سبق لي أن تناولت الأعمال الحفرية ليوسف عبدلكي، في الثمانينيات من القرن الماضي، في دراسة مقتَضبة، أشرت في مستهلها إلى الصعوبة التي تواجه الناقد التشكيلي. فالعمل الفني كتلة متماسكة، ينبثق معناه من تشابك عناصره المكوّنة وتبادل الوظائف بينها. كل إشارة إليه تفصيل، وكل تفصيل تفكيك. ولكن من دون هذه الإشارات التفصيلية لا يقوم النقد.

ما زلت عند هذا الرأي. واذ أجدّد الإشارة اليه، في محاولتي هذه، فكي أزيل ترددي أولاً، قبل الشروع في هذه العملية القاسية. وثانياً، كي أعلن للمشاهد أن ما سأقوم به في هذه المحاولة لن يكون سوى واحدة من قراءات محتملة لا حصر لها، لا يمكن أيّ منها، ولا حتى كلها مجتمعة، أن تستنفد مسيرة فنيّةً، أو عملاً بعينه. كل ما ينهض به نص مكتوب في حضرة لغة بصرية، لها قواعدها ونظامها الخاص، لا يتعدى إقامة خطاب موازٍ، يسعى النقد عبره إلى توسيع آفاق التعاطف مع هذا العمل أو ذاك، بغية إنتاج نوع من المعرفة، هي الوظيفة التي ينطوي عليها في النهاية كل جهد نقدي، والغاية منها، الإسهام في دفع التذوّق إلى مرتبة أسمى وأعمق.

ما يقدمه يوسف عبدلكي للمشاهد، في هذا الفصل من إنتاجه، هو حصيلة مسيرة، قطع فيها شأواً بعيداً في التمرّس والحذاقة والتجربة، تغري المشاهد، المتابع لمسيرته الفنيّة باعتبارها قطيعة في مساره السابق. غير أن القطع في هذا الأمر، ومن دون أن يترتب على ذلك أيّ أحكام قيمية، يحتاج إلى جهد وإضاءات على مسارات عدة يتقاطع فيها وجود هذه الأعمال.

من جملة ما يستهدفه البحث جلاء هذه النقطة بالتحديد. وكي نتجاوز الملامسة الانطباعية إلى تعيينات ودلائل وإقامة براهين، لا بد من تمهيد يضع البحث في سياقه.

أفترض بداية أن المنتَج الإبداعي هو في آن واحد نقطة تقاطع وبؤرة تفجير.

من حيث هو منتج، هو نقطة تقاطع بين سياقات، ليست فقط غير قابلة للحصر، بل يعمل توسُّع آفاق المعرفة على إنتاج المزيد منها وكشفه إلى ما لا نهاية. ربما، في ضوء هذه الحقيقة، يمكن اعتبار العمل الفني واقعة أنطولوجية في المقام الأول. أشار العالم الظاهراتي فان دون بيرغ إلى أن الشعراء والرسامين ظاهراتيون بالفطرة. وكان غاستون باشلار قد كرّس أيامه الأخيرة لترصّد ظاهريّة العمل الفنّي والصورة الشعرية على وجه خاص.

كان وسيبقى من الممكن على الدوام، في أي نسق من هذه الأنساق، أن نلتقي بالعمل الفنّي وننشئ حوله خطاباً نقدياً على قدر كبير من الوجاهة، يضيء لحظة من لحظات تجلّيه ويعجز عن الإحاطة به أو تفسيره.

من المؤكد في هذا السياق أن عبدلكي ليس الفنان الوحيد الذي حطّم مقاييس إطار اللوحة التقليدية، بل هناك من ربط مشروعه الإبداعي بالإطاحة الشاملة بحدود اللوحة

لقد استطاعت عين الفيلسوف لدى ميشال فوكو أن تستعين بتحليل نفّاذ للوحة الوصيفات لفلاسكيز كي تدعم فرضيته في اكتشاف قطيعة معرفية بين نهاية القرن السادس عشر ومستهل القرن السابع عشر. كما كان في وسع سعدي يوسف أن يستشعر في قصيدته تحت جدارية فائق حسن. وما من شيء بالنسبة إلى جون برجر “يكشف طبيعة أخلاقيات البورجوازية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بأوضح مما تكشفه منحوتات رودان”.

إنَّ السلسلة الطويلة من النفسانيين الذين ما انفكوا منذ عقود يتبارون في اخضاع الجوكندا لشتى التحليلات، ليست إلا وجهاً من وجوه هذه القراءات التي تمنح نفسها الحقّ عبر أنساقها في مساءلة العمل الفنّي ولكنها محكومة بالفقر والعجز لتعاطيها مع الفنان أو أعماله كأمثلة توضيحية أو كحقل اختبار للأفكار الجاهزة.

