مميّزين. أتخيّل الروائيّة منهمكة في حياكة روايتها وقد تبعثرت حولها في فوضى بكرات كثيرة من خيطان متينة. لكنها تفرد الخيوط بين أصابعها بحرفيّة العارفة الصبورة، وتغرز غرزاتها واحدة في إثر أخرى ببراعة، فلا ينفلت أيّ خيط، لتبدأ بنقش الحكايات والأمكنة والأزمنة، وبرسم الشخصيّات والأحداث في نسق زمني غير تراتبي، يبدأ من ثمانينيات القرن العشرين ويعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، أي ما يقارب القرن. وفي فصول قصيرة، يتشظّى الزمن ويتداخل، وتتناثر الأحداث وتلتئم، تسبّق الروائيّة بعضها، وتؤجّل أخرى، تكشف سرّاً هنا، وتلقي بلغزٍ هناك، ليكون للتشويق دوره البطوليّ.

يتناوب السرد ساردان بارزان: السارد الغائب العليم، والسارد “عبد الله” أحد شخصيّات الرواية. مع هذا الأخير يحضر ضمير المتكلّم “أنا” بما يتيحه من حيّز وسيع للبوح ونزف التجارب الشخصيّة. لكنَّ سارداً آخر يباغتنا في أحد الفصول الأخيرة، هو”خالد” الرسام الذي يحكي لزوجته أسماء بعضاً من سيرته العائليّة، فيتماوج السرد رشيقاً عبر ضمائر مختلفة: المخاطب المفرد والمتكلّم والغائب، ويتجدّد بفضاءات ترفد الطروحات الفكريّة وتغنيها.

لا يُظهرُ السرد أيّ تعاطف أو انحياز، ولا يطلق أحكام قيمة، يصوّر الواقع بأمانة، وبعدسة حانية مُحبّة، عدسة حبّ الكاتبة للبلاد والعباد. وذلك في الوقت الذي ترفل اللغة برقّة شعريّة ورشاقة لافتتين. لغة حمّالة مترعة بالدلالات، تواري وتكشف، تعلن وتبطن. وفي جريانها السلس، يتضمّخ السرد بالتشويق والإدهاش، بعذوبة الكشف ومتعة الاكتشاف.

تختلف لغة السارد “عبد الله” عن لغة السارد الآخر، وعن زوايا التقاطه للأحداث، ميزة تُسجّل للكاتبة. لكن لغة السارد الغائب العليم تشي بساردة أنثى، فالعين التي ترصد التفاصيل والمنمنمات الخاصّة بالبيوت والأثاث والملابس وأدوات الزينة، وأحاديث النساء وأحاسيسهن، والنباتات والأزهار، وطقوس الأعراس والولادات والوفيّات، إنّما هي عين أنثويّة. ذلك أنَّ الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة يبقى من أبرز سمات كتابة المرأة. فما الذي أرادته الكاتبة بإسناد سرد هذه الفصول إلى سارد غائب، من المسلّم به أنّه ذكر؟ يدفع إلى هذا التساؤل ما تكرّر ذكره على لسان “عبد الله” الأب، وعلى لسان الأم “ميّا” في مناسبتين ومكانين مختلفين، وقد اتفقا على أنّ ابنتهما الشابّة “لندن” حكّاءة، تتكلّم كثيراً لدرجة الثرثرة! فلمَ لم تكلّف الكاتبةُ “لندن” بمهمة السارد الآخر؟ لماذا لم تُفعّل ميزة الحكي لدى “لندن” في الرواية؟ فالحكّاءة تحيلنا إلى شهرزاد وسليلاتها الكاتبات. وإذا ما سلّمنا أنّ السارد الآخر هو أنثى فعلاً، فهل هي جوخة الحارثي؟ هل قصدت ألّا تجنح بروايتها نحو نسويّة صرفة، مثلاً؟ عنوان الرواية يشي بذلك، إضافة إلى اتّساع الحيّز لحضور الشخصيّات الأنثويّة على حساب الذكوريّة أحياناً، كحضور “لندن” و”خولة” الشخصيّ، وتغييب “أحمد” و”ناصر”!

