(1)

“اكبروا وحدكم، أنا لا أريد أن أكبر”، تلك كانت عبارة مها محمود جديد (1966-2020)، تقولها لكلّ من يشكو ألماً أمامها. وها هي قد برّت بوعدها: لن تكبر، وستبقى فتيّةً إلى الأبد.

قلتُ لها مرّةً: “سأهديك شالاً حين أسافر، تضعينه حول عنقك وتتذكرينني”.

قالت: “سافري. وسوف أتذكرك من دون شال، كما يحلو لي. ذكرياتنا باتت ملكي كما هي ملكك. اطمريها في شال لو أردتِ، أمّا أنا فسوف أتذكرها كما يحلو لي وأهوّيها وأشمّسها من حين لآخر لتبقى نضرة”.

لكنها هي التي غافلتني وسافرت، وها أنا أفتح صندوق الذكريات لأول مرّة بعد رحيلها، أهوّيه وأشمّسه ليبقى نضراً، متلقيّةً رحيلها على أنه فعلٌ مناوئٌ لي شخصياً تقوم به لأول وآخر مرّة في الزمان، فأمدّ لها إصبعي الصغير كما اعتادت أن تمزح قائلةً: “مخاصمتك، ليش عملتي فيي هيك؟”

قلّة من الناس هم الذين يأسرونك من اللقاء الأول. مها جديد من تلك القلّة. عرفتها في أوائل اندلاع الاحتجاجات السورية. في عام 2012، على وجه الدقة. وكانت، هي التي ولدت وشبّت في دمشق، من أوائل الذين نزحوا من بيوتهم هناك، إثر اندلاع الاشتباكات في ضاحية قدسيا، إلى قرية نائية في ريف اللاذقية. التقيتها وقتها وأسرتني في حين لم أَرُقها. سوف تتذكر ذلك مراراً، قائلة: “لأول مرة يخطئ حدسي، حسبتك من “المتلبرلين””، ثم تغرق في الضحك وهي تحاكي طريقة جلوسي وتدخيني اللذين ينمّان عن “شخصية برجوازية” كما دعتها، لكنها ما لبثت أن غيّرت فكرتها عني، بل ما لبثتُ بكلّ شعبيتي الخرقاء أن أطحت لها بها.

أذكر أنني تمعّنتُ وقتها في حديث هذه السيدة العميق، وأنني شعرتُ بحزن عميق إزاء ما اعتبرتُه ـ لم أدر في حينه لماذا ـ زهرةً اقتُلعت من تربتها لتُزرَع في صحراء. تبادلتُ معها أرقام الهواتف، وبعد أسبوع هاتفتها: “أما زلتِ وحيدة؟ ما رأيك أن نلتقي لنضفر وحدتينا؟” وراحت علاقتنا تتنامى بعد ذلك لتتكشّف أمامي تلك الشخصية الآسرة المثقفة النهمة للمعرفة والسينما والموسيقى، تلك الشخصية التي تعيش قناعاتها ومبادئها على مستوى يوميّ بل لحظي بلا هوادة مع نفسها وبكل هوادة حيال ما يختلف فيه الآخرون عنها على هذا الصعيد. وبدا لي منذ ذلك الوقت، وقبل عمل الإغاثة الذي جمعنا إلى الأبد، أنني أمام مسيح أنثى معصوم لا يكاد يخطئ ولا يني يمد يده الحانية يمسح بها على أخطاء خرافه الضالّة بلا كلل أو تردد وهو متجه كالسهم صوب صليبه.

(2)

لعلّ سورياً آخر أو سوريةً أخرى لم يُثر رحيله أو رحيلها الإجماع المهم والعميق الذي أثاره رحيل مها محمود جديد يوم 5 كانون الثاني 2020، بما في ذلك رحيل الفنان حاتم علي الذي أثار لاحقاً إجماعاً عظيماً، إنما ليس على المستوى ذاته من العمق والأهمية لأسباب لا تخفى على أيّ مدقق جدّي.

لعلّ سورياً آخر أو سورية أخرى لم يُرْثَ أو تُرث بالكلمات الصادقة والمعبرة والبليغة التي رُثيت بها مها من قبل أشخاص لم تُعرَف عنهم الكتابة ولا البلاغة من قبل، كما من قبل محترفين.