أما من حيث أنَّ هذا المُنتَج هو مُنتَج إبداعي، فهو بؤرة تفجير.

أفترض أنَّ العمل الفنّي لا يكتسب صفة الابداع إلا بما يقوم به من لعب على هذه الأنساق وبها، من خلخلتها وقطع بعضها وحرف بعضها الآخر، من تأكيد هذا النسق وتقويض ذاك.

هنا، حيث تجري أكبر العمليات تمويهاً وغموضاً ومراوغة واستعصاءً على الإدراك الواعي، يتم تقويض الطبيعة لحساب الدلالة. هنا، بهذا التدخل الخلاّق والفتّان يموضع المُنتَج الإبداعي نفسه كبؤرة تفجير لنسيج الأنساق المكوّنة للواقع، كاشفاً بصدمة الدهشة عن آفاق جديدة للحريّة.

واذ أعرّض أعمال عبدلكي لقراءة في ضوء هذه الفرضية، فكي يتم وضع المحاولات النقدية في سياق معقول، ومنها ما يطمح إليه هذا الخطاب.

إنَّ عدداً وافراً من أعمال عبدلكي التي نحن في صددها، تعرض نفسها علينا في مساحات مغالية في “الإخلال” بنسبة الطول إلى العرض فيها، اختلالاً بيّناً يوحي بقصدية متعمدّة. وهي، والحال هذه، أبعد من أن يُنظر إليها كعلامة خارجية فارقة. إنها حدود الحيّز الذي تُدار عليه اللعبة التشكيلية، وفي عمل يحتل فيه الحيّز دوراً وظيفياً راجحاً يرتّب على تلك المستطيلات الذاهبة إلى حدودها القصوى دوراً خاصاً سنعمل لاحقاً على تقصّيه.

إن الشروط التي أملت نظام المقاييس الكلاسيكية المحدّدة لإطار اللوحة طولاً وعرضاً، بقيت لقرون عدة موضع احترام الرسامين، وقادرةً على تلبية حاجاتهم. كانت، بتفصيل هذه النسب، إنما تفصِلُ بين مواضيع الرسم، بين مشهد طبيعي ومشهد بحري، بين طبيعة صامتة أو صورة شخصية. كان نظام المقاييس هذا يستند إلى قانون هندسي يقدّم لكل موضوع ما يناسبه ليتناسق في حيّز بصري “سليم”، يشكّل فيه موضوع الرسم مركز اللوحة وغايتها. ومع انتشار مفاهيم جديدة في العصر الحديث بدأ هذا النظام بالتفسّخ لحساب حرية الفنان في إخضاع لوحته إلى تصوّره الخاص بناءً ونظام إشارات.

من المؤكد في هذا السياق أن عبدلكي ليس الفنان الوحيد الذي حطّم مقاييس إطار اللوحة التقليدية، بل هناك من ربط مشروعه الإبداعي بالإطاحة الشاملة بحدود اللوحة. إن ما يهمّ الاشارة اليه هو الدور الذي ستنهض به المحافظة على الحدود وتحطيم أعرافها التقليدية معا للمساهمة في إنتاج التعبير أو إغنائه.

في سياق آخر، عندما يتنقل بصرك بين غصنٍ ونصلٍ ورأس سمكة، وفردة حذاء ومسمار معقوف في فضاءات أشبه ما تكون بالمسارح، لا يسعك إلاّ أن تطرح السؤال الآتي: ما الذي دفع بالفنّان ليسند إلى هذه النوافل دور البطولة على مسرح أعماله؟

من البسيط القول إن هذه الأشكال كانت وما زال بإمكانها دائماً أن تكون موضوعاً للطبيعة الصامتة. إلاّ أنه في سياق هذا البحث سيظهر لنا أن ليس في هذه الأعمال طبيعة نستطيع وصفها بالصامتة أو الحيّة.

يمكننا الافتراض أن هذه العناصر الموحية لا تحتلّ المسرح إلا لأنها بالضرورة استُحضِرت بعناية فائقة لقدرتها على القيام بوظائف عدة، أهمها قابليتها على اكتناز الطاقة وتفجيرها في شتّى النواحي.

اذ يضيف عبدلكي على هذه النوافل جمالاً بطّاشاً، يكون قد أفسح للمشاهد أن يعاين أمام نظره تبدّل المصائر وحرية أن يرى الهامش أشدّ فتنة من المتن

إن اختيار هذه الأشكال يتمّ في حراسة عالم جديد من المفاهيم ينتمي الفنّان اليه انتماءً عضوياً. هذه المفاهيم التي، بتسللها وفرض سلطانها على حقول المعرفة والممارسة، تتحكّم بمقدار كبير في هذه الخيارات. واذ ينقل الفنّان الهامش إلى المتن، فإنما يدفع في الوقت نفسه بالمتن إلى الهامش. كل ذلك يجري عبر عملية قلب للقيم، وخلخلة في نسق المتعَارف عليه، مما يترك للإيحاء أن يسلك في فضاء تعبيري سُلّمت للمُشاهد بعضُ مفاتيحه، وحُفِرت له المسالك.