العين التي ترصد التفاصيل والمنمنمات الخاصّة بالبيوت والأثاث والملابس وأدوات الزينة، وأحاديث النساء وأحاسيسهن، والنباتات والأزهار، وطقوس الأعراس والولادات والوفيّات، إنّما هي عين أنثويّة

في قرية “العوافي” لا تزال البطريركيّة الظالمة للجميع تتناسل وتتكاثر. يتبنّى عقليّتها الذكور والإناث معاً، وإن بشكل نسبيّ. المعاناة المجتمعيّة والنفسيّة يكابدها الطرفان معاً، بشكل أو بآخر. للنساء النصيب الأوفر من الظلم. وواقع النساء العمانيّات يختصر واقع المرأة العربيّة عامّة، حيث السادة البطاركة يستميتون دون استرجاع المرأة حقّها في كينونة مستقلّة وحرّة. يدركون جيّداً أنّ القمر في تمامه بدراً سينير الظلمات ويفضح المجاهيل العفنة التي أوجدوها بأنفسهم!

أوجزت الروائيّة تاريخ عمان خلال مئة عام، بعين الفنّانة لا المؤرّخة: الانقسام السياسي، الاحتلال البريطاني، الاتجار بالسلاح والرقيق، وصولاً إلى مرحلة إنتاج النفط والاستقرار. فانسلّت الأحداث التاريخيّة إلى السرد وذابت معه، وتداخلت مع سيرورة الشخصيّات، كما نشهده مثلاً، في حكاية استشهاد “معاذ” ومآل أمّه الثكلى.

يبدأ الزمن الروائي في ثمانينيات القرن العشرين، ليعود بنا السرد عبر تقنيّة الفلاش باك أو الارتداد إلى أزمنة ماضية. يتناوب الزمنان، وفيهما تعيش شخصيّات كثيرة. نشهد سيروراتها ومصائرها، انكساراتها وأزماتها، هواجسها وتطلّعاتها، أغوارها وخفاياها، بموازاة تطوّر “العوافي”/ عُمان الماضي والحاضر والمستقبل، الجهل والمعرفة، الأميّة والتعليم، التخلّف والحداثة، الثبات والتحوّل. وبذلك يكون للزمن الروائي توظيف أفقيّ يرصد واقع المجتمع العمانيّ بتحوّلاته وتطوّراته، وتوظيف آخر عموديّ يسقط في أعماق الشخصيّات ويتغلغل، ليظهر تأثير الزمن الأفقي على مسار تحولاتها المدرجة في لوحات حكائيّة مشوّقة، واقعيّة ومتخيّلة، أو فنتازيّة مؤثّرة.

للأمكنة أيضاً دلالاتها وتأثيرها على الشخصيّات: العوافي، مسقط أو مسكد تبعاً لتسميتها الشعبيّة، مصر، الكويت، كندا، لندن، والصحراء. وثمّة الطائرة التي يسافر عبد الله فيها من عمان إلى فرانكفورت، سارداً حكاية تلو الأخرى، حتى نهاية الرواية. لنكتشف في الخاتمة، مشهديّة كابوسيّة/ فنتازيّة باذخة، تكثّف أزماته وآلامه. فنكتشف أنّ الطائرة مكان يرمز للهروب والعجز عن مواجهة الواقع وتغييره. فيبقى عبد الله معلّقاً بين السماء والأرض!

