إدغار موران فيلسوف وسوسيولوجيّ، أو عالم بالإنسان (humanologue) كما يفضّل أن يُقدّم نفسه. لكنّه، قبل ذلك كلّه، مقاوم عتيق (ancien résistant). أقول مقاوم عتيق ولا أقول مقاوم سابق، فالمقاومة ليست وظيفةً نتقاعد عن أدائها. من هذا المنطلق، يصلُ الرّجل نضاله بوجه احتلال بلاده يوم كان في العشرينيات من عمره بنضاله اليوم ضدّ النّيوليبراليّة وهو على مشارف المئة.

نشر إدغار موران، 98 سنة، سيرته هذا الخريف في كتاب قارب 700 صفحة، في لغة بسيطة أشبه ما تكون بأحاديث المساء وقد جُمعت بين دفّتين. ليست هذه المذكّرات محاولته الأولى في التّأريخ لحياته، فقد نشر قبل ذلك أعمالاً عدّة عن سيرته الفكريّة، بيد أنّه اليوم ودّ أن يحدّثنا عن ملحمته الخاصّة الّتي عاش فيها أحداث القرن العشرين الكبرى وعلاقاته وصداقاته ومغامراته الشّخصيّة. ودّ أن يحدّثنا عن تفاصيلَ صغيرة، مضحكةٍ ومبكيةٍ، بعضها لا يهمّ أحدًا وبعضها يهمّ الجميع. هي ذكريات لم يرتّبها الكاتب بحسب تسلسلها الزّمني، بل تركها تتداعى إليه كما تشاء (les souvenirs viennent à ma rencontre).

لم يجعل موران ذاته محورًا لسيرته الذّاتية، بل تمحورت سيرته حول الشّخصيّات الّتي التقى بها فعرفها وعرفته. لذا، كان في خاطره أن يعطي كتابه عنوانًا آخر: mes amis, mes héros. يقوم الكتاب على عناصر ثلاثة: الصّداقة والحبّ والسّفر. سيرته بين هذه العناصر هي سرد لسِير الآخرين. وذاته هي، كما يردّد دومًا، بقايا الآخرين الّتي تراكمت في ذاكرته.

يعرف موران تمامًا، وهو الّذي سبق واشتُهر بدراسته صناعة نجوم السّينما، أنّ الإبهار والسّحر وصناعة التّفاصيل هي الّتي تجعل من النّجم نجمًا. لكنّه في سيرته هذه يصرّ على تحطيم نجوميّته، فهو لا يُقدّم نفسه للقارئ نجمًا بل إنسانًا عاديًا صقلته الأفكار العظيمة في الوقت الّذي لا تغيبُ عنه التّفاهات والعيوب والتّناقضات.

يلتقي القارئ في النّصّ بوجوه كثيرة. يصرّ موران أن يخبرنا عن رفاق دربه المنسيّين الّذين طوتهم ذكرى الحرب. أمّا أسماء مشاهير الثّقافة، فإنّها تستحيل في نصّه شخصيّات من لحم ودم، نقرأها في سياقاتها: كيف التقى موران بهايدغر مرّتين، في الأولى كان بزيّه العسكريّ الفرنسيّ ما جعل هايدغر يتوجّس منه خيفة حين دخل عليه بعد انتهاء الحرب وتهاوي المحور.. كيف أحبّته مارغريت دوراس كما أحبّت في حياتها الكثيرين.. كيف دخل هو ورفاقه في مطلع الخمسينيات على لويس ماسينيون يحملون عريضة وقّعها جملة من مثقّفي فرنسا نُصرةً للمقاومة الجزائريّة، فطلبوا منه دعمهم. لم يقرأ ماسينيون يومها الورقة، نظر في وجوههم ثمّ قال: أرى الصّدق جليًا في عيونكم، سأوقّع من أجل الحريّة.

يشدّد موران أنّ أمام العالم أزمة اقتصاديّة ستكون أكثر حدّة من أزمة 1929، وأنّ مصير أوروبا بمجملها متعلّق ببرلين، ومصير برلين متعلّق بأزمة تُلقي بظلالها على الكوكب كلّه

يحرص الكاتب أن ينقل لقارئه الحدث كما تشكّل في وعي معاصريه يومها، مضيئًا على القلق في قراءة الحدث وتأويله لحظة تشكّله، بعيدًا عن سذاجات القراءات البعديّة الّتي تنظر إليه كحدثٍ ناجزٍ واضح المآل. هكذا مثلاً، ينقل إخفاقات عدد من مثقّفي جيله في قراءة مراحل الحرب ومجرياتها، أو رهان بعضهم على ديكتاتوريّات في وجه ديكتاتوريّات أخرى. أو ينقل كيف أنّه هو نفسه، في المرّة الأولى الّتي حضر فيها دروسًا عن نظريّة المعلومات، ظنّ بداية أنّ هذا الميدان الجديد لا ثمرة تُرتجى منه، ثمّ سرعان ما دارت الأيّام ووقعت مجمل أبحاثه تحت سطوة فتوحات هذه النّظريّة الثّوريّة.