أن ينهض كِسر عظم أو صحن أو علبة سردين فارغة، بما كان ينهض به ملك وحصانه أو سيّدة ومقتنياتها، فإن ذلك يستدعي من الفنّان شحذ طاقة استثنائية ومهارة أكيدة. واذ ينجح عبدلكي في ذلك، مضفياً على هذه النوافل جمالاً بطّاشاً، يكون قد أفسح للمشاهد أن يعاين أمام نظره تبدّل المصائر وحرية أن يرى الهامش أشدّ فتنة من المتن.

واذ يحرف الفنّان مفاهيم عن أنساقها المعتادة ويقوّض في نسيج الواقع بعض مسلّماته، تبدأ لوحته بالاكتناز.

أنت أمام مسرح جديد للحياة (بعض الأعمال بتفصيلها العرضي ووضع موضوعها في الوسط تحت الإضاءة المركّزة هي مسرح حقيقي) هنا حيث يتم إقصاء الأنصاب الضخمة والإعلانات الكبيرة والصور الطاغية، تفرض أشياء الحياة البسيطة سيادتها على الأمكنة.

يجدر بي العودة إلى الوراء، إلى أعمال الحفر السابقة، حيث عاينتُ الدور الاستثنائي الذي لعبه الحيّز الخاص في أعمال تلك المرحلة في انتاج الدلالة عند عبدلكي. واذ أعود الآن لاستذكارها، فلكي أشير أيضاً إلى أنّ الفنّان خرج من تلك المرحلة بحصيلة ثمينة يعمل الآن على توظيفها توظيفاً فذّاً، بعدما جلاها واختزلها، وخبر فيها مهارته. ويمكن حصرها، مع بعض القسر، بثلاثة عناصر: اللون الأسود، توظيف الحيّز واختيار العناصر الدالّة.

من الممكن ردّ استخدام الفحم إلى الشغف الذي يستمدّ جذوته من مراس طويل في ميدان الحفر، أو إلى الرغبة في استثمار الخبرة التي حصّلها في استخراج التدرجات الرمادية. ومن الممكن تعليله بعشق الأشكال لذاتها (خاصيّة يتمتع بها الحفارون والنحاتون).

ورغم أن استخدام الأسود كوسيط يبقى صلة موصولة مع تاريخ حافل من الحفر، فإن هذا الأمر يبدو ضئيل الأهمية في ما نسلك فيه.

ما يهم حصراً في هذا السياق أنه عند انبثاق اللوحة على هذه الهيئة التي تستبعد الألوان، فإنّ نسقاً تتقاطع اللوحة عنده يتم تقويضه لمصلحة العمل.

هذه النقطة تحتاج إلى توضيح.

قبل صناعة الأفلام السينمائية الملوّنة، كان ما يعرضه فيلم بالأسود والأبيض شريطاً لا يشك المشاهد في واقعية ما ينقله إلى الشاشة من صور. ذلك أنَّ الحدود الممكنة للتعبير تعطِّل إمكان استخدام اللون كخاصيّة. وعندما يعرض علينا اليوم سينمائيٌّ فيلماً بالأسود والأبيض في سياقٍ تسيطر فيه الأفلام الملوّنة سيطرة تامة على الإنتاج السينمائي، فإنّه لا يستطيع أن ينأى عن سؤال القصديّة المتعمّدة بحيث يكون لاستبعاد اللون وظيفة في التعبير والدلالة.

عندما يرفع عبدلكي الستارة عن مفرداته يكون للأسود دور إضفاء لغة بليغة على مضامينها، وقد عرّاها من نسبٍ إلى الطبيعة، ودفع بها، منذ البداية، من عالم الواقع الطبيعي إلى عالم الدلالة الرمزية.

السمكة والجمجمة والعصفور والزهرة والقبضة والفنجان يصعب عليها أن تعبّر عن نفسها ككائنات طبيعية. ولا يلعب الأسود هنا دوراً حاسماً بالطبع، إنما يتدخلّ كمساهمة تتضافر مع مساهمات أخرى في تقويض كل ما هو طبيعي في مفردات وأشكال واضحة الهوية لتحويلها رموزاً وكنايات.

