يرمي التّلاميذ حقائبهم جانبًا تعبيرًا عن الفرح، يرمونها بلامبالاة وبشيءٍ من العنف. كلّما ازدادت أسباب الفرح تعاظمت لامبالاتهم واشتدّ العنف. ثمّ يخلعون عنهم زيّهم المدرسيّ كمن ينفض عن كاهله عبءَ زمن، يفعلون ذلك سريعًا ومن دون اكتراث، فالفرح لا يعرف طريقًا نحو الصّدور المغلَقة. ولا يعير الأطفال الفرحون أذنًا لتعليمات الكبار، يصمّون آذانهم لكلّ شيءٍ باستثناء وعودٍ بسعادةٍ أكبر.

هكذا مارست فرحي يوم 25 أيّار من العام 2000.

على عتبة باب الصّفّ وقفت المدرّسة. “تحرّر الجنوب، بدنا نفلّل الاولاد”. لم تكن كلماتها باللّهجة المحكيّة وحدَها ما أثار استغرابي، هي التي اعتدنا لغتَها العربيّة الفصيحة حتّى في أشدّ لحظات التّقريع. ملتُ بخجلٍ نحو علي، صبيٌّ بليدٌ لطالما جلس إلى جانبي، وسألت بصوتٍ خافت: شو يعني تحرّر الجنوب؟ بادلني النّظرات دون كلام.

جلستُ في الملعب منتظرةً أمّي وتفسيرَها لخروجنا المبكر استثناءً اليوم من المدرسة. عاينتُ الجميع، فردًا فردًا، تلصّصتُ على فرحهم وجمعتُ كلماتهم المبعثرة علّي أفهم ما يدور حولي. لم يكن ما رأيتُ في عيونهم فرَحًا فحسب، كان ربيعًا، شيئًا لم أعتده من قبل. لم يسبق لي أن رأيتُ فرحًا جماعيًّا، فالفرح لمن مثلنا كان ترفًا خبِرنا شيئًا منه ومارسناه وحدنا أو ضمن مجموعاتٍ صغيرة. كان الأهالي على عجلةٍ من أمرهم. بدوا أطفالاً وُعدوا بنزهةٍ إلى مكانٍ جديد. فهمت لاحقًا كم كان المكان الموعود جديدًا عليهم.

أعطتني أمّي إجاباتٍ أقلّ بكثيرٍ ممّا أردت. لا تجيد أمّي في تقديم التّفسيرات الحديثَ لأطفالها عن الألم، فاكتفت بالقول إنّ إسرائيل خرجت من أرضنا. وإسرائيلُ هذه ألم. لها عندي وعند من سكن من أفراد عائلتي في الجنوب سمعةٌ سيّئة. إسرائيلُ هذه عرّفتنا إلى الموت، نحن الجيل المولود بعيد انتهاء الحرب الأهليّة، وأجبرتنا على اعتياد الملاجئ. إسرائيلُ هذه حوّلتنا، أقاربَ وجيرانًا، كتلةً منصهرةً لا بفعل التّضامن فحسب، بل بسبب الرّعب والحاجة والعوز. لليالٍ طويلة، كدّستنا بالعشرات في بيتٍ يغصّ لو تعدّى من فيه عدد أصابع اليد الواحدة. إسرائيلُ هذه حوّلت ليالينا نهاراتٍ معتِمة، فلم يعرف كبارنا نومًا، بينما افترشنا نحن الصّغار أحضان أمّهاتنا متى غلبنا النّعاس أو أضجرَنا انتظارُ الغارة التّالية. إسرائيلُ هذه أصمّت طائراتُها آذاننا الصّغيرة وجعلتنا ندفنُ رؤوسنا تحت الوسادات. إسرائيلُ هذه جعلتني، ولي من العمر خمس سنوات، أهرع فجرًا إلى حضن والدي ثمّ أقع مغشيًّا عليّ. إسرائيلُ هذه أرغمتني على تخيّل حياةٍ خاليةٍ من أخويّ فأبكيهما سرًّا كما بكت فتاة سيارة إسعاف المنصوري إخوتَها.