كانت مها جديد منذ 2012 وحتى رحيلها الفاجع منسقة مشروع إغاثة طارئ ومنسقة مشروع تعليمي للأطفال المتسربين من المدارس جراء الحرب مهولين بجميع المقاييس. وقبل 2011 عملت في مجموعات مناهضة للعولمة، وفي إغاثة اللاجئين العراقيين، وإغاثة اللاجئين اللبنانيين إبّان حرب تموز في عام 2006.

فاجأ وجود مها كثيراً من الذين واللواتي اعتبروا أنَّ سوريا فرغت من المناضلين لحظة غادروا سوريا، هم على وجه التحديد، مع أنَّ أغلبهم كانوا صمّاً بكماً عمياً، على الأقلّ، حين كانوا هنا.

فاجأ ما فعلته مها كثيراً ممن عرفوها وأحبّوها كشخص لكن آراءها السياسية ما كانت لتروق لهم (فهي لم تبرر السلاح، ولا الجيوش “الحرة”، ولا المناطق “الحرة”، ولا الطائفية، ولا استدعاء التدخل الخارجي، ولم تُخفِ انتقاداتها لنخبة إسلاموية ويساروية كفيلة بأن تأخذ 50 ثورة إلى أعمق هاوية)، فأرادوا تصويرها على أنّها أشبه بالأم تيريزا (مفترضين، خطأً، كما أحسب، أنّ مها كانت معجبة بالأم تيريزا)، أو اكتفوا بلملمة ما كتبه عنها آخرون ونشره.

رأت مها منذ بداية الحراك أنَّ العلمانية ثم القيم المدنية والسلمية “كانت للأسف أولى ضحايا الحراك”

ليست غايتي أن أثير، في مناسبة الكتابة عن مها، خلافات لا سياسية ولا سواها مع أحد، لكنّ مها كانت كائناً فكرياً وسياسياً ذا توجّه واضح وناصع ومصيب، وإخفاء ذلك ينتقص لا من قيمتها وحقيقتها فحسب، بل من أهمية فضح أكاذيب عامة لا نهاية لها أريد تسويقها في هذه العشرية الدامية، أكاذيب تبدأ بخلوّ سوريا من المناضلين، وتمرّ بالطائفية واعتبارها أسّ ما يحصل في سوريا، ولا تنتهي بالزعم الكاذب أنّه لم يكن أمام حراك السوريين سوى السلاح وطلب التدخل الخارجي وأنَّ من ليس معهما ليس مع التغيير.

كانت مها كائناً سياسياً وفكرياً بامتياز. وكونها لم تكتب في وسائل التواصل لا يعني أننا لا نعرف آراءها نحن الذين نعرفها، مع أنني لن أشير هنا إلا إلى أشياء يمكن توثيقها. ومعظم ما قيل في مها ركّز، محقّاً، على عملها الإغاثي المهول، وعلى عملها التعليمي الفذّ الذي أعاد إلى المدارس آلاف المتسربين، غير أنّ التوقف عند هذا الحدّ يغمطها حقّها ولا يرتقي إلى مستوى احترام المختلف والإفادة منه في نقد جريء وصريح للذات. وإذا ما كان للسوريين (لا سيما معارضيهم) أن يجمعهم من جديد أيّ شيء فينبغي أن يكون قائماً على الاعتراف بالاختلاف، وعلى الاحترام رغم الاختلاف، على ألا يُفهم من احترام الاختلاف احترام من وقف في صفّ الاستبداد الوحشي أو، بالمقابل، احترام من مارس التحليل الطائفي ونصرة الإرهاب والدعوة للسلاح واستدعاء التدخل الخارجي، بذريعة أنّ ذلك يسرع في إنجاز المهمة، فعدنا قرنين إلى الوراء.

(3)

كان عمل مها الإغاثي والتعليمي (الخالي من أيّ فساد بالمطلق) من ضمن رؤية تجد أنَّ “تكاثر منظمات المجتمع المدني يعمل على تجزئة الأهداف وفصلها عن بعضها بعضاً، بخلاف برامج الأحزاب ورؤاها وبالابتعاد عنها، ما يفتت نضال الناشطين”. وهذه، بالطبع، ليست سياسة فحسب، بل هي أيضاً سياسة من أرفع الأنواع وأنبهها وأجداها.

