“ما كان ناقصنا غير الكورونا!” اندلقت هذه العبارة من أعماقنا السوريّة المتعبة، نحن من تبقّى من الشعب المعثّر، فور سماعنا الإعلان الرسمي. لقد حلّت “الكورونا” على أرضنا اليباب.

همس بعض الخبثاء من المعثّرين، وهم يقسمون بمعدات أطفالهم الملتصقة بظهورهم، يؤكدون صدقهم، ثمّ يشيرون بسبّاباتهم إلى فوق: “يقولون: وأخيراً، جاء الحلّ.” قولٌ يصلح لكتابة قصيدة يستلهمها شاعر سوريّ شرّير من كفافيس اليونانيّ الخبيث!

نعم، “الكورونا” شكل من أشكال الحلّ “لمن هم فوق”!

وإذاً، طالنا شعار المرحلة العالميّ: “خلّيك بالبيت”، فـ” انْخلّينا بالبيت”. إنّه الحجر الكونيّ الضخم.

خلال الحرب، لم نكن نثق بالبيت. تبتلع الحرب سقوف الأمان كلّها.

تطوّر حجرنا، استطال وضاق. وفي ليلنا السوريّ المديد، الضيق يختلف.

بين السادسة صباحاً والسادسة مساء، لنا الخارج لشراء الحاجيّات. خلا الجمعة والسبت، فيهما يتوقّف خروجنا عند منتصف النهارين. أيّ غمّ لن يفيض. أيّام الأسبوع تتماثل في ضجر!

خلال الحرب والمعارك في جهات المدينة الثلاث، كنت مشّاءة مسائيّة بامتياز. عرفتني الشوارع والأزقّة، الأحياء شبه الراقية والحارات الشعبيّة. وبدوري، عرفت جهات جرمانا الأربع، في فصولها الأربعة.

جرمانا المدينة المحدثة، كانت إحدى قرى غوطة دمشق الشرقيّة. المكان المتسع لوجوه الله المُتخيَّلَة العديدة. الحضن الوسيع لألوان البشَرات المختلفة، للمقاصد والطبائع والأهواء المتنوّعة، للفاعلين والعاطلين، للمجدّين والكسالى، للأخيار والأشرار، وللجيوب العامرة وشبه الفارغة والخاوية. جرمانا الزحام والتلوّث، والغبار الفائر من الطرقات الترابيّة وإسفلت الشوارع الخرب، وقت الصحو، وحين المطر، هي مغاطس الطين والوحول. جرمانا المحلّات التجاريّة المتكاثرة، الأبنية المكتظّة، والشقق المؤجّرة على العظم، تستر فتحاتها أقمشةٌ مغبَرّة، أكياس نايلون، أو أوراق صحف تعجّ بأحبار الناطقين المزعومين باسم المعثّرين، والمتشدّقين بالدفاع عن حقوق المواطن وكرامته! تجانب إعلانات التجّار والسماسرة واللصوص من رسميّين وعامّة، ومحدثيّ نعمة/ تجّار الحرب، تعلن عن إبداعاتهم في تعميق أغوار القاع للفقراء في سقوطهم الرهيب المستدام. جرمانا المثقلة بظلال الحرب، بأوزار نتف القانون المزاجيّ، وبحاويات قمامة داشرة أغلب الأوقات، يعربش عليها، ويلتفّ حولها، أطفالٌ وشبّانٌ وشيبٌ؛ ذكوراً وإناثاً.

الوقت كورونا! إذاً، عليّ المشي تحت السماء النهاريّة. أتدفّق في حنايا المدينة. السوق الرئيسيّ شبه مقفرة. أبواب المحلّات غير المختصّة بالأغذية والوجبات السريعة ومواد التنظيف، والصيدليّات، مغلقة. الأرصفة الضيّقة التي كنت غالباً ما أتجنّبها، باتت رحبة لخطواتي. بدأ الخواء يطوف في الشارع الطويل. فرغت دوّارات الساحات من عمّال اليوميّات: عتّالون، مزارعون، حفّارون، بطنجيّة، وغيرهم. الكمامات الواقية شرعت تظهر على بعض الوجوه القليلة العابرة.

