لي صديقٌ أستراليّ، التقيته على هامش أحد مهرجانات السينما، يحبّ أن يعرف عن بلادنا. يسألني، وأجيبه، فيغيب عن السمع لثوانٍ، ثمّ يعود إليّ بصوتٍ فيه شيء من الاستغراب وعدم التصديق “?How could this be happening”.

أدهشه مثلاً، أنّ صديقاً لي قد اعتُقل دون تهمة واضحة، وأنّه ظلّ موقوفاً مدّة عامين دون محاكمة، وأنّه مات في سجنه دون أن يجرؤ ذووه على المطالبة بفتح تحقيق يكشف “كيف ولماذا مات الشاب؟”.

أدهشه، أيضاً، أن والدي، الّذي يُمارس الهندسة منذ ثلاثين عاماً، يتقاضى، اليوم، راتباً وقدره 80$ في الشهر الواحد، وأنّ مديراً سابقاً لمؤسسة سينمائية حكومية استمرّ في منصبه أكثر من عشر سنوات.

أقول لصديقي الأستراليّ إنّ لدينا مجمعاً تجارياً، وسطَ العاصمة، ما زال قيد البناء منذ عام 1974، فيتلعثم، ثمّ يغيب لثوانٍ. أظنّه يجري عملية حسابية صغيرة في رأسه، فيستنتج أنّ 45 عاماً انقضت ولمّا ينته بناء المجمّع بعد! يسألني عن السِّمات العمرانية التي تجعلهم يستهلكون أربعة عقودٍ ونصف في بنائه، فأجيبه “في سوريا، لا تخضع الأمور للمنطق الّذي اعتدم عليه، أنتم سكّان العالم الأوّل، فالحياة في بلدي سوريالية بدرجة ما”.

يحاول الفتى أن يتصالح مع هذه الفوضى كلها، لكنْ حين أقول له إنّ الدولة تجاهلت المستشفيات المهدّمة والمدارسَ المُحترقة وكان أوّلُ ما سارعت إلى ترميمه، بعد انتهاء المعارك في حمص، هو جامع خالد بن الوليد، فإنّه يعود ليسألني بمزيدٍ من الدهشة ?How could that happen”.

“لكنّ منتخبكم الأوّل لكرة القدم قويٌّ جدّاً، لقد أحرجتمونا في التصفيات الماضية، كُدتم أن تحرمونا من المشاركة في كأس العالم”، يقول الشاب.

أشرح له أنّ ما حدث كان طفرة، فلا يصدّقني، ويجبرني على أن أدير الحوار معه من زاوية مغايرة:

– تشارلز، قُل لي، ما هي المهنة التي يجب أن يزاولها مدير مدرسة؟

– مممممم… مُدرّس.

– جيّد، عميد المعهد العالي للموسيقى؟

– موسيقيّ.

– رئيس مستشفى؟

– طبيب.

– ممتاز، المسؤول عن الرياضة في البلاد؟

– رياضي.

– حسناً، المسؤول عن الرياضة في بلدي لواءٌ في الجيش.

يتلعثم المسكين مجدداً، ثمّ يصرخ “…How could” ثمّ يصمت.

أقول له إنّنا لا نملك معهداً عالياً للسينما، ولا نملك سينمات، لكنّنا نقيم، سنوياً، مهرجاناً للأفلام القصيرة. يسألني عن شرط العرضِ، فأقول له “لاب توب وبروجكتور رديء، وتجهيزاتٌ تجعل صوتَ الفيلمِ يختفي لثوانٍ ثمّ يعود، كما أنّ الصورة تنقطع بين حينٍ وحين”، وأُضيف “هذا مهرجانٌ تُفاخر به الوزارة المعنية، وتقول إنّه يعبّر عن إرادة الحياة وعن صمودِ الشعبِ وأشياءَ من كاتالوغ الحزب الحاكم”، ثمّ أدعوه لإرسال فيلمه للمشاركة في المسابقة الرسمية، فيشتمني.

خطر في بالي، خلال محادثتنا الماضية، أن أسأله عن “الطيّارة”.

– تشارلز، ما هو شعورك وأن تركب الطائرة؟

– هل تقصد الخوف من الإقلاع؟

– لا لا.. أقصد، مثلاً، بماذا تشعر وأن تغادر بلدَك؟ هل تحزن؟

– لا، فأنا سأنهي رحلتي وأعود إلى ميلبورن..

– طيّب هل تفرح؟

– لماذا يجب عليّ أن أفرح؟

– لأنّ الطيّارة ربّما تعني خلاصك، لأنّها ستقودك إلى الحياة.. عليك أن تفرح لأنك تخرج من مربّع لا قانون فيه، لأنّك تغادر الخراب، لأنّك لن تعيشَ خائفاً من أن يعتقلَك أحدهم إذا لم ترق له ابتسامتك، لأنّك لن تشعر بالعجز وأنت محاطٌ بمنظومة فسادٍ أسطوريّة، لأنّك لن تظنَّ أنّك ابتُليت بهويتك، لأنّك تركت المأساة وراءك وطِرت.

– هذا ما تشعر به حيالَ وطنِك؟

– تشارلز، كيفَ تُريدني أن أشعرَ حيال وطنٍ يحتاجُ إلى 45 عاماً ليُكمل بناء مجمّع تجاري؟

ما إن أُذكّره بمجمع يلبغا الذي ينتصب وسط دمشق، حتى يعاود الصراخ عبر الموبايل: “?How could that happen”.

لا يخطرنّ لأحدٍ أنّني أشوّه صورة البلد أمام الأجانب لا سمح الله! قصدي شريف، فأنا أحاول أن أؤثّر في لا وعي تشارلز، كي أجعله يُنجز فيلماً عن بلدي، وأعتقد أنّني نجحت.

أظنّ أنّه بات يفكّر في صناعة فيلمِ اسمه “هكذا يعيش السوريّون”.

فيلمٌ يندرج تحت تصنيف “الخيال العلميّ الأسود”.

 
×