من ضمن رؤية سياسية رفيعة أيضاً، كان خيار مها أن تبقى في بلدها وبين أهلها، هي التي لم تر والدها المتخفي ثم المنفيّ منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، وكان من أهون الأشياء عليها أن تجمع شملها به وببقية أسرتها وقت تريد. كانت ترد، على الدوام، على السؤال الذي يُوجَّه إليها: من أين أنتِ؟ “أنا من سوريا”. وهذا ما عبّرت عنه بوضوح وحزم بعد معرفتها إقحام طائفتها في بيان من أجل المواطنة: “بغضّ النظر عن مضمون البيان إلا أنني أرفض في الأساس تعريف هويتي بهذه الطريقة مهما كان نبل الدافع … كنتُ وسأبقى متشبثة بمواطنتي السورية الجامعة لنا كلنا على اختلاف مشاربنا الدينية والإثنية والقومية”.

رأت مها منذ بداية الحراك أنَّ العلمانية ثم القيم المدنية والسلمية “كانت للأسف أولى ضحايا الحراك”. ولطالما اشتكت الخذلان من أصدقاء ومعارف وقفوا في صفّ واحد مع “جبهة النصرة”: “يجبروننا على ممارسة التقية الفكرية منذ الآن، عندما ننتقد الحراك، والمصيبة الكبيرة، عندما لا يرونك إلا من خلال انتمائك الطائفي. لو تعرف عدد الأصدقاء العلمانيين واليساريين الذين قدموا هذه الأضحية. ما هو الحيّز الذي سيتبقى لنا بعد انتصار الثورة، إذا لم نتصدَّ، منذ الآن، لأحقيتنا بتكوين تيار مازال يؤمن بالعقل والتقدم والإنسان والعدالة الاجتماعية”.

ومها التي نشأت في بيت هو ذخر للتربية القومية اليسارية، ما كانت فلسطين لتغيب لحظة واحدة عن ذهنها، على الرغم من انشغالها بالمقتلة السورية وتتبّعها أدنى تفاصيلها. كانت تعتبر أن فلسطين بوصلة كل ثورة عادلة وأن الثورات لا تكون ثورات ما لم تأخذ موقفاً معادياً لإسرائيل، ولشدّ ما كان موقفها ناصعاً من التطبيع الجاري بين الحكومات العربية وإسرائيل. وكانت تتهكّم قائلةً: “يظنّون أن التطبيع سوف يحلّ مشاكلهم، لينظروا إلى مصر والأردن … ما الذي حلَّه التطبيع؟”

“كانت فجيعتي كبيرة بكثير من الأصدقاء الذين لم يحكمهم سوى الثأر وحده”، لم تكفّ مها عن الترداد، في تذكير بما نبّه إلى خطورته عبد العزيز الخيّر

وبالمثل، لم تؤمن مها بديمقراطية تأتي على دبابة أميركية. كانت لا تكف عن القول حين تصطدم برأي عبدة أميركا الجدد (وهم في كثير من الأحيان عبدة سابقون لروسيا أو الصين أو الفيتنام أو كوبا): “تعجبكم أمريكا! جاذبيتها واضحة في العراق وأفغانستان … جاذبيتها واضحة في دمار شعوب المنطقة وبلدانها ونهب ثرواتها وإعادة بنائها كطوائف لا كشعوب؟”

مها هي ابنة المناضلين محمود جديد وآسيا جديد، البيت القومي اليساري الذي دفع ثمناً باهظاً منذ سبعينيات القرن العشرين، مطاردةً ونفياً ومحاولات إلغاء، ربما لمجرد أنَّ ثمة نظاماً يخاف حتى من ظلّه. غير أنَّ أحداً ما كان ليلمس لدى مها ولو نأمة تفكير بالثأر أو مسحة حقد، فعلى هذا الصعيد لا مساومة: الهدف هو التغيير الوطني الديمقراطي باتجاه دولة القانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية وبما يتناقض مع الإمبريالية والصهيونية وبوسائل لتحقيق الهدف هي بديل أخلاقي على هذا الطريق، نظيف كأحلامنا وناصع كأفقنا، لا تخفي نظافته ولا نصاعته حجج تبرر نفسها بعنف الواقع وقذارته. “كانت فجيعتي كبيرة بكثير من الأصدقاء الذين لم يحكمهم سوى الثأر وحده”، لم تكفّ مها عن الترداد، في تذكير واضح أشد الوضوح بما نبّه إلى خطورته مناضل من نسيج المناضلين الوطنيين اليساريين نفسه، هو عبد العزيز الخير: “لا تجعلوا كرهكم النظام يفوق حبكم سوريا”.