أقصد الرصيف المطرّز عادة بنساء من السوريّات، أجمل نساء الأرض؛ نساء الغوطة. أنفاسي الشكّاكة تسبقني، لملاقاة بيّاعات السبانخ والخس والنعناع والكزبرة والبقدونس، وغيرها من خيرات الغوطة. أولاء اللواتي كنت ألوذ بهنّ، في صباحات الحرب السوداء، ليدلقن في أغواري اليابسة دلاءّ عامرة بالاخضرار البهيّ. على مسافة من أمكنتهنّ. ترتعش أصابعي في العدّ. سرعان ما طال الخوف من “الكورونا” ألواناً كثيرة في اللوحة الأسطوريّة. اللوحة التي ظلّت خلال الحرب، تطفح بالبائعات الكثيرات، بأياديهنّ الخضراء الممدودة، وعيونهنّ المحمرّة تعباً، ووجوههنّ اليانعة بإصرار، تحاولن باستماتة عدم النقصان، آمنات في حذر مضطرب. النزيف الأحمر كان يطلس، أحياناً، كثيراً من تفاصيلها ويطمسها. اليوم، اللوحة ناقصة. تتقاسمها تبعات الحرب الآثمة و”الكورونا” القاتل، من دون قتل ضاجّ أو موت وموات صاخبيْن.

أتصل بصديقاتي وأصدقائي في جرمانا. أعلن خيانتي لهم! كنّا اتفقنا على البقاء معاً، لقد غلب “كورونا” بالغ الصغر الحربَ بالغة الضخامة، في تقطيع لقاءاتنا

في النهار التالي، يباغتني الهواء ويغمرني حانياً، ألقاه لأوّل مرّة. كفّت سموم الحضارة والتصنيع عن التنفّس، فتنفّست روحي. غير أنّني أنتبه! فهذا الهواء النقيّ هو الآخر قاتل، إنّما من دون عمد أو ترصّد. فمعه توقّفت جباه العاملين والعاملات المياومين عن ذرف رغيف الخبز لأفواه وأرانب غفيرة. ونضب أمل أصحاب الدخل المحدود الهزيل في جريانهم لتأمين حياة ممكنة لعوائلهم. نقاء الهواء المشتهى الشهيّ قاتل أمراضنا، إزاء نقاء جيوب الفقراء زاهق أنفاسهم وقاتلهم! معادلة مرعبة!

حسناً، نبعد التفكير بأيّة مؤامرة، وبأيّة قيامة، فقد حدث الفيروس القاتل وانقضى الأمر. ولنسلّم بأنّه فيروس قاتل عادل، وها هو يطال البشر كافّة، لأنّه محايد، فهو ليس عنصريّاً أو طبقيّاً، لا دينيّاً أو طائفيّاً، لا قوميّاً أو إثنيّاً، لا بطريركيّاً ذكوريّاً أو نسويّاً متطرّفاً. يشبه الطبيعة والموت. ولكونه جزءاً من الطبيعة المجروحة الموجوعة، فهل كان عليه القدوم أخيراً لتطهير هذه الأرض من الأوزار الباهظة ولأدران الفاحشة، صنيعة جبابرة الشرّ والجور، المتحكّمين بمصائر البشر، بالطبيعة، والسموات؟ إنّما في أيّ ذنب يصيب هذا الفيروس ضحاياهم؛ الطيبين والأخيار، الفقراء والمحتاجين؟ متى سيتوقّف قتل هؤلاء؟ عبث مدد! كان ذلك آخر ما تحدّثنا به، صديقتي وأنا، قبل خروجها العاجل من عندي، توادعنا واثقتان من أنّنا سنلتقي قريباً. الساعة تقارب السادسة مساء.

