رالف ميليباند*

ترجمة: علاء سند بريك هنيدي

لم يكن ماركس، على الصعيد المهني، اقتصاديًا أو فيلسوفًا أو عالمَ اجتماع؛ بل كان ثوريًا، حُرِم من فرصة المشاركة في الثورات التي تلت عام 1848، فالتفت إلى التحليل المفصل للنظام الاقتصادي الذي أراد الإطاحة به. لم يتوقف ماركس مطلقًا عن التأكيد على الخاصية التحررية للنشاط العملي؛ لكنه اضطر هو نفسه، في ظروف عصره، لأن يكرّس جلّ حياته للعمل النظري.

كان ماركس في الحادية والثلاثين من عمره عندما بدأ، في عام 1849، منفاه الإنكليزي الذي لم ينته إلّا بوفاته، بعد حوالي 35 عامًا. وحين استقر في لندن، كان سبق له أن صاغ المنظور الجديد الذي سيُطلق عليه آخرون –وليس هو– اسم الماركسية؛ وكان قد حرر نفسه، في السنوات الست السابقة، من قيود الفلسفة الهيغلية التي تعلمها في جامعة برلين؛ واستوعب في باريس، موطن الاشتراكية الأوروبية آنذاك، الفكر الثوري الفرنسي وتجربة السنوات الخمسين الماضية؛ وحفر عميقاً أيضًا في الاقتصاد السياسي الإنكليزي: الأمر الذي قام به بعون من فريدريك إنجلز الذي يصغره بعامين، في تلك السنوات القليلة التي اشتملت على جميع الموضوعات الأخلاقية والاقتصادية والسياسية الرئيسة في منظومته؛ وما البيان الشيوعي في عام 1848 سوى تتويج لجهد فكري ينبغي تصنيفه كواحد من أبرز الأحداث في تاريخ الفكر.

في العقدين اللذين تليا هزيمة عام 1848، تمثّل العمل الفكري الرئيس لماركس في محاولته –كما يصفها في مقدمة المجلد الأول من رأس المال الصادر في عام 1867– “الكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث”. كان ماركس أبرز شخصيات الأممية الأولى منذ تأسيسها في عام 1864 حتى أفولها الفعلي في عام 1872، وباسمها كَتَبَ، في عام 1871، رثاءه الحارّ لكومونة باريس المهزومة ولعشرات آلاف المدافعين عنها الذين ذبحوا.

طوال حياته، كان ماركس قائدًا بلا حركة، ومعلمًا قليل التلاميذ، مجهول تماماً خارج دائرة ضيقة من الاشتراكيين، كان معظمهم يعارضونه على أي حال

على مدى سنوات وجوده في إنكلترا، عانى ماركس وجيني ماركس التي لا مثيل لها وأولادهما أشدّ الفقر، ولم يخفف عنهم إلّا الإيراد العارض لمقالات ماركس الصحفية ومساعدة إنجلز المستمرة. وبحلول أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر، أصبحت الحياة أيسر؛ لكن ماركس كان يعاني من تدهور حالته الصحية، وفَقَدَ، على ما يبدو، القدرة على الكتابة المتواصلة. وبقيت مجموعة من الأعمال التي خطط لها أو بدأها غير منجزة، لا سيما المجلدين الثاني والثالث من رأس المال اللذين وضعهما إنجلز بعد وفاة ماركس.

شهد إنجلز الذي عاش اثني عشر عامًا بعد ماركس، مدّ النفوذ الماركسي وصعوده؛ وهو ما لم يشهده ماركس. فطوال حياته، كان قائدًا بلا حركة، ومعلمًا قليل التلاميذ، مجهولًا تماماً خارج دائرة ضيقة من الاشتراكيين، كان معظمهم يعارضونه على أي حال. وخلال حياته، ربما لم يوجد في العالم بأسره ما يساوي ما يوجد اليوم في باريس أو روما ممن يعدّون أنفسهم “ماركسيين”.