(4)

كنّا معاً نشاهد مقابلة مع إحدى الناشطات السوريات على قناة “فرانس 24” قالت فيها تلك الناشطة: “فرغت سوريا من كوادرها ولم يتبق فيها مثقفون أو متعلمون، هاجر أغلبهم أو ماتوا”، فما كان من مها إلا أن انبرت: “إذاً، ماذا نفعل هنا جميعاً؟ هل نحن أشباح ونكرات؟” وراحت تعدد أسماء أطباء ومهندسين وشعراء ومثقفين ولا تكاد تتوقف. وفي رسالة لاحقاً في عام 2017 إلى فريقها المشرف على تعليم الأطفال المتسربين من المدارس وإلحاقهم بالمدارس العامة من جديد، كتبت مها من دون تردد ولا خجل كما يمكن أن تكتب شخصية في مسرحية رحبانية: “مين قال سوريا فضيت، سوريا فيها كوادر قررت تصمد … تبني … وتعلّم”. ولم يكن متعمداً ولا غريباً في الوقت ذاته أنَّ هذا الفريق التعليمي، كما الفريق الآخر الإغاثي، ضمّ شباباً من مختلف الإثنيات والأماكن والطوائف، ستكتب لهم مها في تلك الرسالة بمناسبة إعادة دفعة كاملة من الطلاب المتسربين إلى المدارس الحكومية: “الولاد رح يكملوا ويدرسوا ويبنوا سوريتنا الحلوة … حلب درّة المدن رح ترجع أجمل وأعظم مما كانت ورح يتذكروا الولاد أنو آنساتهم كانوا من اللاذقية والسويداء وحمص والشام وإدلب وحلب … المجد للحياة والفرح”.

اعتادت مها أن تستقبل هؤلاء “الولاد” بابتسامة لا تريم وهي تعانقهم وتغني معهم وتشاركهم تفاصيل كل شيء: “تعي … تعي … خدي طاقة إيجابية … شوفي الولاد … شي بيكبّر القلب”. وكان لمها قلب بوسع سوريا، مكّنها من احتضان جميع “أهالينا”، الكلمة التي كانت تطلقها على المُهجَّرين من حلب ودمشق ودير الزور والرقة وريف اللاذقية، لا سيما أطفالهم الذين احتضنتهم بحنان قلّ نظيره. مشروع مها التعليمي الذي كان مفخرة لنا جميعاً، نحن فريقها، سوف يحتفل هذا العام بتخريج أكثر من ألفي طفل وإلحاقهم بالمدارس العامة مع الاستمرار بدعمهم بالدروس الخاصة.

أولت مها معلماتها عناية خاصة، اهتمت بتفاصيل حياتهنّ، شاركتهنّ أفراحهنّ وخيباتهنّ، دافعت عنهنّ. كانت أمّاً للجميع، وهذا ما عبرت عنه إحدى المعلمات وهي تقع فوق ضريح مها مغشياً عليها وهي تصرخ: “يا أمي لوين تركتيني ورحتي؟” أمّا الباقيات فقد انداحت كلماتهنّ حبّاً خالصاً، تقول إحداهن على فيسبوك: “ما خجل الموت لما قرّب صوبك؟ ما استحى من عطائك وحنانك وتفانيك؟ كيف قدر يقرّب بسواده وبشاعته من قلبك الأبيض؟” وامتلأت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بالكلام على “الاكتشاف” الذي اسمه مها، مها التي لم تكد تظهر على وسائل التواصل، وأبت أن أكتب عنها كلمة واحدة وكانت تخجل من أي مديح وترفض أي ظهور. “ليش … شو الشغلة تنافس؟ على شو عم نتنافس؟ على الخراب؟”

قد يحسب بعضهم أن بمقدور أي شخص أن يكون منسّقاً لمشروع إغاثي أو تعليمي إذا ما توفّر التمويل، لكن هذه الفكرة النبيلة تحتاج أشخاصاً نبلاء، وقائداً منظّماً ذا عقل إداري، واسع الأفق، نزيهاً وأصيلاً، يحيّد موقفه السياسي مهما كان أمام العمل الإنساني، وينسى نفسه ويهب عقله وقلبه للعمل. ليس من اليسير قط أن تدير، علاوةً على جمهور “الأولاد” الضخم، نحو سبعين متطوعاً، وتسبغ هذه الصفات عليهم واحداً واحداً؟ أو تختارهم أصلاً بتلك الصفات؟ لقد كان لمها ذلك الحدس الرهيب في اختيار طاقمها الذي جعل الفساد صفراً في مؤسستها، في زمن أثرياء الحرب ولصوص الإغاثة وحرامية الإن جي أوز.

