التقيتُ بأحمد اللبّاد كمصمّم في كتابين صدرا لي عن “دار ميريت” العزيزة؛ أولهما رواية قانون الوراثة في عام 2002 وثانيهما ديوان جولة ليلية في عام 2009. في العمل الأول، ومن ضمن تلك «الطرحة» الأولى للدار التي ضمّت كتبًا لأصدقاء وزملاء، كأحمد يماني وحمدي أبو جُليّل وإبراهيم فرغلي وحسن عبد الموجود ومحمد خير، لم يكن أحمد يُدشن طابعًا بصريًا لدار “ميريت” وحدها، بل لجيلٍ بأكمله. وقد راعى أن يغاير بعلاماته طابعًا بصريًا وسم به والدُه المُعلِّم محيي اللبّاد شريحة أسبق من جيلنا، طرحتها في سوق الكتاب دار «شرقيات» مع بداية التسعينيات، ما عُدّ وقتها ثورةً في الإخراج الفني للكتب.

لاقت دُفعة “ميريت” الأولى تلك نجاحًا ملحوظًا، وترسّخ اسم الدار وصاحبها محمد هاشم كناشر طليعي، ونال معظمنا جوائز أدبية عن تلك الكتب، وترسخت أسماؤنا ككتّاب في الحقل الأدبي بعد البدايات الخجولة بالإصدارات الخاصة والطبعات المحدودة. ولأحمد اللبّاد نصيب كبير في ذلك بالتأكيد، وسيذكر الكثيرون مطواة قرن الغزال علامة «شقاوة الضواحي» على غلاف لصوص متقاعدون لحمدي أبو جليّل.

ربما كان قانون الوراثة من أكثر كتبي حظًا، لكن تجليّ اللبّاد الأعلى معي كان في الكتاب الثاني الذي شاركني إياه مصمّمًا: مجموعة جولة ليلية الشعرية. من قصيدة في الديوان عن مسيرة ليلية لعاشق وعاشقة صغيرين، من باب جامعة القاهرة حتى ميدان الجيزة بحذاء سور حديقة الحيوان استُلهِم الغلاف. استخدم اللبّاد لقطةً من الفضاء بالقمر الصناعي لجغرافيا حديقة الحيوان كخلفية أسقط عليها العنوان واسم الشاعر داخل أُطر تحاكي اللافتات الإرشادية داخل الحديقة ذاتها، وذلك النمط من اللافتات هو أيقونة بصرية يعرفها المصريون من أجيال متعددة، ممن زاروا الحديقة الشهيرة بالجيزة، ومن يدرك كل تلك العلاقات البصرية/الشعرية المركّبة سيكون قد ارتحل مع القصائد إلى مستوى أعمق. وقد تحدّث كثيرون من قبل عمّا يسمى بـ”عتبات النص”، ولكن ما من قراءات واعية ونافذة استخدمت هكذا مقولات في التعامل مع أي عمل أدبي، سوى في إطار من التسطيح الأكاديمي. كانت الحالة الليلية مهيمنةً على قصائد هذه المجموعة، ولم تكن جولة ليلية واحدة، بل جولات، وخارطة القمر الصناعي التُقِطَت في ظلام ذلك الجزء من الكرة الأرضية. فظلت تلك العلامات شيفرة سرية بيني وبين اللبّاد، ربما لم يدركها غيري. رسالة وصلت إلى مستحقها الأول ولم يتمكن كثيرون من حدس فحواها.

