ولد إدوارد سعيد في القدس عام 1935 لأبوين فلسطينيين، كانا يعيشان مع أولادهما بين القدس والقاهرة نظراً إلى طبيعة عمل الوالد، وذلك قبل أن تجعل نكبة 1948 من مصر (ولبنان في بعض الأحيان) مكان إقامة دائم لهذه العائلة.

التحق إدوارد سعيد في القاهرة بعدد من المدارس بلغ تسعاً. وقد تميزت سيرته الدراسية هناك بالتفوق من جهة، وعدم التكيُّف مع هذه المدارس التي أقامها الاستعمار الإنكليزي في مصر من جهة أخرى. وهذا ما دفع أسرته لأن ترسله إلى الولايات المتحدة لإكمال دراسته، الأمر الذي تيسّر له لأنَّ والده كان قد جاء إلى أميركا في شبابه وحصل على الجنسية الأميركية.

بدأت مسيرة سعيد في أميركا عام 1951 بالتحاقه بمدرسة داخلية في ولاية ماساشوستس لمدة سنتين أنهى فيهما دراسته الثانوية. بعد ذلك التحق بجامعة “برينستين” حيث درس الأدب الإنجليزي والتاريخ، ثمّ أنهى تمرسَّه الأكاديمي في “هارفرد”، حيث قدَّم أطروحته لنيل الدكتوراه في الأدب المقارن عن الروائي الإنجليزي البولندي الأصل جوزيف كونراد، قبل أن ينتقل إلى جامعة “كولومبيا” التي ظل يدَّرس فيها الأدب الإنجليزي والأدب المقارن حتى وفاته عام 2003.

أطروحة الدكتوراه التي قدَّمها سعيد ستتحول إلى كتابه الأول الذي صدر عام 1966 بعنوان جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية (Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography). وفي هذا الكتاب، يدقّق سعيد في رسائل كونراد ورواياته القصيرة، فيجد كثيراً من التقاطعات بينهما، حيث إحساس المنفى، والوجود داخل اللغة وخارجها، والتشكك الجذري وانعدام اليقين، والإحساس الدائم بأنّ شيئاً رهيباً على وشك الحدوث من دون أن تُعرَف ماهيته. وقد اعتمد سعيد في هذا الكتاب على منجزات مدارس نقدية أوربية وأميركية مهمَّة فضلاَ عن سيطرته على مناهج “هارفرد” وتطويعه تقاليدها الأكاديمية. ورأى أنَّ صيرورة المرء كاتباً هي ضَرْبٌ من المشروع أكثر منها مهنة أو عملاً، فالكاتب إذ يسكب ذاته في سلسلة من الأعمال إنما يترك لهذه الأعمال أن تحدد من هو ومن يكون.

صدر كتاب سعيد الثاني، بدايات: القصد والمنهج ( Beginnings: Intention and Method ) في عام 1975. وهو تأمّل في مشكلة البدايات في كلٍّ من الرواية الكلاسيكية والأدب الحداثي والأعمال النظرية الجديدة، تأملٌ يربط البدايات بالاستمرارية وميل الذات إلى التطور والتغيّر. فالبدايات عادةً ما تُصَنَّف كبدايات بعد ظهورها، ما يعني أنَّ من الممكن اختيارها، بخلاف “الأصول” التي لا تترك أي إمكانات سوى الاعتراف بها وإقرارها. ويبدو في هذا مقدار تأثر سعيد بالفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو الذي رأى أنَّ البدايات لا تُكتَشَف، بل تُخلَق وتُصاغ وتتفاعل وتتطور. لكنَّ هذا الكتاب يبقى صعب القراءة، نظراً إلى أسلوبه المكثَّف ومادة موضوعاته المجرَّدة والفلسفية وإحالاته إلى كثير من المفكرين الآخرين. ويلاحظ قارئ كتب سعيد اللاحقة أنه انتقل عامداً إلى أسلوب أكثر يسراً في الوصول إلى القارئ.