نعود إلى البدايات، إلى عديد من التخطيطات والرسوم مروراً بالتجارب الحفرية، ونصل إلى آخر الأعمال المنفذة بالفحم، فنجد أن الحيّز لا يزال يحتل الموقع الأخطر في صياغة اللوحة عند هذا الفنّان. ليس الإخلال بالنسب التقليدية لأطر بعض اللوحات وتضخيم بعضها الآخر، كما أشرنا سابقاً، والإفراط في إفراد مساحات قاحلة، لا يجرؤ عليها إلاّ القلائل، غير مظهر من مظاهر منح الحيّز دوراً وظيفياً من الدرجة الأولى.

الحيّز الذي تتموضع فيه العناصر في حالات قصوى من التعارض بين السكون والحركة، بين الكتلة والفضاء، ما زال عبدلكي ساعياً لتوظيفه من أجل إنتاج إحساس بالحدّية والقسوة يتجلّى عنصر الدهشة متلبّساً به.

لا تتماسك اللوحة وتفلح في إنتاج معناها، رغم صياغتها الباهرة، إلا لأنها تحتفظ بمكتسبات التجربة التجريدية، ولأنها تطوي هذه المكتسبات في نظام خاص، يسمح لمنظور جديد أن ينشئ شبكة علاقات هندسية تجرّد الأشكال من تفاصيلها، شبكة تتبادل المواقع بالتواتر مع شبكة الأشكال القائمة على السطح، بحيث تضع هذه الأشكال في حالة من التوتر المضمر، وتقلق الطبيعية المفترضة في وجودها الواقعي، ما يسمح بإعادة توظيفها في سياق الدلالة.

الغصن الذي ينغرز في جانب من وسط اللوحة يتماسك في المساحة على شبكة تجريدية صرفة. لقد شحنه الفنان مستخدماً كل مهارته في التقميش والحركة وتوزيع الظلال، ضامناً له بذلك بسط حضوره في مساحة واسعة. إلا أنه يصعب النظر اليه كمجرد غصن. هو اختراق وتحدٍ صارخ للعراء. لا تسعفه النداوة، المفترضة في غصن نضر، في منح المشاهد أي شعور بالرقة. ما يساهم في إقلاق صورة الغصن في الغصن، هو، بالضبط، هذه الهندسة للحيّز، التي تطبق على العناصر وتفجرّ دلالاتها.

في لوحة صحنان، هل ما يُعرض على المشاهد صحنان على مائدة أم دائرتان متوازيتان داخل مستطيل؟ أيهما يحتل موقعاً ثابتاً في التكوين، الدائرة أم الصحن؟ إنَّ الالتباس الحاصل من وضع العناصر في سياقين معاً، هو التباس ينال من وجودها الصريح.

هل اللوحة حبة كرز تعرض عيناً أم حبة كرز في صحن أم دائرة بيضاء تتوسط مستطيلاً رمادياً وتتوسطها نقطة سوداء؟

هذا ينسحب على عديد من هذه الأعمال بدرجات متفاوتة من الوضوح.

قبل الاسترسال في البرهنة على الدور الوظيفي المسند إلى الحيّز، علينا التذكير دوماً بان هذا الدور، كدور أي مكوّن آخر، لا يقوم إلا بتبادل الوظائف. من المستحيل عليك أن ترى دائرة، لو تمّ استبدال صندوق بالصحن.

إذا كان ثمة من يعتبر أن في مهارة الرسم، ودقّة التفاصيل، والحذاقة العالية في نسج الظلال وحدها ما يؤمن الشحنة التي تستبطنها هذه الأعمال، فذلك ما يصعب الإقرار به.

لو استعدنا أزهار السوسن أو رأس الثور أو جناح الشقراق مما رسمه دوِرر، الرسّام الذي يرتبط به عبدلكي ارتباط نسبٍ عميق، لانتابتنا الدهشة أمام قدرات هذا الفنّان الهائلة التي بلغ بها درجة الإعجاز في تقصّيه موضوع رسمه بعين ثاقبة ويد صَنّاع. غير أن الحيّز الذي تعمل فيه هذه الأشياء المرسومة يضطلع بوظيفة التأكيد على هذه المواضيع بصفتها الطبيعية. هو حيّز مصاغ ليدل عليها. أما عند عبدلكي، فالأمر مقلوب رأساً على عقب. إن الأشكال المرسومة هنا بمهارة لها وظيفة أن تؤشر إلى الحيّز وتعلن انتماءها اليه وعملها في فضائه. لم تخرج رسوم دوِرر عن نظرة البيولوجي، أما رسوم عبدلكي فهي تتقدم على مسرح تراجيدي محموم، ومفخخ بالأسئلة.

لا أسوق هذه المقاربة لأقيم مفاضلة بين دوِرر وعبدلكي، فكلاهما ينتمي إلى عالمه الخاص. إنما قمت بذلك لأؤشر من جديد إلى ما يمكن أن ينهض به حيّز، هو في المحصلة، أحد تجليات نظام معرفي يضع جدل الوجود والكائنات في صميمه، ما يمنح هذه الكائنات أفقاً لاحتمالات أشكال وجودها غير القابلة للحصر.