أحمد أيضًا قاهريٌ أصيل، وهي صفة أعتقد في اتصافي أنا ذاتي بها حدّ التيه والخيلاء الساذج في وسط أدبي وثقافي معظمه من مهاجري الريف والمدن الصغيرة. وعلى الرغم من كونه ينتمي لمنطقة شرق المدينة وأنتمي لجنوبها، وهما طرفان مختلفان للغاية في جغرافيتيهما وثقافتيهما الفرعيتين، إلا أن ثمة طفولة عاشها كلانا بالتوازي في محيط المركز أو وسّط البلد: تلك المرابع التي لا يتعرّف عليها أهل هذا الحقل إلا عندما يفدون إليه للعمل أو للبحث عن مكان تحت شمس الثقافة، كانت بالنسبة إليّ، وإليه في ما أعتقد، أماكن أليفة منذ عهد طويل. أستطيع أن أشيرَ إلى مطعم صغير بائد، كان يبيع السندويتشات في شارع طلعت حرب في السبعينيات، لن يتذكره سوى أحمد اللبّاد وحده، وربما أيضًا الكاتب الراحل مكاوي سعيد، وإن كانت حساسية الأخير في استدعاء تلك العلامات الزائلة مختلفة قليلاً عن تلك الشفرة التي قد ألقيها للبّاد فيلتقطها من فوره، أو العكس بالعكس.

في اقترابه الحذر من فعل الكتابة، في المساحات الشخصية بحدود “فيسبوك”، موقع التواصل الاجتماعي الأشهر حتى الآن، تتجلى تلك الصفة القاهرية بوضوح. ولابن القاهرة دائمًا علاقة مركّبة بهذه المدينة التي تختصر الدولة الأمة. وأي كاتب قاهري يُسرف في وصف الشوارع وتحديد أسمائها بدقة، كأنه يشرح الخريطة لغريب فيما هو «يغمز» من طرف لمواطنه مدركاً تلك المعالم بتناقضاتها. يكتب اللباد نصوصًا أطول من أن تكون تغريدات تصلح لـ «تويتر»، وتتسع لها أكثر خاصية “فيسبوك” الأرحب في خلق نمط كتابي جديد، أراه في طور التشكّل. يكتب بلغة تمزج عاميّة قاهرية بليغة (وفصيحة!) وفصحى سلسة تَظهر تلقائيًا لتعلو المعالَجة على الابتذال اليومي السريع، ليلتقط بعين الفوتوغرافي وصانع الأيقونات مفارقات تدهور الواقع الاجتماعي، والمهني قبل أي شيء. هو من ورث فكرة التجويد حتى النهاية من معلم كبير في الصنعة: الفنّ كصنعة بالمعنى الحِرَفي، والحِرفة بوصفها فنًّا لا يقف عند الحدود الاستعمالية للمنتج ويتجاوزها لآفاق دلالية أكبر وأعمق، كما لدى النحّات المصري القديم، ورسّام المنمنمات الإسلامية.

إن التدهور المهني الذي أصاب قطاعات كبيرة من المجتمع المصري، والذي أصاب خاصيّة الإتقان في مقتل، يعاني منه أكثر ما يعاني فنانٌ كأحمد اللبّاد، يضطر إلى الاعتماد في الإخراج النهائي لتصميمه على حِرَفيين غير مهرة ومطابع تغالي في أسعارها، ومنظومة تبرر تدنّي المستوى بحكم مسبق يرى أن الإخفاق طبعٌ كامن في الشرقيين، وأن الإتقان قد غادر مع مغادرة «الأسطوات» الأجانب، الإيطاليين والأرمن واليونانيين. وبخلاف معركته الدائمة مع الضوضاء البصرية بكافة أشكالها، ومحاولته استخلاص «العلامات» الصالحة من قلب هذا الركام الهائل كي يعيد بثهّا في سياقات مختلفة لتنير بعد انطفائها، فهو يخوض معركة أخرى هائلة مع الاستهتار والاستهانة بقيمة العمل وتنفيذه على النحو اللازم. وهاتان في الأصل معركة واحدة انفتحت على جبهتين.

 

*اللكلكة، تعبير في عامّية القاهرة يُشير إلى الاستعجال في إنجاز عمل ما وتنفيذه كيفما اتُفق

 
×