انحسرت الحرب وانحصرت في الشمال السوري. إذاً، لم تنته حربنا السورية بعد! وعلى اعتبار أن الموت لم يحصدنا مع من حصد، فقد اتفق بعضُنا على أنّنا ما نزال أحياء. وبذلك علينا اقتراف حياة ما. وعلينا أن نضحك. أجل نضحك، لأنّنا أحياء، كما اتفق.

في مقهى النوفرة، بدمشق القديمة، أزحنا فنجاني قهوتنا جانباً، صديقتي وأنا. وبعد حديث طال عن أوضاعنا عامّة، كرّرنا بديهيّات: إسرائيل النازيّة هي اللعنة الكبرى، وفلسطين المحتلّة هي البوصلة، وغير ذلك هراء! ثمّ قلبنا الفنجانيْن، ونحن نضحك. إذ إنّ أيّاً منّا لا تعرف التبصير، وفكّ أحاجي خطوط متداخلة ومخربطة بيضاء وسوداء، يقدّرها لنا كوكبنا ذاته، وبها يرمينا. فحبسناها في فنجانيْن!

تحدّثنا عن الحراكين اللبناني والعراقي. في شوارعهم تضحك شمس من تحت ضباب هرائنا جميعاً. إنّما حشودهم البهيّة تخز عيوننا بغبطة شديدة وخوف أشدّ. الخوف الأشد على لبنان في أكبر حراكاته. نستخدم مفردة “الحراك”، فقد بتنا نتوجّس من كلمة “ثورة”! ونشمئزّ من عبارة “ربيع عربي”!

أقرأ بصوت عالٍ ما يتندّر به على صفحات التواصل الاجتماعي بعض الظرفاء من السوريّين، كتب أحدهم:” لو كان لديّ نقود سورية فائضة أو دولارات، لكنت سافرت إلى لبنان أو العراق وانضممت إلى ثوّارهما، لأطالب بإسقاط وزرائنا السوريّين الأشاوس!” فتنفجر ضحكاتنا مجدّداً، ونرفع قهقهاتِنا، لعلّها تتجاوز سقف الدولار الممعن في العلوّ.

في شارع بدمشق القديمة، أثار فضولنا جمع غفير. كان ثمّة ما ينوف على مئة وخمسين شخصاً، أغلبهم من النساء. وتحت السماء الخريفيّة، حيث لم تعد تفصلها عن رؤوسنا أدخنة الحرب السوداء والغيوم النازفة، توقّفنا. فُتح أحد الأبواب، على عجل، ومن خلفه أطلّ رأس امرأة عجوز، تسأل في اندهاش عفويّ:” شو، عاملين مظاهرة؟” فرشقها الجمع بموجة ضحك عالية. سألَتْ صديقتي، بمرح يخفي توجّساً:” هي مظاهرة نسويّة؟!” أجابت امرأة وهي تضحك:” لا هي نزهة فقط! اتفقنا مجموعات على القيام بها!” أعجبنا الحال، رغم إحساسنا بالخذلان. سرنا معهم، تجذبنا ثرثراتهم المرحة والدور العتيقة العريقة. في باحاتها، على أشجار النارنج، وأصص الحبق والورود، علّقنا ابتسامات شاحبة برداء من ضحك صاخب. ومع اللبلاب تعرشت نظراتنا تتشبّث بالجدران الواقفة.

في باحة بيت المناضل الوطني الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، صاحب العقل المخطط لاندلاع الثورة السوريّة الكبرى (1925)، نخر السؤال والخزي صدورنا مجدّداً: من الذي اغتال هذا العقل؟ أكان التطرف فعلاً؟ أم أنها الخيانة والغدر؟

في العراق يتزايد، يوميّاً، عدد شهداء الشوارع الفائرة! عليك أن تسلم، يا لبنان، فلتسلم!

قبل أن ننفصل عن المتنزّهين، أشار إلينا أحد الرجال، وهمس بابتسامة ناصعة ليقول أنّ الجمع يضمّ انتماءات إلى الطوائف كافّة؛ السنّي والشيعي، الإسماعيلي والعلوي، الدرزي والمسيحي. ثمّ أشار إلى نفسه متابعاً، والملحد أيضاً. علّقت صديقتي مازحة:” جيّد، هي خلطة طوائف مكينة تصلح لإزالة الشعر بلا ألم!” فأجاب مفرقعاً ضحكته:” لا، وأنت الصادقة، هي خلطة تفيد في تنظيف الكولون!” علت ضحكاتنا حتى كادت تلامس سقف… سقف ماذا؟ سقف الدولار؟ سقف الاستغلال؟ سقف الفساد؟ سقف الفاقة والعوز؟ سقف الطوائف والدمار؟ أم سقف الفقد والنقصان!

