كاميرا، حواسيب محمولة، تقارير تتدفّق من كل صوبٍ، أسئلة الزميلات، متابعة الأحداث، مشاهد الدمار، وشحوب المدينة. تزدحم كل هذه التفاصيل في رأسي وأشعر بالاختناق. أقول لصديقي إني ربّما اخترت الاختصاص الخطأ، ولم يكن يجدر بي دراسة الصحافة.

أتوجّه قرابة الظهر مع زميلتي إلى مرفأ بيروت. لا رغبة لي بكتابة أيّ تقريرٍ يرغمني على الحديث مع أهالي المفقودين أو الضحايا. أعرف طعم الفقد، كما أعلم أنّه عليّ أن أمارس عملي كصحافية وأن أكتب. ولأني صحافية حرة وجديدة على المهنة، عليّ أن أكتب، لكنّني أهرب.

تقترب منّي زميلتي وتهمس في أذني جملةً ستظل محفورة في رأسي كلّما سمعت عن انفجار مرفأ بيروت: “هيداك اللي لابس “تي شيرت” زيتي”. تقترب منه زميلتي وتسأله إن كان يمكن أن تجري مقابلة مصورّة معه. ينطق صاحب “التي شيرت” الزيتية فأتبعثر أكثر، وأتناثر كالمستندات الصفراء والبيضاء المنتشرة على أرض مدخل المرفأ. يعتذر منا، ولكني لا أسمع كلماته، بل أقرأ في عيونه. تستنفر كل الدموع التي قاومتها مذ وطأت قدماي ساحة الشهداء بعد الانفجار، وشوارع الجميزة ومار مخايل في تلك اللحظة، ثم أوبّخ نفسي في سرّي: “أنتِ الصحافية، ما تبكي أمامه، شدّي حالك”. أشيح بناظري عنه، وأسرح في الجسر المقابل للمرفأ. يتبادر إلى ذهني سؤال من مشاهدات الأمس: كيف يحتمل الناس أن يأخذوا صور “السيلفي” ووراءهم كل هذا الدمار؟ فكرة أن الأجساد ما زالت هناك مخيفة جدًا بالنسبة لي. ليس الخوف من الأجساد بل الخوف من مواجهة الحقيقة، وأنا التي ما زلت إلى اليوم أهرب من موت أمّي.

أجول في المكان محاولة الابتعاد. عليّ أن أنتظر صديقاتي الماكثات أمام المدخل، أسألهنّ: “لم نحن هنا”؟ يجبنني: “لأنه كل شي مهم هون، فوق في بس الناس اللي عم تتفرّج”.

أعلم هذا، ولهذا أسأل سؤالي السخيف “لم نحن هنا”! ألا يجب أن تكون مساحة هؤلاء وحدهم؟ أنهر نفسي وأردعها عن المبالغة.

أستسلم للواقع وأقترب من صاحب “التي شيرت” الزيتية، وأعتذر عن كوني صحافيّة متطفلّة على حزنه. نجلس على مقربة، على كرسيّ بلاستيكي وجهه مسمّر أمام مدخل المرفأ. ربّاه كم أكره الانتظار! أحاول أن أشتّته لكنّي أفشل. أيّ حديث بإمكاني أن أختلق مع غريبٍ في أرضٍ يحوم فيها الموت من حولنا؟ لا أذكر على وجه الدقة كيف بدأ حديثنا، لكنّه يروي لي وأنا أستفسر منه بحذر حول التفاصيل. أكره أني ألتفت للتفاصيل. سيسكنني أخ الشهيد أو الضحية أو الفقيد قبل الشهيد. سيتجذّر حزنه فيّ أكثر من الشهيد ربّما لأنّي رأيته في عينيه.

لم أنج من الدمار الذي حصدته عدسة كاميرا هاتفي، لم أنج من النصوص التي كتبها الزملاء، لم أنج من أسماء الضحايا، نحن جميعنا لم ننج يا بيروت

العيون عسليّة، وبرزخ الدمع يحول بيننا للحظات لتعود الحيرة وألم الانتظار، والندبة المزروعة في مكانٍ ما على وجهه، واليدان القابضتان على القلب كي لا ينفلت من عصف الخوف وإزهاق الأمل، والعيون المسمّرة نحو البوابة بانتظار رجال الدفاع المدني، تلاحقني هذه التفاصيل طوال النهار.