اكتشف سعيد الصورة التي ابتدعها “الغرب” عن “الشرق” وبيِّن أنَّ الخطاب الاستشراقي ليس مجرد فرع علمي حيادي بل تخترقه علاقات القوة والسلطة

بين صدور الكتاب الأول (1966) وصدور الكتاب الثاني (1975)، ثمة تواريخ مهمَّة تركت أبلغ الأثر لدى سعيد. ففي العام 1967 كانت هزيمة العرب أمام إسرائيل. وفي العام 1969 جاء سعيد إلى الأردن ليشهد في العام 1970 أحداث أيلول الأسود ويتبلور تعاطفه مع حركة المقاومة الفلسطينية. وبعدها غادر إلى بيروت حيث تزوج من سيدة لبنانية، ودرس اللغة العربية على يد أنيس فريحة، ونهل من التراث العربي قديمه وحديثه، قبل أن يشهد حرب تشرين 1973 ويكتشف عيانياً مقدار التفارق بين ما يجري على الأرض وما تصوِّره وسائل الإعلام الغربية.

أدّى كلُّ ذلك إلى تبلور تفكير سعيد في الخطاب الاستشراقي، ما سيثمر في العام 1978 كتاب الاستشراق (Orientalism) الذي زلزل المؤسسة الاستشراقية وغيَّرها من حال إلى حال. ويستكشف سعيد هنا تلك الصورة التي ابتدعها “الغرب” عن “الشرق” ويبيِّن أنَّ الخطاب الاستشراقي ليس مجرد فرع علمي حيادي، بل تخترقه علاقات القوة والسلطة. فالأوروبيون، وبعدهم الأميركيون، الذين كتبوا عن “الشرق”، فعلوا ذلك بطرق كان لا مفرَّ من أن تؤطِّرها وتتحكم بها اندفاعة بلدانهم لإخضاع الشعوب الشرقية واستغلالها. وقد ظهر في هذا الكتاب مدى تبحُّر سعيد فضلاً عن تأثره الخاص بكلٍّ من أنطونيو غرامشي الإيطالي وميشيل فوكو الفرنسي.

ويمكن القول إنَّ ما يدور حوله كتاب الاستشراق ومعظم أعمال سعيد اللاحقة، هو العلاقة بين التمثيل وبناء الصور والسرديات من جهة أولى، وما يتخلَّل ذلك من ممارسة القوة والسلطة من جهة ثانية. بعبارة أخرى، فإنّ هذه الأعمال تدور حول العلاقة بين الثقافة والسياسة، حيث ينظر سعيد إلى السياسة على أنها قضية سرديات متصارعة يحاول فيها كل طرف إضفاء الشرعية على رؤيته للعالم عن طريق بناء سرد يخصُّ أصله وولادته. ومن أهمِّ الأمثلة على ذلك الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث تحاول الرواية الصهيونية إسكات الرواية الفلسطينية وإنكار وجودها، في حين تصرُّ الأخيرة على وجودها وعلى إعادة سردها من البداية.

هذا هو الإطار الذي يمكن أن نضع ضمنه أعمال سعيد: قضية فلسطين (The Question of Palestine) (1979)، وكذلك تغطية الإسلام (Covering Islam) (1981) الذي يستكمل فيه نقد خطاب الاستشراق بنقد الصور النمطية الزائفة التي تلجأ إليها وسائل الإعلام الأميركية لدى تناولها موضوعات الإسلام والشرق، وبعد السماء الأخيرة (After the Last Sky) (1986) الذي اشتمل على صور التقطها جان مور وكان نوعاً من التأمّل الألمعي في الهوية الفلسطينية، ولوم الضحايا: الأكاديمية الزائفة ومسألة فلسطين (Blaming the Victims) (1988) الذي أشرف عليه بالاشتراك مع كريستوفر هتشنز وضمَّ له ثلاث مقالات إلى جانب كُتَّابٍ آخرين.

قبل ذلك، في العام 1983، كان سعيد قد أصدر كتابه العالَم، النص، الناقد (The World, the Text, and the Critic)، حيث يطور مفاهيم نقدية جديدة مثل “النقد الدنيوي” الذي يشير إلى أنّ اللغة هي عن التجربة وليست عن نفسها. ولذلك، فإنّه ليس بمقدور النقد أن يقصِر نفسه على النصّ وحده، ولا بدّ للناقد أن يعرف كيف يقرأ النص وشرطه الدنيوي الذي ينشبك فيه، وإلا اندفع لأن يكون “نقداً دينياً” ينسخ الثقافة إلى شعائر وشعائر مضادَّة، وإلى يافطاتٍ مطْلَقة. أمّا مفهوم “ارتحال النظرية” فيرى أنّ الأفكار والنظريات تسافر مثل البشر، منطلقة من لحظة ميلاد ونقطة بدء في مسارِ رحيلٍ وشروطِ وصولٍ ومقتضياتِ رحيلٍ جديدٍ، مع كلّ ما يطرأ عليها في هذه الرحلة من تحوُّلٍ وتغيُّر تبعاً لما يكتنفها من ظروف.