غادرناهم ومضينا، نتأبّط ضحكاتهم وضحكاتنا، واتجهنا صوب القلعة. بين باب الفراديس وباب الجابية، تقف قلعة دمشق بأبّهتها مثقلة بذكريات أسيادها التاريخيين، من الأيوبيين، الى المحتلّين المغول، ثمّ المماليك، تلاهما العثمانيّون. لم يخطئ القلعة قصفُ الفرنسيين لعجزهم عن إبادة الثوّار والثورة العظيمة. رحل المحتلّون جميعاً، وبقيت القلعة راسخة. تحوّلت في العام 1986 إلى سجن! ثمّ إلى مقصد سياحي. في العام 2012 أُغلقت بسبب الحرب الدائرة. ثمّ أعيد فتحها في العام 2018، مع حديقة بيئيّة صغيرة، تشكّلت قبالتها.

على باب الحديقة المفتوح على مصراعيه، اعترضنا حارسان:” الحديقة مغلقة. ممنوع الدخول!” ننسلّ من خلف ظهريهما. رأينا في المقهى طاولات عديدة تغصّ بالزبائن. حارسان مسطولان. همسنا، وما زلنا نضحك. لم نجلس في المقهى. كنا اشترينا بعض الحاجيّات من المحلّات الأقلّ غلاءً. وأوّل الشهر ليس قريباً!

خرجنا من الحديقة ونحن نضحك عالياً، أعلى من سقف سوق الحميدية المقبيّ، وأعلى من مئذنة الجامع الأموي. لكنّنا لم نصل سقف الدولار. كل الحق عليه! فالسوريّون يجيدون ضحكاً أبيض. السوريّون جميعهم، بتصنيفاتهم النافرة التي نبشتها الحرب اللئيمة من الظلال والسواتر، لتلعب بها لعبتها القذرة.

قلتُ: “وأخيراً، أدرك الشعبان في لبنان والعراق أنّهم أكلوا “كمّ مرتّب!” من قبل حكّامهم من رجال السياسة ورجال الدين!” قالت صديقتي: “أن تصل متأخراً خير من ألّا تصل أبداً!” إنّما أجّجت شوارعهم فينا خزينا السوريّ، عارنا، وقهرنا القاتل! تدلقه علينا معاصر معارضة هزيلة، والأصح معارضات متشرذمة، حرثت الشوارع وزرعتها ببذور فاسدة، جاهلة حاقدة ومتواطئة. هم مجرّد باعة وعبدة للدولار والمناصب، حتّى أنّهم أثاروا ضجر أسيادهم وداعميهم واحتقارهم! في شوارع السودان المنتصرة مؤخراً، كان ثمّة الجنجويد! وفي العراق يتزايد، يوميّاً، عدد شهداء الشوارع الفائرة! عليك أن تسلم، يا لبنان، فلتسلم!

نمضي قدماً في حيّ القيمريّة، تحكي صديقتي كيف أنّهم، في حارتها، قطعوا الأشجار اليافعة التي زرعها بعض الملتاثين بحلم ما، في حيّز صغير ممّا كان يدعى غوطة. رُدم نهر وجداول، أبيد الاخضرار، لزرع أبنية ودكاكين وشوارع. واليوم ما إن كبرت الأشجار ونمت مثل أترابها من أطفال الحي، حتى قطعت لحفر بئر ماء يغّذي الأبنية العتيدة! “شيزوفرينيا وطنية بامتياز” سخرت صديقتي.

قبل أن نصل ساحة باب توما، حكيت لها عن جيراني. أب وأم يتوسّلان إلى وحيدهم، كي لا يرحل. هو في الثلاثين، وقد غزا الشيبُ واليأسُ رأسه. يكوّم شهاداته الجامعية؛ بكالوريوس في الهندسة المعلوماتية، ماجستير، وسنتين في الدكتوراه. سيرحل إلى شتات الأرض بعيداً. فقد عجز عن فرمتة البلاد، وعن فكّ شيفرات أعطابها الشيزوفرينية العصيّة.

في السرفيس المتجه إلى مدينتنا، فزنا بمقعدين، فضحكنا. مدينتنا، هي إحدى مقابر الغوطة، المنثورة في القصائد والخرائط البائدة. فيها تمتدّ اليوم شوارع خربة، يوحّلها الشتاء ويطيّنها الفساد. ويتكدّس الفقر في ظلال الأبنية والدكاكين والمولات المتناسلة بعشوائيّة. من أين يأتون بالأموال، هؤلاء البنّاؤون السوريّون؟

وصلنا مدينتنا، كانت الكهرباء مقطوعة. لن نتابع أخبار الشوارع العراقيّة واللبنانية حتى وقت متأخر. أضواء مولّدات كهربائيّة تمزّقّ بعض العتم، وترمي بتخبّط خطوطاً سوداء وبيضاء متداخلة ومخربطة على ظلال الأجساد العابرة.

قبل أن نفترق في الأزقّة والعتمة، تواعدنا للقاء في نهار ضحك طويل آخر. لا بدّ سنضحك فيه كثيراً. فيوماً ما في شبه حياتنا هذه، قد تعلو ضحكاتنا سقف الدولار، وسقوف آلامنا كلّها!

 
×