يطوّر عبدلكي مهارته كأنه يسعى إلى بسط سلطانه.. أحسب أن الحِرفيّة عنده تأكيدٌ على حضوره الجسَديّ في المقام الأول

سبق أن أشرت إلى العناية التي يتم بها استحضار الأشكال المرسومة إلى حيّز العمل. والعناية تفرضها الحاجة إلى تلبية مطلبين متلازمين: صناعة الجمال، وتحويل الجمال إلى رسالة، وبصورة أخرى، تأمين ما يلبّي حرية الفنّان وصرف هذه الحرية في نشاط فعّال.

لتلبية الشرط الأول، على اختيار هذه الأشكال أن يراعي قدرتها على الخضوع لكل عمليات الجراحة والتنقيب والتفكيك واللعب واستعراض المهارات، أي أن تكون قابلة لتحمّل آثار التحديات التي يرفعها الفنان إزاء نفسه أولاّ، وآثار تمرينه المستمر على إخضاع الأشكال لتصوّراته عنها، وأن تكون بالتالي قادرة على الاحتفاظ ببصماته التي يتركها علامة على سعيه المغامر لكشف الواقع تحت السطح المرئي للواقع، وإعادة صياغته على مقاس الحرية. وما تكرار بعض الأشكال في أعمال عدّة إلاّ وجهاً من وجوه هذا الإلحاح في التحدّي والنزوع في كل مرّة إلى بلوغ ذروة جديدة.

في السياق نفسه يتم استحضار الأشكال الأكثر جاذبية للرسم، بصرامة الخبير وعين الشاعر المتفرّد واليد المتمرسة وهمّة الحدّاد. تتناسل من معدن وعظم وزجاج وخشب ونبات وجلدٍ وريش. من رأس سمكة إلى جمجمة، ومن عظمة إلى غصن ومن حذاء إلى إجاصة ومن صندوق إلى سكّين، ومن مسمار إلى كأس.

وإذ تحضر هذه الأشكال، مهيئة نفسها لشحن الطاقة واستحواذ الفتنة بكل أشكال التدخل، انما تحضر أيضاً لتلبية الشرط الآخر والوظيفة المتلازمة: حشد المعنى واكتنازه، ما يسهّل إشعاعها وومضها في حقل الدلالة. ما يمكن أن تستحوذ عليه سمكة، رأسها مقطوع بالضرورة ، يفيض عن حمولة شكلها الخلاّب. تختزن السمكة المرونة والحركة الطليقة ومدى البحر الفسيح. وفي السمكة التحام بالمكان واستحالة العيش خارجه، وفي عينها المفتوحة أبداً تحدٍ صارخ للموت وإدانة له. وحين يظهرها الفنّان مرّة محشورة ومرّة مخترقة بالمسامير حيث يلتحم المعدن المسنّن باللحم الطري، تبلغ القسوة حدّة في التعبير تفجّر دلالات يتردد صداها على مساحة واسعة من الأسئلة المقلقة.

عندما تتحول السمكة دلالة، لا يعود التفنّن في رسمها وصياغة تفاصيلها وإضفاء الظلال عليها شيئاً يغني واقعيتها ويؤكدّها، بل على العكس من ذلك، تقوم الإجراءات الفنيّة بمنحها القوّة على أن تؤشّر وتدل وتدفع بها للتحول إلى إشارة ودلالة. بهذا المعنى، بمقدار ما يقوم العمل على نسيج السمكة الظاهر، وانعاشه بالتفاصيل، وإحيائه بالملامس والظلال، يقوم في الوقت نفسه على تغييبها. بهذا الإلتباس الذي يحيل الرسم محواً والحضور غياباً، تقوم لوحة عبدلكي على الإغراء، مثيرة في المشاهد فتنة الرسم في ظل عالم مقلق ومدهش معاً.

لقد أنشأ الفنّان لوحة من لمعة بيضاء في مربّع أسود. من مسمار مغروز ومعقوف على مستطيل مظلم وخلفية أشدّ ظلمة. والمسمار لبساطة شكله المتناهية وضحالة قيمته، يصعب الرهان عليه ليقوم برهاناً على المهارات الفنية. حيث لا تداخل مساحات ولا تجاويف ولا تنوع سطوح ومستويات، تسمح له بالإفادة من التدخلات الحرفية التي تغنيه بالحركة والظلال ليشعّ ويضطلع بعبء المساحة الطاغية. لكن المسمار، رغم ذلك، يملك قابلية اكتناز المعنى. يستمده من تاريخ ثري تسبح في فضائه ذكريات طويلة عن التعذيب والقسر والمقاومة والصلابة، وهي ما تمنحه جدارة الحضور.