***

ثمة، من جهة أولى، ماركسية إنجلز ولينين ولوكسمبورغ وتروتسكي وغيرهم من الماركسيين. وثمة، من جهة أخرى، فكر ماركس وعمله. والعلاقة بين ماركس والماركسية مسألة مثيرة للاهتمام، سال في شأنها مِدادٌ غزير، ودماء غزيرة أيضاً. لكن ماركس، على أيّ حال، ليس إنجلز أو تروتسكي أو ماو تسي تونغ، وما يفصل ماركس عن اللينينية هو أكثر من الشَرْطة بالتأكيد (في عبارة الماركسية-اللينينية). ولا بدّ من الحكم على الماركسية بحسب استحقاقها الخاص بها، وليس بالإحالة إلى ماركس، لا سيما أنَّ بالإمكان اقتباس ماركس، على نحو معقول إلى هذا الحدّ أو ذاك، لدعم عديدٍ من المواقف المتباينة. كما يمكن، على الأقل وفي الوقت ذاته، أن نميّز بعض العناصر الأساسية التي تكمن في صميم فكره: عناصر لا بدّ للماركسية الموثوقة من أنْ تشتمل عليها، مهما تكن العناصر الأخرى التي يُقضى بأن تحتويها.

ثمة، بادئ ذي بدء، طريقة معينة في النظر إلى العالم: اهتمام ماركس الأول هو الواقع المادي الملموس الذي يقبع، كما يعتقد، وراء الأديان والأيديولوجيات والأخلاقيات التي يخلقها البشر لأنفسهم وللآخرين بدافع الجهل أو الخوف أو التخطيط. منهج ماركس، المقتبس من هيغل، هو المنهج الجدلي (الديالكتيكي)، أو البحث عن خصائص الواقع المتناقضة، والوعي بالجوانب المتعددة للحياة والأحداث، ووعي الحركة والصراع والتغيير وعدم الدوام: منهجٌ مناسب لرجل قال لابنته إنَّ “شعاره المفضل” هو “الشكّ في كلّ شيء”.

يجب تمييز ديالكتيك ماركس من النظام الذي عُرف، بعد ماركس، بـ”المادية الديالكتيكية”. هذا هو الديالكتيك الذي يصفه إنجلز بأنَّه “علم القوانين العامة لحركة وتطور الطبيعة والمجتمع الإنساني والفكر”. لا يستخدم ماركس الديالكتيك بهذا المعنى؛ ولم يدَّع، خلافاً لأتباعه، أي إدعاءات كونية تسم عمله.

يرى ماركس أنَّ الواقع الذي يحتاج الكشف عنه يتعلّق أولاً بوجود البشر المادي، بحياتهم الاقتصادية. ففي البدء، لم تكن الكلمة، ولا حتى الفعل، بل الجوع والحاجة. وفي صراعهم من أجل البقاء، يدخل البشر مع بعضهم بعضاً في علاقات معينة. وفي أغلب فترات التاريخ وصولاً إلى الوقت الحاضر، كانت السمة الرئيسة لهذه العلاقات سيطرة القلّة على الكثرة، سيطرة مالك العبيد على العبيد، والسيد الإقطاعي على الأقنان، والرأسمالي على العمال المأجورين، حيث تستولي القلّة على أكبر حصة ممكنة مما تنتجه الكثرة. وقد تنوعت أنماط الاستغلال من حقبة إلى حقبة، لكن الاستغلال نفسه بقي على حاله. وإذا ما كانت الإصلاحات ضمن نظام الاستغلال ممكنة، فإنها لا تؤثر على طابعه كنظام للاستغلال. الأمر الذي لا يمكن أن يكون إلا بإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

لم يستبعد ماركس احتمال أنْ تكون الثورة البروليتارية التي أعلن عنها سلمية، لكن من الواضح تمامًا أنه توقع لها أنْ تكون عنيفة

السيطرة الطبقية والصراع الطبقي وجهان لعملة واحدة. والصراع الطبقي، الحاد والعنيف تارةً، والمستتر والمكبوت طوراً، هو القوة الدافعة للتاريخ، والطريقة التي يصنع بها البشر تاريخهم؛ الأمر الذي يتجلّى بأوضح صوره في الثورة. وفي الصراع الطبقي، لا تكون الدولة محايدة. وعلى العكس، فإنَّ غرضها الرئيس منها هو توفير الحماية للطبقة المسيطرة اقتصاديًا واجتماعيًا. وهذه الطبقة لا تسعى إلى حماية نفسها بالقوة المادية وحدها؛ بل تتكيء أيضاً إلى سيطرتها على “وسائل الإنتاج الذهنية” وعلى التأثير الاجتماعي المُخدِّر لأيديولوجيات الانسحاب والتكيف التي لا يمثّل الدين سوى واحد من تعبيراتها.