كنّا أبطالاً، لا بالمعنى الميثولوجي في أسطرته للصّغار بما يفوق طبيعتهم، بل أبطال كما يمكن للصّغار أن يكونوا

فقط حين استعدتُ الخوف والقلق، فهمتُ معنى التّحرير. ونحن الأطفال، في الجنوب والضاحية الجنوبية، أطفال الشياح وحارة حريك وبئر العبد والرويس وحيّ السلّم والغبيري، أطفال الأحياء المهملة والمملوءة قهرًا، شاركنا في التّحرير وإن عصى المصطلحُ على فهمنا في ذاك الوقت وبدا ناطقه متحدّثًا بلسانٍ أعجميّ. بألمنا صنعنا التّحرير، بألعابنا المُتخيّلة عن عالمٍ لا يكون فيه لغارات اللّيل مكان، باقتصادنا في الطّعام والشّراب والحاجات الأساسية. كان على كرتونة بيضٍ أن تكفي قبيلة. حتّى البيض حمّلته إسرائيل أكثر ممّا يحتمل. كنّا أبطالاً، لا بالمعنى الميثولوجي في أسطرته للصّغار بما يفوق طبيعتهم، بل أبطال كما يمكن للصّغار أن يكونوا.

في ذاك اليوم فقط، تمنّيتُ لو أنّ مبنانا مكوّنٌ من عشر طبقاتٍ تحتلّ شقّتنا منه الطّبقة الأخيرة. أردتُ استنشاق مزيدٍ من فرح الجيران المؤجّل. كنت أطير بتمهّل ملقيةً نظراتٍ أخيرةً على زوايا لن تعجّ بعد اليوم بجيرانٍ ومهجّرين وغرباء باحثين عن ملجأ في أحضان بعضهم البعض. “لا مزيد من محاولاتٍ بائسة لالتقاط موجة راديو ولا زعيقٍ بسبب إسراف أحدهم في صرف مخزون البطّاريّات المخبّأة”. ابتسمت، وقد كان بانتظاري مزيدٌ من أسباب الفرح التي تنتظر اكتشافها.

كانت جميع الأبواب مشرّعة بما فيها باب بيتنا. كنت على يقينٍ أنّ أبواب المباني المجاورة والأبعد منها، وكذا مباني المناطق المجاورة والبعيدة وصولاً إلى الجنوب، بل مباني الدّنيا جميعًا شُرّعت في ذاك اليوم. لفظت ذاكرتي تفاصيل الانتقال من العتبة إلى غرفة المعيشة، ومن غرفة المعيشة إلى سيارة أبي ومن سيارة أبي إلى أبعد نقطةٍ من أرض الجنوب، باستثناء ممارسة الفرح. على حصيرةٍ مقلّمةٍ باللّونين الأبيض والأخضر وأمام تلفازٍ خشبيّ الإطار كان ينقل مشاهد الاحتفاء في المناطق المحرّرة مارستُ فرحي. بكلّ ما أوتيت من قوّة رميتُ حقيبتي، أقسم أنها لامست سقف الغرفة، لا أدري كيف استطعت ذلك وفيها من الكتب والدفاتر ما يفوق العشرة. ثمّ خلعتُ مريلتي. لم أفكّ أزرارها، خلعتُها على طريقة خلع الفانيلات، وقد كانت أمي تنهرني دائمًا على ذلك. لكنّها في ذاك اليوم لم تفعل، كانت سعيدة، وقلّما كانت ماما كذلك.

وانتظرت.

انتظرت فرحًأ أكبر. كنتُ على يقينٍ أنّ ذلك سيحدث، فالجنوب تحرّر، ولا أغلى من استعادة ما لك.

بعد ساعاتٍ قليلة، كنّا هناك، في أرضٍ بدت لي يومًا مستحيلة، مخبّأة في حكايا أمّي وجدّي حتّى ظننتُها محض أوهام، كنّا في بنت جبيل، نستمع إلى خطاب التّحرير. وكم بدت إسرائيل حينها بالنّسبة لي، أنا الّتي لم أجرؤ حتّى على رفع رأسي من تحت الوسادة، صغيرة، بدت صغيرةً للغاية، وما زالت.

 
×