يحدثني فيقول: “أخي يعمل هنا، قبل الانفجار بثلاثة دقائق هاتفني ليخبرني أنّ حريقاً نشب في المرفأ، أقفل الخط فدوّى صوت الانفجار. لم يكن من المفترض أن يكون أخي موجودًا في تلك البقعة. أخبروه أنّه يجب أن يقلّ زميله في العمل، لقد نجا زميله! أتعلمين؟ أقول إن شاء الله سيظهر أخي”، ويصمت. يقطع الصمت عويلٌ آتٍ من صوب الشجر المحيط بنا. أسأل زميلتي: ما هذا الصوت؟ يجيبني هو: صوت يمامة. لطالما زرع فيّ صوت اليمام حزنًا لم أفهمه. اليوم، تتجسّد يمامة مرفأ بيروت في مخيّلتي على شكل ثكلى تنتحب بين الدمار والركام، وتنعى الأجساد التي لم يبصرها أحد حتّى الآن. ربّاه كم أكره مخيلتي!

يكمل ذو “التي شيرت” الزيتية حديثه، ويخبرني أنّه ما زال يبحث عن أخيه منذ ليل الأمس. أخبروه أنّهم وجدوا رخصة القيادة التابعة لأخيه. “دخلت خلسةً” يقول، “بحثت كثيرًا في المكان الذي كان يتواجد فيه أخي قبل الانفجار بدقائق، بحثت في كل المستشفيات. يتصل بي الناس. يقولون إنّه حيّ في “مشفى الحريري” ولكني لا أجده هناك. أوكلت من يبحث عنه في مستشفيات سوريا. زرت مبنى “تاتش” للاتصالات علّهم يتتبعون إشارة هاتفه المحمول، ولكن لا شيء”. يهزّ برأسه فيما الغصّة والغضب يتجمهران في حلقه. تدخل سيّارات الدفاع المدني، وسيّارات أخرى، وهو هناك يجلس بحرقة الانتظار.

يصرخ أحد العسكريين من الباب “ماتوا… ماتوا” وهو يتحدث مع زميل له. تتابع زميلاتي عملهن ويلاحقن القصص. في الجهة المقابلة، يقف عسكري ويبستم وهو يحادث زميله. في الشارع المقابل، يوجد مقهى صغير يبتاعون منه فناجين القهوة. صاحب “التي شيرت” الزيتية هنا، يداوم تحت الشجر، يصغي لصوت اليمامة بانتظار عناصر الدفاع المدني، بانتظار أي شخص يخبره عن أخيه المفقود. أسأله عن أهله فيخبرني أنهم بخير. “أتعلمين” يقول لي، “عندما يسألوني أقول “ربّما يجرون له عملية الآن وسينجو”.

أغادر المرفأ وأنا أشعر كأن كل دمار بيروت قد سكن عيون صاحب “التي شيرت” الزيتية. أتقصّى أخبار أخيه المفقود، فأراه غيّر صورة حسابه على “واتسآب” منتصف الليل، وكتب “شهيد المرفأ”.

بات كل انتظارٍ في هذا البلد قاتلًا. لم ينجُ أمين الزاهد من الانفجار. ربّما يكون استسلامًا ما سأقوله، ولا أساوي نفسي بالضحايا، ولا أساوي حزني بحزن صاحب “التي شيرت” الزيتية أخ الشهيد، لكنّنا لم ننجُ أيضًا. لم أنج من الدمار الذي حصدته عدسة كاميرا هاتفي. لم أنج من النصوص التي كتبها الزملاء. لم أنج من أسماء الضحايا. لم أنج من عيون أخ الشهيد وهي تنتظر. نحن جميعنا لم ننج يا بيروت.

المزيد من هذا المؤلف

 
×