كان ماركس مفكراً مرنًا على نحو لافت، ما خلا صعيد واحد هو يقينه المطلق أنَّ الرأسمالية ليست أكثر دواماً من الأنظمة الاجتماعية التي سبقتها. وقال إنَّ زوالها ليس مرغوباً فحسب، بل حتمي، ويعود ذلك أولاً وقبل كل شيء إلى ما في جوهرها من “تناقض” لا يمكن حلّه إلّا بإزالتها؛ فمع تطور الرأسمالية، “يصبح احتكار رأس المال قيداً يقيّد نمط الإنتاج الذي نشأ وازدهر معه وفي ظلّه. ففي النهاية يصل تمركز وسائل الإنتاج وتشريك العمل نقطةً يتعارضان فيها مع غلافهما الرأسمالي. فيتشظى هذا الغلاف؛ ويدق جرس وفاة الملكية الخاصة. نازعوا الملكية تُنزَع ملكيتهم”.

لم يستبعد ماركس احتمال أنْ تكون الثورة البروليتارية التي أعلن عنها سلمية، لكن من الواضح تمامًا أنه توقع لها أنْ تكون عنيفة. ومن الواضح بالمثل أنَّ الثورة، بالنسبة إليه، هي أولاً وقبل كل شيء من صنع البروليتاريا الواعية طبقياً التي تُقيمُ دكتاتوريتها. ليست “دكتاتورية البروليتاريا”، عند ماركس، حكم نخبة أو حزب نيابة عن الشعب: إنَّها حكم الشعب، إدارته الفعلية للمجتمع. ويتوقف هذا النموذج على وجود البروليتاريا الواعية طبقياً كقوة مسيطرة: بغياب قوة كهذه، يخضع النموذج لتعديلات أساسية.

لا تعني إزالة الرأسمالية دخول المجتمع مرحلة المجتمع “الإنساني الحقيقي”؛ بل تجعله ممكناً فحسب. أمّا بالنسبة إلى طابع ذلك المجتمع الإنساني الحقيقي، اللا طبقي، فلطالما رفض ماركس التكهن به: من يقيمون ذلك المجتمع هم الذين سيحددون معالمه. لكن الرؤية التي تشكّل أساس عمله كلّه، من أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى وفاته، هي رؤية التحرر الإنساني الذي يُعَدّ تحققه المادي شرطاً لازماً لكنّه غير كافٍ. ما يشغل ماركس، في النهاية، ماركس الناضج كما ماركس الشاب، هو الحياة مقابل الوجود.

***

هناك كثير من الخيوط المهلهلة في أعمال ماركس: تحليله الاقتصادي، نظريته عن الأزمة الرأسمالية، نظريته عن الدولة والطبقات، نموذجه للتغيير الاجتماعي، العلاقة بين “الأساس المادي” و”البنية الفوقية”، وباختصار، فإنّ الجوانب الأهم في عمله تسفر عن أسئلة كبيرة لا عن حلول أنيقة. لكن هذا ليس ضعفاً يعاني منه ماركس بل قوة تميّزه، اللهم إلا بالنسبة إلى العقول المتدينة. ذلك أنَّ المسائل التي لفت إليها الانتباه، وألقى عمله عليها الضوء، لا تزال الآن مهمة كما كانت حين طرحها؛ شأنها شأن التحدي الذي طرحه.

كان العصر الفيكتوري عصراً رائعاً للمستكشفين. وكان ماركس أعظمهم وأجرأهم جميعاً. فما من أحد سواه قدّم إلى الآن مدخلاً إلى غابة التحليل الاجتماعي أفضل من مدخله. لكن على أتباعه، بعد أن دخلوا، أنْ يعتمدوا على أنفسهم، وأنْ يشقوا طريقهم بأنفسهم.

 

*رالف ميليباند (1924-1994): عالم اجتماع ومؤسس دورية (The Socialist Register) وكاتب مولود في بلجيكا يحمل الجنسية البريطانية له العديد من المؤلفات والمقالات المنشورة في مواقع ماركسية.

*أصوات الاشتراكية: Voices of Socialism، مجلة Monthly Review المجلدد 66 العدد 8 (كانون الثاني، 2015).

 
×