يبدأ الكاتب حديثه عن الموت. لعلّ السّؤال يلحّ عليه اليوم وهو في أواخر عقده العاشر. دنا منه الموت في المرّة الأولى قبل أن يولد، حين فشلت عمليّة إجهاضه فجاء إلى العالم عن طريق الخطأ. بقي وحيدًا بعدما حرمه مرض أمّه من أخ أو أخت، ثمّ سرعان ما حرمه من أمّه أيضًا. عوّضته لعبة القدر عن وحدته هذه بنزعة إنسيّة (humanisme) جعلته يرى في كلّ بشريّ أخًا له.

باغته الموت بعد ذلك مرارًا، هدّده في شبابه أيّام الحرب، والآن يعاجله في شيخوخته. اليوم، وهو في الثّامنة والتّسعين، يستيقظ كلّ صباح فيشعر بثقل العمر في جسده. ثمّ تدفعه بعد لحظات روحٌ من الطّاقة والحشريّة وتبعثه حيًا من فراشه، يقاوم ويبدأ بقراءة بريده الإلكترونيّ، ثمّ يستأنف المطالعة والكتابة وحضور النّدوات والمؤتمرات.. يسأل كلّ صباح ما الجديد اليوم؟

يسرد موران تفاصيل حياته في الحرب الثّانية، ثمّ مشاهد من انتصار الحلفاء، ودخوله إلى ألمانيا متنقّلاً بين القواعد الفرنسيّة والإنجليزيّة وقواعد السّوفيات حتّى وصل إلى برلين ودخل مقرّ هتلر في Wilhelmstrasse. صعد السّلالم متنقّلاً من حجرة إلى أخرى ثمّ دخل إلى بهو مكتبه الفسيح وقد علاه الرّكام، كان المشهد رماديًا في عينيه.. جمع في جيبه بعض الأوراق الّتي خطّ هتلر عليها تواقيعه، نظر إلى الدّمار حوله، ثمّ خرج.

يسرد تحوّلات برلين كما عاينها منذ بناء الجدار الفاصل بين شرقها وغربها، إلى حين سقوطه، ثمّ ما تغيّر فيها إلى اليوم. يشدّد موران أنّ أمام العالم أزمة اقتصاديّة ستكون أكثر حدّة من أزمة 1929، وأنّ مصير أوروبا بمجملها متعلّق ببرلين، ومصير برلين متعلّق بأزمة تُلقي بظلالها على الكوكب كلّه.. وكما يقول المثل التّركي: “هذه اللّيالي حبلى ولا أحد يعرف متى ستضع مولودها الجديد”.

موران، متصالح مع هويّته المركّبة، يصرّ على إنسانيّته كأيّ إنسان آخر، لكنّه، وكأيّ إنسانٍ أيضًا، كائن تاريخيّ متعدّد الانتماءات. هو متوسّطيّ، فرنسيّ المولد وإسبانيّ/إيطاليّ الجذور. هو يساريّ انتسب إلى الحزب الشّيوعيّ، ثمّ عاد الحزب وأخرجه من بين صفوفه.. ومنذ تلك اللّحظة أمسى حرًا.. هو يهوديّ أدرك أنّ مقولة “شعب بلا أرض لأرض بلا شعب” فارغة من كلّ معنى منذ أن رأى بعينيه الدّمار بعد مجزرة دير ياسين. مونتانيّ وسبينوزا هما أبواه في الفكر، الأوّل تجاوز مسيحيّته والثّاني تجاوز يهوديّته، أمّا هو فقد تجاوز هويّاته كلّها. موران، الّذي عانى وعائلته من الإهانة والاضطهاد والعزل في الماضي، بسبب يساريّته ويهوديّته، يرفض أن يعاني أي إنسان على يد أيّ طاغية كان، ويرفض أن يكون اضطهاد الأمس مبرّرًا لاضطهاد اليوم.

يصرخ إدغار موران في واحد من لقاءاته الأخيرة: نحن لم نجد إلى اليوم بوصلة مسارنا البشريّ، وعليه، لن نسير قدمًا، بل سنتهاوى. البشريّة أمام فراغ يشوب فكرها السّياسيّ؛ نحن لا نحسن اليوم تدبير معاشنا. فالسّياسة اختُزلت بالاقتصاد، والاقتصاد اختُزل بجشع النّيوليبراليّة الّتي لا تقيم وزنًا لا للإنسان ولا للطّبيعة. هذه مأساة البشر جميعًا في كلّ بقاع الأرض. لكن، من عمق هذه التّراجيديا كما يقول موران، سيحمل القرن الواحد والعشرين للبشر أحداثًا جسيمة، يتحسّر أنّه بحكم شيخوخته اليوم، ورغم ما في صدره من أمل، لن يكون شاهدًا عليها.

المزيد من هذا المؤلف

كما لو أنّ

 
×