أغلق الباب، وأهاتف صديقي السوريّ الذي يخيّم على الحدود التركيّة اليونانيّة أملاً بالوصول إلى الحياة في أوروبا. ابتسمت غصّتي لخبر عودته، إلى اسطنبول، حاضناً طفلته. لم يكن “كورونا” سبب رجوعه عن قراره، إنّما هو تكالب حرّاس الحدود وسفالتهم الشرسة. جيّد أن اختار صديقي أحلى المرارتيْن. ولكنْ، أي المرّيْن سيختار شمالنا الدامي حيث انحسرت الحرب، وجنوبنا الحزين؟

أتصل بصديقاتي وأصدقائي في جرمانا. أعلن خيانتي لهم! كنّا اتفقنا على البقاء معاً، وعلى لقاءاتنا رغم شحّها. لقد غلب “كورونا” بالغ الصغر الحربَ بالغة الضخامة، في تقطيع لقاءاتنا، وحرماننا السهر والسمر.

أخبرتهم بقراري المفاجئ في السفر، زجّني إليه قلق ثخين متبادل بيني وبين العائلة في ضيعتي البعيدة. انشطر قلبي نصفين! ضحك أصدقائي باطمئنان لخيانتي. وصمّمنا جميعاً على النجاة، واللقاءات القريبة.

أوضّب حقيبتي، متخفّفة من الإحساس بالذنب. الإحساس الذي نفثته الحرب فيّ، كان يفتك بأيّ قرار لمغادرتي دمشق كلّها، من غير داع قاهر. إحساسي بالعجز يختلف. اليوم، عجزي نقيّ، غير مخز، ألقي به على كاهل العالم المتحضّر المتعالي هنا، والمتغطرس هناك، وعلى عجزه المخزي حدّ العار.

هواء الضيعة نقيّ. لا يلزمني التعقيم المضني في جرمانا. أنهمر في البريّة. الربيع فاخر. سأحقن به شراييني الواجفة. أصطدم بلوح زجاجيّ شفّاف. تتزجّج مشاعري. أوغل في السير، بين الأشجار والأعشاب والزهور. تهاجمني الروائح المسكرة وتقتحمني. وشيئاً فشيئاً، تُهشّمُ اللوح الزجاجي. يرتجّ داخلي وينخبط. وفي أذني، تنسلّ وشوشة واثقة واخزة:

“أنا هنا! الطبيعة الأزليّة الأبديّة، الجبروت والرحمة والمغفرة، الجمال والبهاء والكرم، الغضب والتسامح، الصبر والإمهال والانتقام. الحياة والموت. أنا الحقيقة المطلقة!” يا للسخرية المرّة المبرّرة! يا للغرور المحقّ! يا للحقيقة!

في ضيعتي، ثمّة أيضاً ضيق وعوز. قلق. رعب. وهلع. وأمام العيون الذاهلة، يتسمّر السؤال: “إلى متى سندوم في هذا المجهول؟”. يتساءلون على وقع الأمنية العالميّة: “متى سنعود إلى حياتنا الطبيعيّة؟”

ونحن السوريّين، أيّة حياة نرجو العودة إليها؟ حياتنا قبل “كورونا”، في الحرب؟ أم تلك الحياة التي شهدنا وكابدنا مريراً في سيرها الصفيق بنا، وصولاً إلى هذا اليباب؟

كم عمراً يلزم السوريّ ليعرف ماهية الحياة الطبيعيّة، ويعيشها؟

على كلّ حال، لا أؤمن بغير العلم. يردّد العلماء والمفكّرون: “ما بعد كورونا ليس مثل ما قبله”.

سأعود إلى جرمانا بعد الحجر. سأجوب حناياها، سألتقي بوجوه الناس الطيبين، وألقي السلام على الذين أعرفهم وعلى من لا أعرف. سأصير مشّاءة الأوقات كلّها. سأجتمع بأصدقائي وصديقاتي. سنتصافح، ونتعانق طويلاً. نسهر طويلاً، ونتأمّل مآلَنا المُنتظر وقد انبثق من هذا المجهول. نقرع كؤوسنا أملاً. لعلّنا ذات يوم، فيما تبقّى من أعمارنا، سنقول ضاحكين:

“وأخيراً، عشناها!”.

 
×