في عام 1991 شُخِّصَ لدى سعيد سرطان الدم الذي قاومه أعظم مقاومة يمكن تصوُّرها حتى وفاته، يوم 25 أيلول 2003 في نيويورك. فقد واصل الكتابة، والمحاضرة، والظهور في البرامج الإعلامية، والسفر الكثيف مدافعاً عن قضية فلسطين وعن أفكاره النظرية بنشاطٍ أقرب إلى الأعجوبة. وفي عام 1991 نفسه صدر لسعيد كتابه إحكاماتٌ موسيقية (Musical Elaborations)، كان التأمل الأعمق في اهتماماته الموسيقية التي شغلته منذ الطفولة، ليس كعازف بيانو مهم فحسب بل كمنظّر موسيقي أيضاً.

ضمَّ نطاق خبراته واهتماماته فروعاً أكاديمية، وأشكالاً فنية، ومناخاتٍ سياسية حافلة، ما يجعله مفكراً كونياً محلِّقاً ونموذجاً للمثقف النقدي الذي لا يني يوبِّخ التخصص الأكاديمي الضيق

في عام 1993 أصدر سعيد كتابه الثقافة والإمبريالية (Culture and Imperialism) موسِّعاً منظوره، ومؤكّداً على استمرار الإمبراطورية مع اهتمام هذه المرَّة بالشعوب المستعمَرة التي لم تظلّ على خَرَسِها بل أفصحت عن مقاومة يتتبعها سعيد لدى عددٍ متنامٍ من الكتّاب الذين ردُّوا على الإمبريالية بفصاحةٍ ومن دون انغلاق، مثل فرانز فانون وإيميه سيزار وكثيرين غيرهما. والمفتاح المنهجي في هذا الكتاب هو مفهوم “الطباقية” (contrapuntalism) الذي يستمدُّه من الموسيقا، حيث تتبارى وتتصادم ألحان (موضوعات) متنوعة من دون أن يكون لأيٍّ منها امتيازٌ إلا بصورة مؤقتة لا تحول دون ظهور سواه كخلفية أو محيط أو دون انطواء تعدد النغمات على تلاؤم ونظام. وهذه هي الطريقة التي يقرأ بها سعيد الأرشيف الإمبريالي. فالطباقية تعني هنا فهم تجارب متباينة لكلٍّ منها جدول أعماله وسرعة تطوره، وتكويناته الداخلية، وتماسكه، ونظام علاقاته الخارجية الخاصة، وجميعها متعايشة ومتفاعلة إحداها مع الأخرى. وما ينطوي عليه هذا المفهوم هو الإقرار بأنَّ كلاً من الشعوب المسيطرة والتابعة في الإمبريالية تتقاسم العالم الدنيوي ذاته، فليس ثمة سوى فضاء ثقافي عالمي واحد، ملكية مشتركة للبشرية جمعاء، وكذلك لغة كونية من الحقوق والمُثُل، يُشَنُّ فيها النضال من أجل التحرر والتئام الشمل من دون تعصُّب ولا أصولية.

في عام 1994 صدر كتاب تمثيلات المثقف (Representations of the Intellectual)، وهو في الأصل مجموعة محاضرات رايث، تلك السلسلة المشهورة التي تنظِّمها هيئة الإذاعة البريطانية BBC لشخصية مهمة في كلّ عام. ويتابع سعيد في هذا الكتاب خيوط ارتحال النظرية، ودور المثقف التقدمي، لا سيما دوره في قول الحقيقة في وجه القوة.

في عام 1994 أيضاً صدر كتابه سياسات التجريد (The Politics of Dispossession). وفي 1995 السلام ومنغصَّاته (Peace and Its Discontents). وفي 1999 صدر خارج المكان (Out of Place: A Memoir)، حيث يروي بعضاً من سيرته الذاتية، وذلك الإحساس الطاغي الذي ظلَّ يلازمه بأنه “خارج المكان على الدوام”. أمّا في عام 2000 فقد صدر كتابه نهاية عملية السلام (The End of the Peace Process) ثم كتابه تأملات حول المنفى ومقالات أخرى (Reflections on Exile and Other Essays) الذي جمع فيه مقالاته ومراجعاته الأطول المكتوبة على مدى 35 عاماً.