وإذ ينجح الفنان في جعله يلمع كالبرق وسط سوادٍ عميم، مركزّاً عليه إضاءة تزيد من حدته وقسوته، ينجح أيضاً في أن يغلّب فيه صورة المسمار الذي كأنه يُدقّ في نعش وينبئ بمقاومة النعش. يسقط النافل فيه ويتجلّى تحت سحر الدلالة وطاقتها بطلاً فرداً. ولا تعود اللوحة تتقدم للمشاهد كمُنتَجٍ فنّي بحت، بل كاستعراضٍ نادرٍ للقوّة.

يطوّر عبدلكي مهارته كأنه يسعى إلى بسط سلطانه. أحسب أن الحِرفيّة عنده تأكيدٌ على حضوره الجسَديّ في المقام الأول.

اختار من البداية أن يكون حفّاراً لأنّه أراد أن يكون عاملاً، مصارعاً للمادّة، مقاوماً للصلابة. حيّز العمل عنده فضاءٌ ومكان أيضاً. فضاءٌ للخيال بالتأكيد ومكانٌ لممارسة الفعل الجسدي وتفريغ شحنة حيويّته الفائضة. هنا يجد اختياره للأشكال برهانه، الأشكال الصالحة لأن تصبح معجماً لمفرداته الكثيرة وناطقة بلغته الخاصة. يمارس على الأشكال طغيانه. يتقدّم بها كأنه يمسكها من أذنيها، يدخل في تفاصيلها بحثاً عن بذرة الخلق. إهماله الرسم بالألوان، ربما يجد تفسيره هنا، لا يهتمّ بالسّحنة لأنه منشغل بالشرايين والعضلات والمفاصل.

أحسب أنّ بين الفضاء والمكان جدلٌ له أساس في تكوين لوحته، هو في الأصل جدلٌ بين العين واليد. إذا طلبت العين من اليد القدرة على تجسيد الشكل، فإن اليد بدورها تفرض على العين أن تلحظ أشكالاً بعينها.

إذا رسم صحناً واستوى دائرة بليدة عوَّجه، وإذا فرغ من رسم كأس وغلبته صورته عبث بظله، وإذا تقاعست جمجمة عن النهوض بعبء المساحة التي تحيط بها شرّد حدودها.

يدسّ في الأشكال قلقاً دائماً كأنما ليبقى حاضراً فيها. يراوغها ويعالجها على كلّ نحو ومن كلّ جانب كأنه يستفزّ فيها طاقة كامنة لتنفجر.

حمل القلم الفحم في يد وظلّ محتفظاً في اليد الآخرى بمِحفرة الحفّار. ليس على المساحة إلاَ أن تنصاع لسيادته المطلقة، يحرثها حرثاً ولا يبقي للصدفة مكاناً عليها. يريد أن يستحوذ على المدى المرئي جملةً وتفصيلاً. إذا رهفت مساحةٌ أو رقّت حاشيتها أو دبّ فيها الوَهن، يعيد إليها الرعشة بكلّ الوسائل حكّاً وخدشاً حتى لو احتاج لاستخدام أظافره

يبسط المساحات الواسعة بلا وجل، لأن المساحة في لوحته ليست فراغاً. إنها جسدٌ حيٌ ورَعِشٌ ومحسوس وله سماكةٌ ووزن. يُعرَكُ الشعرُ عليها ويُعجن، إنّه لا يحوم ولا يتهادى بل يخرج من الشقوق والنتوءات والمفاصل.

في لوحة فارعة الطول، مهداة إلى جميل حتمل، يحسم إطارُ اللوحة وجهة المعنى، ارتفاع محسوب يغلق الأفق من الجانبين ويضع العناصر في معبر ضيق. على بناء تجريدي يشبه علامة تعجب تتموضع الأشكال، ويفسح المدى العمودي في المجال لتحتل المشهد سكين هائلة تسقط من الأعلى لتنغرز في الصميم. يزيد في سطوتها لمعانُها في خلفيةٍ داكنةٍ سماءً وأرضاً.

لا يعادل هذا اللمعان العمودي في المساحة كلها إلا غمرٌ من الضوء في بقعة تمثّل من منظور هندسي استمراراً لنصل السكين، ويتشكّل عليها تصويراً صدرُ عصفور قتيل.

ينشئ الضوء، منذ اللحظة الأولى، لُحمةً بين نقيضين ويفرض بينهما حواراً قاسياً. شكلان محتشدان بالتعارضات المتلبِّسة بعضها بعضاً، صورةً ومغزى وإيحاءات.

