وقَّع ترامب، في 25 آذار 2019، إعلاناً يعترف فيه بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية.

كان يوم الواحد من نيسان يوماً غزير الأمطار؛ “سماء وماء”، كما اعتدنا أن نقول. وفي ذلك اليوم اضطررت للخروج من المنزل كي أقبض مرتّبي الشهري، كدأب الموظفين السوريين جميعاً في أول الشهر. ومرتّبي هذا كان قد تقلّص حتى غدا أقل من مئة دولار بعد ما يزيد على عشرين عاماً من العمل؛ هل يستحق هذا المرتب الهزيل الخروج من المنزل في هذا الطقس العاصف؟

قبضت المرتب من الدائرة التي أتبع لها وخرجت. لم أستطع أن أواصل، إذ تبلّلت ثيابي بأكملها وارتفعت المياه في الشارع حوالى 40 سنتيمتراً، حالها في كلّ عامٍ ترتفع فيه معدلات الهطول وتعجز مصارف المدينة القليلة عن ابتلاع هذه الكميات الهائلة. خطر لي مدرّس المناخ والأرصاد الجوية في الجامعة وسخريته الدائمة من (غياب) تخطيط المدن والشوارع في بلداننا: قبل إنشاء أي شارع أو تمديد أي شبكة صرف صحي أو أسلاك هاتف علينا أن نعرف حالة المناخ السائدة وكمية الهطولات الأعلى للمدينة، لكنهم في بلداننا لا يلقون بالاً لكل هذه الدراسات.

التجأتُ إلى دكّان صديق لي في كراج جبلة القديم، وفيما نحن جالسين مرَّ رتل أطفال لا تتعدى أعمارهم العاشرة يمشون تحت المطر في مسير منتظم؟ خرجتُ واقتربتُ من أحدهم وسألته: ما الذي تفعلونه في هذا الطقس؟ أجابني: “كنّا بمسيرة مشان نرجّع الجولان، نحنا طلعنا مسيرة بسّْ ما رجعولنا ياها”.

جواب هذا الصغير فتح الباب على ماضٍ رومانسيّ كابدنا في إغلاقه إلى الأبد مع تبدد أوهام كثيرة كلما تقدّم بنا السنّ. هل يُعاد إنتاج الأخاديع نفسها مع جيل جديد في عصر الثورة الرقمية؟ هل يُعاد إنتاجها بعد أن رأينا بأم العين أنّ تحرير الأرض ممكن حقّاً بالعمل الصادق لا بمجرد الكلام والشعارات؟

توجه إليَّ صديقي بالسؤال: هل تذكرين مسيراتنا المدرسية؟ حين كنّا نسقط إسرائيل مرّاتٍ عدّة في العام ونعيّش الأمة العربية!

نعم، كنا نردّد أهزوجة تقول: “زمجر… زمجر بغضب وانتقم من أعداء بلادي … صاعقة”. كنّا نرفع الصوت عالياً لاعتقاد راسخٍ تكون لدينا من دون وعي بأننا سندحر إسرائيل من قرانا النائية بأصواتنا العالية ومشيتنا المنظّمة.

ينبق معارض فجأة ولا يتورع عن القول: “لدينا استعداد للتحالف مع الشيطان من أجل إسقاط النظام”، ردّاً على سؤال: هل لديكم استعداد للتعاون مع إسرائيل؟

تكبّدنا جمع ثمن الأعلام الأميركية من مصروفنا اليومي وقمنا بحرقها. وفي أماكن أخرى قذفوا السفارات بالبندورة والبيض. وفي المرحلة نفسها حفظنا أغنية أم كلثوم “أصبح عندي الآن بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم”، ثم ردّدنا الأغنية التي لحنها عبد الوهاب “وطني حبيبي، وطني الأكبر، يوم ورا يوم أمجاده بتكبر، وانتصاراته ماليا حياته، وطني بيكبر وبيتحرر”. ومن كان من عائلة يسارية فقد شدا بأغنية الشيخ إمام “في ذكرى الميلاد العشرين لفتاة من أرض فلسطين”.

أصمتُ وصديقي… نغصُّ بدمعة بحجم وطن.

تكبر أمجاد الأوطان في الأغاني… وكلما كبرنا عاماً تصغر الأحلام ويضيق الوطن.

أعود إلى البيت مبللة بالماء… وبرغبة في التلاشي. أستلقي على السرير, تتراقص أمامي “أهدافنا”، أردد بصوت مخنوق “وحدة، حرية، اشتراكية”، وأسرح في “الحرية” التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.

لطالما كانت مفردة الحرية في الطفولة مرادفة لمعنى واحد: تحرير الأرض المغتصبة من إسرائيل. كانت الأراضي المغتصبة هي فلسطين والجولان، وقلّما ذُكر “اللواء السليب”، فقد حُذف من خارطة سوريا الجغرافية كما حُذف من أذهاننا لعقود عدّة.

كبرتُ قليلاً لأعرف أنّ للحرية معانيَ أخرى لم يكن مسموحاً أن نفكر فيها. أحدّق في صورة أبي الميت قبالة السرير، أبي الذي قضى سبعة وعشرين عاماً مرابضاً على الحدود في مواجهة إسرائيل. أضحك وأردّد: “واه، يا عبد الودود، يا رابض على الحدود”. أبي الذي شارك في حربي 1967 و1973، مات إثر إصابة في الحرب ولم يعتبروه شهيداً، كانت “الهلمّة” قد بهتت.

قبيل وفاته بشهر، كان أبي قد فرغ من تحفيظي: “فلسطين داري ودرب انتصاري، تظل بلادي هوىً في فؤادي”.

ولطالما غصّت المناهج المدرسية بنصوص أدبية عن فلسطين والوحدة العربية بدءاً بالمراحل الابتدائية وانتهاءً بمادة اللغة العربية التي كنا ندرسها في سنواتنا الجامعية الخمس، أمّا قضايا من قبل الفقر والمساواة الاجتماعية فكانت متروكة لهدف “الاشتراكية” الذي سيتحقق ما إن تتحقق وحدة الأمة العربية وحريتها من المغتصبين كافة.

تحرير فلسطين أولاً ثم تُحلُّ القضايا الصغيرة من فقر وجوع! وما هي إلا سنوات حتى تغيّرت المناهج المدرسية وكادت فلسطين والأراضي المغتصبة تغيب عنها.

تندلع الانتفاضة في آذار 2011، فتعود الجولان إلى الواجهة وتخرج القضايا الكبرى من قمقمها. ويبدأ الإعلام أيضاً بتذكير الناس بأولويات المرحلة. لا تزال إسرائيل، إذاً، عدوتنا التي تغتصب أرضنا!

بيد أنَّ معارضاً ينبق فجأة ولا يتورع عن القول: “لدينا استعداد للتحالف مع الشيطان من أجل إسقاط النظام”، ردّاً على سؤال: هل لديكم استعداد للتعاون مع إسرائيل؟

تضيق مفردة الحرية من جديد ليصبح لها معنى واحداً: إسقاط النظام أولاً، ثم ينهمر الخير. لكن المدن تُدمَّر والبشر يُذبحون وسواهم يُهجَّرون، والديدن إسقاط النظام أو إبقاؤه، ليس غير.

كم بات هؤلاء يشبهون أولئك!

كم بات أولئك مرآة هؤلاء!

ويا حرية!

 
×