يهرب أحمد اللباد من الزيف، وينفر من «الهدر»، يصل إلى درجة «الوسوسة» طلبًا للدقة والاتقان. فى ديكورات المنازل والمطاعم، كما فى تصميم الكتب والصحف والمجلات، تزعجه البهرجة وطرطشة الألوان بلا «لزوم». كل شيء له وظيفة، عندما يتجاوز هذه الوظيفة يصبح الأمر استعراضًا وهدرًا غير مبررين.

كانت كلمة «وظيفة»، ولا تزال ربما، الأكثر تداولًا فى نقاشاتنا على مدى عام ونصف أثناء العمل سويًا فى مجلة عالم الكتاب: رسالة المجلة، أسئلتها الرئيسة، نوع الورق الذى سنستخدمه، ألوان الصفحة، توزيع العناوين على الغلاف، اختيار الصور، شكل عناوين الموضوعات، تقسيمها، بل رسالة الموضوع نفسه … وحتى عندما توقفت المجلة، أو غادرناها، لم تخل نقاشاتنا من تداول هذه الكلمة: أثناء تجوالنا فى وسط القاهرة والتوقف أمام المباني القديمة أو الحديثة، رسومات الغرافيتى، الإعلانات، لافتات المحلات، مداخل البنايات القديمة، وأبوابها وسلالمها، إضاءات الشوارع (يكره مصابيح «الفلوريسنت» فى إضاءة الشوارع، كراهيته لورق «الكوشيه» الفاخر، عندما يستخدم بلا ضرورة). كل هذه الأشياء قد تبدو عادية لكثيرين، لكنها ليست كذلك لدى اللباد. هو يتأملها على مهل، بحثًا عن خصوصيتها، او من أجل النفاذ الى روحها.. وقد تصبح فيما بعد مصدرًا أساسيًا في عمله الفني/ الإبداعي، ومصدرًا لـ «جماليّ» مختلف، جماليّ قادم مباشرة من تحقق المعنى ومن الاختزال البليغ.

* * *

تتعدد اهتمامات اللباد، إلى درجة أنه يصعب اختصاره فى كونه فنان غرافيك، أو صانع كتب وصحف، أو مصور فوتوغرافي. هو قبل ذلك فنان تشكيلي، وكثيرًا – أيضًا- ما تخرج تأملاته للأشياء عبر الكتابة التى تكشف عن حساسية شديدة، وذكاء ولماحية وخفة ظل وسرعة بديهة، ولا تخلو من كثافة لغوية. وهى أيضًا سمات عمله الفني كصانع أغلفة، ولكن مع استبدال اللغة بالتشكيل. وفى كل هذه المجالات، كان اللباد مؤرقًا بالتجاوز، حتى تجاوز ذاته، وفى تنقلاته الفنية والجمالية، هناك  أرض ثابتة يقف عليها، اكتسبها من ثقافة متشعبة، وترحال واسع، وربما أيضًا من مدرسة مجانية تعلم فيها مع كثيرين بالاقتراب من اللباد الأب.

* * *

رغم صعوبة بل استحالة الإفلات من سطوة الفنان محيي الدين اللباد (اللباد الكبير) كصانع كتب، إذ كان «أبًا روحيًا» للمهنة، تجاوزت تجربته حدود المكان والزمان وتعقيدات الأيديولوجيا؛ ورغم اعتراف الابن بأنّ علاقته بوالده علاقة صوفية خالصة، أشبه بعلاقة الشيخ بالمريد، إلا أن أحمد أخلص لتجربته الخاصة، مستفيداً أيضًا من علاقته بالشيخ/ الأب.

كان اللباد الكبير من «الجيل الصاعد» الذي جاء فى «موعده مع القدر»، لذلك شغلته دائمًا قضية الهوية كمُركَّب أصيل من قناعاته السياسيّة وخياراته الفكريّة، فكان جزءًا هامًا من مشروع الأب أنّه أعاد اكتشاف التراث البصري الشعبي المصري وقدمه بصورة حداثية. وقد اشتغل، من ضمن أشغاله المتعددة، على الجماليات المنسية في الفنون العربية، فاختار الخط العربي نموذجًا للتحقق، في الوقت الذي لم يتنكر أبدًا لجماليات الفنون الغربية.

لكن أحمد كان من جيل آخر شهد انكسار أحلام جيل الأب، وربما كمن هنا تفسير مفرداته البصرية المختلفة، بل موضوعاته ورسالته وأدواته: إنها جميعها بالفعل ابنة زمانها. لم يكسر تجربة الاب، أو يسعى لقتله، بحسب فرويد، بل سعى إلى تجاوز تلك التجربة مستفيدًا من إمكاناتها المتنوعة.

