في مدينة ووهان الصينية، في جامعة “خوبيي”، وضعتْ معلمة اللغة الصينية في يدي ورقةً صغيرةً ثم قالت “هذا هو اسمك”، وغابت في الممر الطويل.

عفواً، أليست هذه البداية مسروقة من قصيدة “جدارية” للراحل محمود درويش، عندما قالت له طبيبة التخدير قبل دخوله غرفة العمليات “هذا هو اسمك. قالت امرأةٌ، وغابت في الممر اللولبي”؟ فما علاقة اسمي الصيني بغرفة العمليات؟

الورقة التي حُقِنتْ في يدي ليست مُخدّراً، وصحتي جيدة، إلا أنها حُقنة ارتباكٍ وخوف. والعملية هنا هي استئصال اسم أصلي وتركيب آخر اصطناعي. كيف لا أخاف ولَديَ صديق اسمه باسل، وفي الصين صار اسمه “بان سي لي”. وصديقي فراس صار “في لا صه”. ولدي صديقٌ آخر اسمه بشار وأصبح صينياً “با شا”. حتى اسم كارل ماركس، الأب الروحي للماوية الصينية، نال اسم “ما كه صه”. وأنا لطالما أحببت اسمي، ولطالما فرحتُ به على هاتف فتاة أحببتها عندما نال طيب الحروف في “ملاذي”، فما هو اسمي الصيني؟

إذا قررتَ الإقامة في الصين فقد توفّق باسمٍ صيني يشابه اسمك تماماً. لاعب المنتخب السوري عمر السّومة مثلاً، نال اسم “سو ما”، أما زميله عمر خريبين، الذي لم يوفق كالسومة باسمه، فصار “خه ره بين” والنون مُدغمة. وصرنا نعرف اسم اللاعب فراس الخطيب بالصينية.

أما الأسماء الصعبة النطق فيتعامل معها الصينيون بشكل غريب ولطيف. الليدي غاغا مثلاً، هل تصدق أن اسمها الصيني “كان مين سو”! لا شبه على الإطلاق بينه وبين السابق. سبب هذه التسمية يعود إلى اشتهارها بألبومات دائمًا ما ستُطلق “قريباً في الأسواق”. وبما أن الليدي غاغا تُعرف باسم (coming soon) في الصين، فقد لُقّبت بهذا الاسم: “كان مين سو”.

لماذا كل هذا؟

ما لا يعرفه البعض عن الصين هو أن اسم هذه البلاد في اللغة الصينية لا يشبه اسمها بالعربية (الصين) ولا حتى في الإنكليزية (China) فالاسم هو “جون ووا” (بلاد الوسط). حتى إن أهل الصين لا يتحدثون لُغةً صينية كما نعتقد، لأن هذه البلاد الشاسعة والواسعة والتي قامت على أسطورة قومية، لم يتوفر لديها لغةً واحدة، كعامل قومي، مثل اللغة العربية مثلاً. إلا أن الصينيين اخترعوا أسطورتهم القومية وآمنوا بها وتوحدوا، ليصبحوا اليوم أصحاب اقتصاد ضخم، ويا حسرتنا نحن العرب.

الصينيون اليوم يتحدثون اللغة المندرينية على اعتبارها لغة غالبية السكان، وعليه تم اعتبارها اللغة الرسمية في الصين، وصارت “اللغة الصينية” التي يتعلمها الأجانب. أما اللغات الصينية غير الرسمية فهي “الوو” و”المينغ” و”اليؤ”. ومع أن أصل اللغات الصينية واحد كما يؤكد الصينيون، إلا أن هذه اللغات لا تنتمي لـ”عائلة لغوية” واحدة كما يقول علماء اللغة، فالخلافات السياسية (الحروب الأهلية) التي عاشتها بلاد الوسط انتجت اختلافات لغوية. إلا أنهم، ولا بد من التكرار، خلقوا أسطورتهم القومية وتوحدوا من جديد تحت لغة رسمية واحدة. لدي صديقة صينية لا تفهم لغة والديها عندما يتشاجران، وأنا لا أنسى التأنيب الذي نلته عندما وشى أحد الزملاء لمعلمتي بأني أتعلم لغة أهل “ووهان” الخاصة، فهذا يُعتبر سلوكاً غير لائق يُذكّر بأيام الحروب الأهلية القديمة ويدعو للتفرقة.

تُعد اللغة الصينية من أشد اللغات مقاومةً للتطور عبر التاريخ. فهي لا تمتلك أبجدية حتى اليوم، بل تمتلك “كاريكترات” أو “خاندزه” كما تسمى في الصينية. أما من حيث التصويت فيلفظ الكاريكتر كمقطع صوتي، وللمقطع الصوتي الواحد أربع نغمات والخامسة محايدة (كما في الجدول أدناه) وكل نغمة تدل على معنى مختلف عن الآخر.

مشكلة الأسماء الأجنبية تكمن في الحروف الساكنة. فاللغة الصينية تعتمد على المقاطع الصوتية، ولولا سكون المقاطع التي تنتهي بـ(ng) كاسم العاصمة (بيي جين) لكانت اللغة الصينية لغة صوتية بالكامل. حرف الميم مثلاً، لا يوجد ساكناً في هذه اللغة (لاحظ الجدول). هو “ما” بأربع نغمات صوتية والخامسة مُحايدة.

والآن، بإمكانك قراءة الأسماء أدناه لتدرك الغياب شبه المطلق للتسكين، فاسم دِمَشْقْ يُلفظ بمقاطعه الصوتية كالآتي: دي ما شه كه.

أخيراً: في الورقة التي حقنتني بها المعلمة، قرأتُ اسمي الصيني: ما لا دزه.

حاذر في لفظه. فالـمقطع الصوتي “ما” يلفظ بنغمة تعني الحصان، والحصان أفضل من القنّب كتسمية.