موازين فنيّة ومعايير هندسية وبصرية تقيم تكافؤاً وتوازناً تامّين بين الأشكال من جهة، واختلال في حقل المعنى من جهة أخرى، يُحيل الحوار نزاعاً. وفي فضاء هذا الثراء المعلن والمكنون يأخذ العمل ببثّ إيحاءاته.

مواجهة بين عصفور ونصل، بين معدن مصقول وزغب طريّ، بين خطّ عمودي وكتلة مستديرة، بين ثقل وهشاشة، بين موت وحياة، بين شكل هندسي مسطّح وحاد وشكل ملتفٍ وملتمّ غني الخطوط متعدّد المستوى. بين شكل صارم ومحسوم وشكل قابل للتشكّل، بين سطح يعكس النور برقاً وشكل يمتصّه ويتمرّغ فيه.

وإذ تنتعش اللوحة بالجدل القائم بين شبكة مجرَّدة من العناصر المتناقضة ونظيرها من العناصر التصويرية تتضافر المكوّنات جميعها لإنتاج إحساس بالقسوة والحدة والعنف، إحساس يهيئ فضاءَ المعنى.

عصفور ملقى في أسفل اللوحة لن يراه المشاهد إلاّ ذبيحاً رغم أن طبيعة الأشكال التي تشغل الحيّز ومنطقَ علاقاتها لا يصلان بنا إلى هذا الاستنتاج. يصعب على نصل هائل، يصلح علامة على الدهماء، أن يكون قد أعدّ لعنق عصفور هزيل. نصل يسقط كقدر محتوم ينغرز بعيداً ويحفر جرحاً عميقاً وواسعاً كأنه ثابت في حفرته كالنصب المقيم. وإذ لا يفلح المشهد في إقصاء الإحساس بالجريمة أو استبعاد الإيحاء بوقوعها، تقيم اللوحة برهاناً على البنية التي تحوّل طبيعة الأشكال إلى دلالة رمزية: يموت العصفور لأن الأرض جريحة. يموت في معبر ضيّق ومظلم، النصل فيه حفّار القبر وشاهدته.

في هذا الفصل من أعماله، يقدّم عبدلكي لوحةً جداريةً مثيرة. عملٌ يمثّل يداً، مشدودة القبضة، مبتورةً من منتصف الساعد بعناية، وموضوعة بعناية أيضاً على مسطّح مستطيل. في الخلفيّة مساحةٌ داكنةٌ تسدّ الأفق وتَسري عليها خطوطٌ أفقية متوازية. تُسهم هذه الخلفية، بفعل الخطوط الموازية تحديداً، في حصر التوتر والقوة المضغوطة بين القبضة والساعد.

لوحةٌ عرضية، كبيرة الحجم، تكاد اليد المستحوذة على فضائها كلّه أن تتعدى إطار اللوحة وتبسط حضورها على مكان العرض، ناشرة في فضائه جوّاً من التوجّس والرهبة. لوحة تحتل المُشاهد من اللحظة الاولى وتُخضعه لحالة طقوسية، كأن هذه اليد المنذرة بانفجار عصبي صُنعت لتقف ندّاً للأنصاب التي تحتل صدارة المعابد.

لأنها مقطوعةٌ بعناية، وبسبب ضخامتها، تنأى عن أن تتماثل مع النماذج المتشابهة التي تحفل بها، عادة، قاعات التدريس في معاهد الفنون.

كان من الممكن ان تتجلّى في عين المُشاهد يدَ تمثال روماني عظيم، لكننا سنرى كيف تعمَل لعبةُ الفنان لإطاحة هذا الاحتمال ودفعه إلى حافة تقف عندها الأسئلة الملتبسة.

أن تكون في الوقت نفسه مبتورةً ومرميّةً كغرض، ومشدودةً ومتوترةً إلى الحد الأقصى، تملك الحقّ، بلا شك، في اعتبارها منحوتة حجريّة، والدوام في توتّرها ليس إلا دوام الحجر الأصم.

هنا يوظِّف الفنان خبرته الطويلةَ ويضع مهارته الحِرفيّة بكل ثِقلها في مكان حرج ودقيق. بالتحديد، المهارة في قدرة التمييز الفعلي بين ملمس الجلد وملمس الحجر، التمييز بين ظل الحجر الأبيض وظل اللحم الملون، التمييز بين جلاء الحجر الأملس وقشب الأجسام المكسوّة بالزَّغب. واذ تفلح المهارة في إخراجها يداً حيّة حقاً، مبتورةً وتحتفظ بقوّة العصب يبدأ شيءٌ من القشعريرة بالتسلل ويأخذ التباس الصورة ومعناها مكاناً مزلزِلاً ويُقيم بين الإدراك والوعي فسحةً للذهول والدهشة مؤلمةً وجارحةً.