قرية “العوافي”، المكان الرئيس والمتخيّل، مرتع الأحداث الروائيّة، والبيئة العمانيّة، بيوت الجصّ والشعر والخيام، البناء العمراني الحديث، الطبيعة والصحراء، العادات والتقاليد، الموروث الشعبيّ، السحر والشعوذة والزار، مكان يشكّل جزءاً من واقعنا العربيّ عامّة. “العوافي” قرية الأحزان، الخيبات والانكسارات، الفقد والحنين. الحبّ فيها مشروخ على الدوام، والتحرّر مرهق وأثمانه باهظة. لدى الشخصيّات جميعها ما تصبو إلى التحرّر منه. التحرّر من الحبّ، كحالة لندن وخولة وأبيهما عزان، ومن البطريركية والسلطة الأبويّة عند عنكبوتة/ الخيزران، وخالد وميّا وعبد الله، ومن عبوديّة الرقّ لدى حبيب وابنه سنجر، ومن الخجل أمام الأهالي عند “شنّة” زوجة سنجر، من صراخ أمّها المجنونة مسعودة، ومن السلطة الدينيّة لدى الفتى مروان. لكنّ هذه الضروب من التحرّر غالباً ما بدت دراميّة أكثر منه حقيقيّة!

تبدو العلاقات الإنسانيّة علاقات مأزومة، سواء مع الذات أو مع الآخرين. الجميع يخفون أحزانهم وآلامهم ويكتمونها، فيتآكلهم الكمد بصمت، إلى أن تنطلق صرخة مسعودة المجنونة من خلف قضبان نافذتها: “أناهنا، أنا مسعودة، أنا هنا”، كأنّها صرخة جماعيّة تخرج من صدور الشخصيّات جميعها، شأنها شأن شكوى ميّا، العاشقة الجريحة التي انصاعت لأمر والدتها بالزواج من عبد الله: “وأنا، من يأبه بحزني أنا؟” التي تبدو كأنّها شكوى الجميع الذين قلّما تربطهم أيّ علاقات حميمة بأخوتهم أو آبائهم أو أبنائهم، ذلك أنَّ الأزمات النفسيّة والمشكلات الشخصيّة تباعد بينهم، وتصيبهم باللامبالاة بعضهم تجاه بعض، في محيط يحكمه العيب والحرام والتقيّة، وفي مجتمع أبويّ يكون فيه الأب الوصيّ المطلق على الأبناء مدى الحياة. هكذا تنحصر الروابط في روابط الدم أو الجيرة، من دون عداوات. علاقات إنسانيّة جافّة، معها ينتفي الإحساس بالجماعة، بالأمان والثقة والتعاضد، ويكون المعادل الموضوعي الانشغال باليوميّات الاستهلاكية، البورصة، السيارات، الأجهزة الحديثة، العمارات والعقارات، أو بالهجرة. تنتفي الأحلام المشتركة وطموحات التغيير وبناء مجتمع معافى. وتصير قرية “العوافي” مختبراً يكشف مقدرات أبنائها ويعرّي علاقتهم بها. ثمّة من اختار الرحيل عنها (حبيب، سنجر وزوجته، لندن)، والمتردّد الذي لا يلبث أن يخرج منها حتى يعود (عبد الله)، وثمّة من يصرّ على العودة إليها (عيسى المهاجر)، وآخرون يرهبهم التجديد فيتشبثون بها، يؤثرون المألوف ويحتمون به (نظيرة)! ولا يتحقّق التحرّر الفعلي إلا مع الجيل الجديد، بتجليات مختلفة ومستويات متباينة. لكنّه يظهر بقوّة أشدّ لدى النساء، الطبيبة “لندن”، وأختها “خولة”، ما يعكس جدّيّة المرأة وصدقها في سعيها لنيل حريّتها، كونها المعنيّة والمسؤولة الوحيدة عن ذلك.

في مجمتع تقليدي تتنازعه قيود الماضي والمكرّس من جهة، والانفتاح القسري على الحداثة العمرانيّة والتكنولوجيا أو الانفتاح الطوعي عبر التعلّم والسفر من جهة أخرى، تكون الدروب إلى التغيير والتحرّر متعثّرة، شائكة ومخيفة. لتنكشف السخرية السوداء المتوارية خلف اسم القرية “العوافي”!

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles
 
×