“ماما ليش بتحبي سوريا، مع أنو فيها حرب وقذائف و صواريخ، والناس عم تموت…”
باغتني سؤالٌ كبير لصغيري ذي الستة أعوام. لماذا أحب سوريا؟ لم أجد جواباً على مقاسِ عقلِ طفلي.
تذكّرت جملة قرأتها في كتاب “ما أعلمه علم اليقين”، للإعلامية الأميركية الشهيرة أوبرا وينفري، تقول فيها “إنك عندما تدعو أحداً إلى بيتك فإنك تدعوه إلى روحك”، هكذا هي حالتي مع سوريا.
إنها المتّسع الّذي أتجوّل فيه بحريّة دون عناء استخدام الـ”جي بي إس”. بالمناسبة، لكلّ شيء في أميركا “جي بي إس”، الطرقات والساكنون والبنوك، جميعهم مؤتمتون ولهم خرائط جامدة.

ولد طفلي في أميركا قبل بدء الحرب السورية بعام واحد، ويكبر هنا، حيث للوطن معنى آخر، لكنه يواظب على زيارة سوريا مرة في السنة. هكذا يتنقّل بين عالمين اثنين.
ستون يوماً يقضيها في اللعب مع أطفال الضيعة، حيث يضطر إلى استذكار لهجة أخرى، لم أنجح في جعله يعتاد عليها حتّى في نطاق العائلة، لكنّه يبدو، على الرغم من ذلك، قادراً على التواصل مع عموم الصبية من حوله. الأولاد يثبتون، دائماً، أنّهم أكثر ذكاءً مما نعتقد.

ستّون يوماً في عالم لطالما قلت إنّه “سعادة غير مدفوعة الثمن مسبقاً” و”فرح مجاني يمكن صناعته بحجارة الطريق وأغصان الشجر وكرة على شكل علبة كولا فارغة”.
في المقابل، هناك عالمٌ آخر في أميركا. الطفولة فيه لا تعدو كونها ساعات طويلة على “الآي باد” والألعاب الإكترونية والنشاطات المجدولة مدفوعة الثمن.

ذات مرة رأى صغيري هنا جنديا أميركيا يرتدي بدلة المارينز في الشارع، فسألني “ماما هادا جندي سوري؟”. انعقد لساني مجدداً.

في مخيلة ابني مشاهد جميلةٌ عن سوريا، لكن للحرب حصتها في الذاكرة أيضاً.
كنا في دمشق قبل ثلاثة أعوام نقضي إجازة الصيف، وفي إحدى الليالي، اشتد القصف من منطقة جوبر المتاخمة لحينا.
كلما اقترب الصوت، كان الصبيّ يندثر تحت السرير هارباً.
وددت في ذلك اليوم أن أروي له حادثة حصلت معي عندما كنت في مثل سنّه:
في أواخر أحداث الثمانينيات مع “الإخوان المسلمين”، استقليت باص “الهوب هوب” إلى قريتي في محافظة حماه برفقة خالتي. وقبل انطلاق الباص من كراجات العباسيين، المتاخمة لجوبر أيضاً، اشتريت، وبخمس ليرات فقط، بعض البسكويت و علبة عصير “البونجوسة”، لا لأشربها، بل لأمارس هوايتي في نفخها وتفجيرها حين تفرغ.

بعد انطلاق الباص بحوالي ساعة، تحينت فرصة نوم غالبية الركاب وتوجهت إلى مؤخرة الحافلة. نقخت العبوة الفارغة، ثمّ رميتها أرضاً، ودهستها بكلّ ما أوتيت من عزمٍ فانفجرت وصدر عنها دويٌ أفزع الرّكاب كلهم!
تعالى الصراخ وجنّ جنون المسافرين الّذين اعتقدوا أنّ انفجاراً ما قد وقع، فالانفجارات كانت حدثاً رائجاً حينها!
بعضهم ابتسم حين تنبّه إلى المصدر الحقيقيّ للصوت، والبعضُ الآخر راح يتمتم شاتماً.

كانت هذه الحادثة بداية فهمي لمعنى “التفجير”. إنها المرة الأولى التي رأيت فيها هذا الكم من الخوف في عيون الناس. أذكر الواقعة، اليوم، وقد شاهدت في حربِ السنوات الماضية ما يثبت أنّ “التفجير” أبعدُ ما يمكن عن مزحة طفلٍ في باص “هوب هوب”.
على فكرة، هناك صوتٌ حالمٌ يردّد في رأسي على الدوام: وصلةً للراحل نصري شمس الدّين من مسرحية بيترا “برجى كأنّي طفل.. أحلم وأتمنّى.. يصير هلق متل ما كنّا.. نلعب ونعمل حرب.. ونربح وما ينقص حدا منّا”.ذات مرة رأى صغيري هنا جنديا أميركيا يرتدي بدلة المارينز في الشارع، فسألني “ماما هادا جندي سوري؟”. انعقد لساني مجدداً.
ماذا عساي أن أجيب؟
كيف أشرح له أنّ هذا الجنديّ أميركيّ، ويقاتل جنوداً سوريين، هناك في بلدي، بلدي أنا.
كيف أقول له إنّ بلدَك كان أحد المتسبّبين بدمار بلدِ أمّك؟ انعقد لساني. هكذا فقط.

قد يختار طفلي يوماً أن ينتسب للجيش الأميركي. هذه الفكرة تؤرّقني. لا أودّ أن أشاهده في ثياب المارينز، لكنّني قد أعجز عن لجمه. هو يعيش اليوم بين عالمين مختلفين. لستُ أدري إلى أيّ منهما سوف ينتمي مستقبلاً. ربّما ينتمي إليهما معاً بطريقة ما.
وإلى ذلك الحين، سأظلّ أغنّي له “برجى كأني طفل… أحلم وأتمنّى… يصير هلأ متل ما كنّا… نلعب ونعمل حرب.. نربح وما ينقص حدا منّا”.