* * *

لا يهتم أحمد اللباد بمشكلات الهوية بشكل مباشر. هو مولع بالأشكال الحديثة الآنية، ومفردات الثقافة الحديثة، وموتيفاتها التى تنقل تفاصيل من الحياة اليومية إلى داخل العمل، رموز ومفردات بصرية غير مألوفة ولا متوقع وجودها في تصميمات جرافيكية تحريرية: شريط إسبرين، أعواد ثقاب، مطواة قرن غزال، صور قديمة، طوابع بريد..، مفردات مناسبة لـ «لحظة» نشوء الكتابة الجديدة فى مصر فى أوائل التسعينيات، لذلك أتاحت أغلفة اللباد أبعادًا لم تكن تتوافر فى الكتابة السابقة التى دارت ربما فى فلك الرسومات القديمة. كانت الكتابة نفسها متحررة من عبء الرسالة النهائية وحمولاتها الإيديولوجية المسنونة، ما سهّل على اللباد «اللعب» بمعناه الفني. فى أغلفة اللباد، إذن، الوعي بالزمن جزء أساس من التجربة. والإيحاء والبساطة والأمانة في التعبير عن محتوى الكتاب، هي المعايير الأساسية لعمله، ثم يأتي بعد ذلك التناغم والانسجام الذى يكاد يكون عفويًا بلا تعسف.

* * *

 الغلاف –بالنسبة إلى اللباد- هو وجه الكتاب (معرضه الأول الذي أقيم في القاهرة ٢٠٠٩ حمل عنوان وجوه الكتب). وجهٌ لا يفصح عن  سره، يومي إليه، لكن هذا السر لا يبرح خيالنا، يظل ماثلاً رغم خفائه، فيقترب الغلاف من أن يكون نصًا موازيًا للمتن المكتوب، بلا زيادات ولا ترهل، فهو أيضًا نص أمين.

لا تخلو أغلفة اللباد من ألعاب فنية عديدة خاصة، ومبهرة فى الوقت ذاته. تحديدًا عندما يتعامل مع تصميم غلاف لكتاب من أجزاء متعددة، عادة ما يكون الكتاب ثابتًا واللون متغيّر من جزء لآخر، لكنه عندما قام هو بتصميم أغلفة الأعمال الكاملة لأدونيس (الهيئة المصرية لقصور الثقافة)، اختار صورة ثابتة لأدونيس، على غلاف الجزء الأول يبدو أدونيس بعيدًا، وتظهر بوضوح خلفية الصورة، على غلاف الجزء الثانى يقترب وجه أدونيس بعض الشيء، وتختفى الخلفية بعض الشيء أيضًا، وفي الجزء الثالث يكون التركيز على وجه أدونيس وحده بينما تختفي الخلفية تمامًا، كأننا كلما توغلنا فى قراءة أدونيس كلما ظهر لنا الشاعر أكثر وضوحًا. أليست هذه رؤية نقدية؟

يدرك اللباد أنَّ هناك تمايزًا بين كل دار نشر وأخرى، وسوف ترى تجلي هذا الوعي مثلًا عندما يتصدى لتصميم غلافين مختلفين لعمل واحد يُطبع فى داري نشر مختلفتين، وهذا ما فعله مرات عديدة: فى رواية محمد صلاح العزب وقوف متكرر التى صدرت طبعتها الأول فى دار ميريت، والثانية فى دار الشروق، ومع رواية أحمد زغلول الشيطى ورود سامة لصقر التى صدرت أيضاً عن “دار ميريت” وعن دار المرايا.

* * *

 لا ينطلق اللباد فى كل ما يفعل من موقف إيديولوجي جامد، بل يبحث عن تلك المعادلة التى لا يتخلى فيها أيضًا عن الإنساني، وفى الوقت نفسه يبحث عن الجمالي الخاص برؤيته التي سبق تفسيرها. هذا «الجمالي» هو جزء من الرسالة، بل أحيانًا يكون هو الرسالة ذاتها. وهو لم يتخلى عن ذلك الإيمان فى أعمق اللحظات ثورية ونحن فى ميدان التحرير نتظاهر، ونهتف «للعيش وللحرية» مرات، أو لحلم الدولة المدنية مرات. كان اللباد يدعم الثورة بملصقاته مصممه عبر هذا «الجمال».

هو الثورى/ المتجاوز بلا جعجعة ولا صخب.

 
×