كانت تستقبل يومياً ما لا يقل عن أربعين سيدة مُهجَّرة، رافضةً كلمة “نازحة” لأنها “كلمة عنصرية” في رأيها. كانت تصغي بكل رهافة الملائكة لحكاياتهم، ثم تساعدهم في تأمين احتياجاتهم. “الواقع أقسى من الفن، أيّ فن يمكن أن يصوّر حياة هؤلاء المنكوبين؟!” قالت مها، ثم راحت تقصّ حكاية إحدى مهجّرات الرقة تسكن سطحاً غير مسوَّر لإحدى البنايات، وتقوم بربط أولادها إلى جسدها في الليل خوف أن يستيقظوا ويهووا. “لو مرَّ هذا المشهد في فيلم لما صدقته”، تختم مها.

لم تخفِ مها إعجابها بالمرأة السورية بعيداً عن نسوية من يُدْعَين بالـ”ناشطات”: “المرأة السورية هي التي دفعت ثمن الحرب بغياب الرجال. وبغضّ النظر عن مستواها التعليمي أو الفكري، حملت المرأة السورية أعباء تفوق احتمال أي كائن بشري، وكانت أمثولة في الصبر والتدبّر”.

تمشي مها في الشارع فتستوقفها صرخات النساء والأطفال: “آنسة مها … آنسة مها… آنسة مها”. ومها تردّ على الجميع وتصغي وتحمل حكايا المقهورين والمعذّبين يقظةً ومناماً. سوف يفتقدها كثيرون ممن كانوا مشرّدين قبل أن يلتقوا بها. سوف يفتقدها الأطفال بائعو الزهور، بل وقطط الحديقة الخلفية وأرانبها اللواتي كن ينتظرن إطلالتها من على الشرفة، كما ستفتقدها نباتات لا حصر لها سوف تمضي الشتاء وحيدة وعطشى من دونها.

لا يمكن اختصار مها بـ”منسقة مشروع الإغاثة والمشروع التعليمي الطارئين”، مع أنها على هذا الصعيد لم تكن فرداً، بل مؤسسة. وكان عملها الإغاثي دقيقاً مبرمجاً، كما يليق بمهندسة إلكترون وخبيرة ماكنتوش بالغة التميّز.

كانت تعمل بصمت الناسك، تفرح بكل جوارحها في لحظات الفرح ثم لا تلبث أن تغرق في حزن لا قرار له حين تفشل في تأمين احتياجات فرد أو أسرة من “أهالينا”. تملك حسّاً فكاهياً لطالما حسدتها عليه حين تشرب وتأخذ بإلقاء النكات، كما تملك حسّ اهتمام بكل تفصيل يخصّ حياة أصدقائها، وساعدت الجميع في ترتيب حياتهم في هذا الزمن المستحيل، وكان كلٌّ واحد يعتقد أنه الأثير لديها، لأنها ما كانت لتفرّق في حبها.

ومن أقصى مهاوي التشاؤم في سوريا القبر الواسع كانت تنتزع على نحو يكاد يكون غريباً، بل متناقضاً، حلم سوريا حلوة: “سوريا قبر كبير يسعنا جميعاً، خلونا نموت كلنا هون، اليأس خيانة، لا تدعوا اليأس يدمّر أحلامنا في بناء سوريا حلوة”.

أجل، يا جميلتي، سوريا قبر كبير، لم نستطع بأجيالنا المتعاقبة في أن نحول دون أخذها في هذه الوجهة. سوريا قبر كبير وها قد نزلته، وإلى أن نلتقي سلام عليك يوم ولدتِ ويوم متِّ ويوم يأتي على محاسنك ذكر لن يتوقف أبداً.

وعرٌ هو المرقى إلى الجلجلة

والصخر يا سيزيف ما أثقله.

 
×