ما إن تضع إصبعك على جرس باب محترفه في سوق ساروجة، وسط دمشق، حتى تطالعك عبارة صغيرة مكتوبة بخطّه: “مدة الزيارة نصف ساعة فقط”. ستقول لنفسك: “ولكن هل تكفي نصف ساعة فقط للارتواء من أعمال يوسف عبد لكي؟” في المقابل، سوف تحاول استثمار هذا الوقت في اكتشاف جديد هذا التشكيلي السوري المتفرّد. في البهو سيباغتنا تمثال نصفي ضخم للينين، سنكتشف أنه حصل عليه من أحدهم بوصفه خردة لا أكثر. في عمق المشغل ستطالعنا لوحة جدارية لسمكة مربوطة بحبال متينة. ليست هي المرّة الأولى التي يرسم فيها عبد لكي أسماكاً، لكننا في هذه اللوحة سنحس بحجم الهلاك أكثر، تبعاً لحجم العسف الذي تعيشه البلاد هذه الأيام. هكذا يزداد أرشيف الموتى قتامة وثقلاً، عملاً وراء الآخر، في جناز طويل. هذه الفجيعة تتناسل من العتمة، عبر ضربات نزقة، في معالجات غرافيكية صارمة تنطوي على قدرة عالية في الإتقان والكثافة البصرية المكتنزة بالإشارات، رغم التقشف الظاهري للموجودات على السطح، فوراء هذه السكينة المراوغة، والموت المجلل بالصمت والعزلة والسخط، تكمن تراجيديا الألم. في بهو المحترف ، كان يطعم الحمام، ثمّ قال، وهو يعدُّ الشاي: “لقد أصاب الزلزال أساس البناء، هذا تسونامي جارف، لن يتوقّف”. بعد ذلك أفرد على رخام الغرفة بعضاً من أعماله الجديدة، بالأبيض والأسود، وكأنه يرغب بتعزيز فكرته الأصلية التي طالما ردّدها: “دور الفن يتمثّل بكونه شاهداً على الآلام، يرصد معاناة البشر، ويقيس منسوب الأمل في قلوبهم”.

في “نصف ساعة أخرى” من موعدٍ آخر، سوف يكشف عبد لكي عن مفاجأة ثانية. يقول: “منذ سنوات، وأنا أفتّش عن موديل عارٍ، من دون جدوى، فنحن جيل درس الفنون من دون أن يحظى بموديل محترف، بعد أن منعت كلية الفنون الجميلة في دمشق، في سبعينيات القرن المنصرم، وجود مثل هذا الموديل. بعد بحثٍ مضنٍ، وافقت أحداهن أن تتكفّل هذه المهمة، فأنجزتُ نحو عشرة أعمال بقلم الفحم”. بين جدارية السمكة على الجدار، وعارية يوسف عبدلكي، سوف نقارن تلقائياً بين اختناق السمكة شنقاً بالحبال الثقيلة، وتفتّح جسد أنثوي بشهوة الحياة، وقدرة هذا الغرافيكي الصارم على اجتراح مساحة للحياة وسط الجحيم وحطام كائناته ووجوه المفقودين.

سأختزن هذه التجربة بوصفها تمرّداً على الأعراف الراسخة، ومنعطفاً حاسماً في مواجهة السكونية التي أصابت المحترف السوري تحت وطأة تحوّلات القيم، وفتحاً مغايراً لتجارب الآخرين، لكنني سأُصدم بكيفية استقبال بعضهم لهذه المغامرة بحملة مسعورة واجهت عبدلكي إثر إقامته معرضه عاريات (2016) بذرائع هشّة تنبئ عن عبودية مقيمة في المقام الأول، وسأكتب في حينها: “نحو نصف قرن من احتجاب الجسد عن المحترف التشكيلي العربي، أطاحه عبدلكي بضربة قلم فحم واحدة، وموديل كابد كثيراً لإقناع صاحباته في خوض التجربة، فكان عليه أن يستبدل موديلاً بأخرى تحت ضغط الظروف القاسية التي تحيط بحيواتهن. وبدلاً من تحية هذا التشكيلي المتمرّد على المقاييس والمواصفات، نظراً إلى تحطيمه الأسوار العالية للجسد الأنثوي في مواجهة زمن السبي والاغتصاب والخطف، حمل الغوغائيون معاولهم وفؤوسهم لوأد التجربة في مكانها من المقبرة التاريخية، ثم عادوا مظفرين إلى أقفاصهم الضيّقة كثوّار جدّد بدمغة لباس الميدان الافتراضي.

طوال ثلاث سنوات، كان عبدلكي منهمكاً بإزاحة مشهد القبح المتراكم بقسوة، لمصلحة الجمال المسلوب تحت وطأة العنف والفتاوى وشجاعة الجهل، مستكملاً مشروعه المرهف في تمجيد زهرة الزنبق، وفزع السمكة، وطمأنينة الحلزون، ولاحقاً، إزالة الكدمات والندوب عن الأجساد المنتهكة بأنياب وحوش الفضيلة. وإذا برهافة قلم الفحم، لا تتوقف عند بهجة الاكتشاف والرصد والمعاينة، إنما تحلّق عالياً في إعادة الاعتبار إلى الفراغ، والمراهنة على إضاءة الكتلة المركزية بخطوط صارمة ومتقشفة، تمنحها بريقاً إضافياً، كما تكشف عن إيقاعاتها الداخلية المحتدمة، والظلال المدهشة لكائناته المتفتحة على مهل، فالألم يقتل اللون، وفق ما يقول إدواردو غاليانو. هكذا استكمل عناصر تكويناته بمقارعة الجسد العاري بوصفه امتحاناً جمالياً في المقام الأول، وليس انسياقاً وراء شهوانية طارئة، بقدر اهتمامه بإبراز التفاصيل والنتوءات والانحناءات التي يمنحها الجسد لتناوب الظل والضوء، فنحن نكاد لا نقع على مناطق الإغواء، أو أننا لا نتوقف عندها في الأصل، لفرط سيلانها واندغامها في الكتلة. ستحضر أجساد منطفئة، مكلومة، خفرة، تحيل إلى ألم خفيّ، وحلم مجهض، وانكسار وتحدٍّ”. كما سأجد ما يعاضدني في ما كتبه الناقد الفرنسي إيمانويل دايبه “لم يتح لعبدلكي إنشاء طواطمه الخاصة، من أجل تحدي هذا المحظور. أبعد من المرأة، فإن عبدلكي يجعل المرأة السورية، بصدرها الثقيل وعينيها الفحميتين، تشعّ بكل مأساويتها وحسيتها المهيبة، على أوراق رسمه في الليل”.

سننسى أفعال الغوغائيين، ولا ننتبه إلا إلى أرشيف حيّ للجمال المخطوف والموتى الأحياء. وربما سنتذكّر طابعاً بريدياً أصدرته الحكومة الإسبانية في عشرينيات القرن المنصرم يحمل لوحةً عارية بتوقيع فرانسيسكو غويا. سنقول باطمئنان: الفرق بسيط، مائة عام فقط، علينا أن ننتظر، أليس كذلك؟