يلعب غياب الألوان عن هذه اللوحة دوراً حاسماً، وبإمكانك أن تتخيّل اللوحة، لو كانت ملوّنة، كيف يصعب فيها تبادل الأدوار بين صورة التمثال وصورة اليد الحيّة. وإذ تسري عملية التبادل، بسبب هذا الإلتباس المقصود بين صلابة الصخر وحيوية الجسد، تستمدّ القبضةُ من الصخر الصلابة ودوام التوتر، رغم أنها ملقاة ومنعزلة ومقطوعة عن أسباب الحياة. وفي ضوء هذه العمليّة تستمدّ قوة من ذاتها وتأبّدها في كتلة صلبة، وتحت إضاءة تحفر وجودها حفراً على النتوءات، وترسم مساراً مضمَراً للحركة من طرف الساعد إلى الأظافر، تتضخَّم الدلالة وتنفرد بالمعاني الشاملة وتنهض علامةً على الأيام وحجةَ على بركان الحياة المكنون.

كيف ركن عبدلكي إلى خيار القبضة وأقدم على توظيفها في عمل فني بلا تهيّب، ومن دون أي خوف من السقوط في خطاب إعلاني مباشر؟

استُخدمت صورة القبضة بشكل واسع. شُحنت بالرموز المباشرة في مدى زمني طويل، واحتلت الصدارة في حقول فنيّة عدة، معبّرة عن صلابة الإنسان وإرادته الحرّة ونزوعه المستمر للقبض على مصيره في مواجهة الطغيان والبغي. فهي تحت ثقل التاريخ يصعب إقصاء دويّها المباشر عن مسرح الدلالة أو خفض صوتها فيه.

وإذ نجحت هذه اللوحة بعدما امتُحِنت في مواضع عدة ونهضت بكل جدارة عملاً فنيّاً رائعًا، فذلك لانها تبني عناصرها المكوِّنة على الالتباس، وتدفع بايحاءاتها للّعِب على خطوط التماس بين الدلائل.

هنا يجدر بنا الكشف عن تدخُّل فنّي نجح في تقويض هيمنة المكتسب التاريخي لصورة القبضة وأبطل فيها القدرة على البثّ المباشر.

لا يمكن الإعلانُ الصّريح المباشر أن يصدرَ إلا عن مصدرٍ صريح ومباشر. والقبضة التي تتصدر المشهد، تفترض في جملة ما تفترض، وجود نحّات ما نحتها. وبما أنها معزولة ومقطوعة عن كل ما عداها، يصبح متعذراً معرفةُ ما إذا كانت تدلّ على غير ما تدلّ عليه طبيعتها أو كانت رمزاً لما يتعدّى صورتها. وفي هذا الوضع ينسحب الرسّام إلى مكان محايد. فالقبضة لا تصدر عن تصوّره الخاص ويصعب في هذه الحال تأويلها. كل ما فعله الرسّام هو نقلها إلى اللوحة كصورة للتصوّر. وإذ ينزاح عن المسرح المباشر لإنتاج الدلالة ويتحرر من عبء تأويلها ينهار بذلك أي معنى مباشر، وتزداد الدلالة ثراءً بإحالتها إلى وجود خارجيّ قائم خارج الفنّان وأبعد من عالمه الخاص. ويقوم العمل بدور الإشارة اليه: عالمٌ يختزن الملحمة في تفصيل بسيط.

هذه اللوحة جديرة بأن تقوم نموذجاً فذّاً عن كيفية عمل الوظائف بشمولها وتشابكها، من حجم الإطار، إلى اللون الأسود، إلى اختيار الشكل الدّال، إلى الحِرفيّة العالية، إلى العقل المبدع في صناعة الحدود الملتبسة. والحصيلة خلق المناخ وتحضير الأساس لانبثاق المعنى.

جرت العادة أن يرسم الفنانون صورهم الشخصية، وإذا كان الفنان هنا، أو لم يكن، من محترمي هذا التقليد العريق، سأسمح لنفسي دون حرج أن أعلن ان هذه اللوحة هي الرسم الشخصي ليوسف عبدلكي بتمام الهيئة والملمح.

هو الفنان يعرّف عن نفسه بيده وقبضته ولا يملك غير يده لتعرِّف به. ما من عملية بتر تفلح في شلّ قبضته أو إفراغ مخزونها. ثابتٌ في وسط المسرح، مكشوفٌ وعارٍ تحت الضوء المركَّز، حاضرٌ حضوراً بليغاً، ملتصقٌ بعالم محسوس وواضح وصريح. يعرف مكامن الجمال ويتجنّد لصناعة النماذج عنه ووضع الخرائط للمسالك الموصلة اليه.

وإذ يُهدي هذا العمل إلى جيل السبعينيات، فإنما يقدِّم نفسه أيقونةً تذكاريةً يُهديها إلى أبناء جيله كلّه.