بين 2001 و2003، صدر كتاب القوة، السياسة، الثقافة (Power, Politics, and Culture)، وهو مجموعة حوارات فكرية، وكذلك القلم والسيف (The Pen and the Sword)، وهو مجموعة حوارات أصغر حجماً. وفي عام 2003 صدر كتابه الصغير فرويد وغير الأوروبيين (Freud and the non-European)، آخر إصدار لسعيد في حياته. وهو نصُّ محاضرة ألقاها في متحف فرويد في لندن، وكان من المفترض أن يُلقيها في فيينا، لكن الضغوط الصهيونية حالت دون ذلك بحجة صورة لسعيد في جنوب لبنان بعد تحريره وهو يلقي الحجارة على موقع إسرائيلي قرب بوابة فاطمة. وتتناول هذه المحاضرة فكرة الهوية في كتاب فرويد الشهير موسى والتوحيد.

إلى جانب المقالات التي كتبها سعيد في معارضة شرسة لأعمال حلف الناتو في كوسوفو ولغزو العراق سنة 2003، كان يُعدُّ لإصدار مجموعة من الكتب السياسية، وكتاب عن الأوبرا، ودراسة عن فكرة “الأسلوب المتأخّر”، فضلاً عن دراسة شاملة عن النزعة الإنسية في أميركا، صدرت في أواسط عام 2004 بعد وفاته بعنوان الإنسيّة والنقد الديمقراطي (Humanism and Democratic Criticism)، حيث يهتم بالتغيرات الحاصلة في الجامعات ومراكز البحث العلمي والمؤسسات الثقافية بتأثير من صدمة 11 أيلول 2001.

أدّت مواقف سعيد الفلسطينية إلى تعرُّض مكتبه لعمليات تخريب، فضلاً عن تهديدات بالقتل له ولأفراد عائلته. وقد أطلق عليه الإعلام المنحاز لإسرائيل لقب “بروفيسور الإرهاب” وشكَّك في فلسطينيته واتهمه بمعاداة السامية. ومن ناحية أخرى، فقد استقال سعيد عام 1991 من المجلس الوطني الفلسطيني الذي سبق أن دخله كشخصية مستقلة. كما شجب اتفاقية أوسلو واتفاق غزة / أريحا ورفض حضور حفلة التوقيع في “البيت الأبيض”.

يُعدُّ سعيد من أهم الكتّاب والمفكرين في هذا العصر، بكلِّ المقاييس. فقد كان لكتاباته تأثير هائل على نطاق العالم بأسره، علمياً وعلى مستوى النقاش العام، حيث تُقتبَس أعماله، ويُبنى عليها، ويستوحى منها، وتُهاجَم أو يُدافَع عنها في أوساطٍ متنوعة أشدّ التنوع ولدى جمهور واسع إلى أبعد الحدود. ولا عجب في ذلك، فقد ضمَّ نطاق خبراته واهتماماته فروعاً أكاديمية، وأشكالاً فنية، ومناخاتٍ سياسية حافلة، ولذلك كان له تأثيره العميق في النقاشات حول التاريخ، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والجغرافيا، وسطوة وسائل الإعلام، وأغراض التربية، ومسؤوليات المثقف، والأفكار حول الهجرة والمنفى، والتعددية الثقافية، والدين، واللغة، والحرب، والفنون البصرية، والمتاحف، والرواية، والسينما، والموسيقا، وسوى ذلك الكثير، ما يجعله مفكراً كونياً محلِّقاً ونموذجاً مثالياً للمثقف النقدي الذي لا يني يوبِّخ التخصص الأكاديمي الضيق ويدعو إلى التغيير ويجهر بالحقيقة في وجه القوة والسلطة.

باختصار، كان سعيد علاّمةً متبحّراً بين العلماء، وناقداً للإمبريالية ألمعياً لا يلين، ومناضلاً فلسطينياً مستقلاً في ثقافةٍ عامة تهيمن عليها نزعة الانحياز للصهيونية، وقد غيَّرت كتاباته خارطة الحياة الفكرية المعاصرة أعمق التغيير وأشدَّه اتصافاً بالأخلاقية والانتصار للإنسان.

 
×