انفكّ الحجْر الكوروني بقرار رسميّ. فانفلتنا ثانيةً من جحورنا، تحت الشمس والقمر، والنجوم، وهي ترصد الحرب المنحسرة الآن.

انفكّ الحجر، والتأمت أوصال المدائن، مثل عشّاقٍ بعد هجران. فأعود إلى دمشق. وما إن لمحتني حتّى فتحت لي ذراعيها. تعانقنا طويلاً، كما كنّا نفعل طول فترة الحرب، وقت كنت أغادرها لأسباب اضطراريّة. دلقنا أشواقنا وثرثراتنا إلى أن طلع الفجر من أفواه العصافير تزقزق كرنفالها على شجرة كينا قديمة، استعداداً لانطلاقها في سربها الضخم، لتجلب الشمس!

في العودة إلى دمشق، تتجدّد الشمس. شمسٌ لا تشبه أمسها، وقمرٌ متفرّد، قُدّ من كريستال نفيس.

بلى أتذكّر دمشق. تعصى دمشق على النسيان. أراها نصب عينيّ كما أرى الحرب، وكورونا وقانون قيصر! وما تبقّى في ذاكرتي مجرّدُ خردوات متبعثرة.

أصوات الباعة الصاخبة، وضجيج الجيران، تطيّر منّي صورة دمشق وثرثرتنا، وتمحو الشمس والقمر والعصافير وشجرة الكينا. في استيقاظي، أنتبه إلى أنّني في جرمانا، مدينتي في غوطة دمشق الشرقيّة.

يقول أبي للطبيب: “بدأت حالتها هذه في أوّل الحرب!” حالة من يقصد أبي؟ ألتفت صوبه لأستفسر عمّن يتحدّث. أرجرج رأسي. أرجرج الذاكرة. أبي مات منذ زمن بعيد. متأكّدة أنّني سمعت صوته!

أردّد ثانية وسابعة: حرب + كورونا + قانون قيصر! متلازمات ثلاث. لا أحبّ الرقم ثلاثة. وأكره المثلثات، مثلّثاتنا. ترعبني رؤوسها الحادّة المشرئبّة إلى أعلى. وتقهرني قواعدها، في الأسفل. مثلثّنا السوريّ جُرّد من قائمتيه!

حرب + كورونا + قانون قيصر! ماذا يساوي يا دكتور؟! طبيبي لا يعرف هو الآخر. مسألة غريبة، عجيبة. يقول لي:” ورغم ذلك، علينا أن ننظر إلى نصف الكأس الملآن!” ” لكنّ مثلّثنا برأس بعيد جدّاً، وبقائمتين ممحوّتيْن” يجيبني الطبيب بلهجة حازمة:” إنّما لدينا كؤوسنا والماء!”.

أعرف ما يقوله الطبّ النفسي عن التركيز الدائم في نصف الكأس الفارغ، فقد يصاب صاحبه بالخرف أو بالالزهايمر! “حسنٌ! أعدك سأحاول!” انتزعت كلماتي الثلاث من ثالوث المسألة: حرب + كورونا + قانون قيصر=؟ ثمّ خرجت من العيادة، للبحث عمّا تبقّى من كؤوسنا التي تتكسّر وتتشظّى، منذ أوّل الحرب!.

في الشوارع والأزقّة، الصدمة تجثم في العيون، والذهول لا يني يبقّع الوجوه، وييبّس الأنفاس. لا متّسع لديهم للخوف من كورونا. لا كمامات واقية على الأنوف والأفواه، يتوسّلون هواء وخبزاً. الأسعار تنفجر بلا أيّة هدنة. المحلّات عادت تُغلق مجدّداً. والرواتب الضحلة تذوب في سلع لا تكفي أود ثلاثة أيّام. خبزنا لم يعد كفاف يومنا. وقانوننا العادل يقبع في مغيبه. وكما في وقت الحرب، ووقت كورونا، كذلك وقت قانون قيصر، أرضنا ناصعة العار!

بقي لي أن أنظر في السماء، لأتلقّى جواباً ما. على عجل، ترشقني السماء بسؤالي العاجز، ترميه في وجهي؛ ألّا أعيد السؤال. لن أزعج الله ثانية! فقد أكون أيقظته في لحظة رعناء!

أفكّر في أن أكفّر عن تجديفي بإطعام جائعٍ أو تحرير رقبة؟ الرّقاب ما تزال مطموسة في ديجورها القصيّ. والجوعى يتكاثرون في ازدحامهم حول حاويات القمامة وفيها. وإذاً، لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها. فلأطعم جائعاً سندويشة فلافل.

أغوص بين الناس. ففي الناس المسرّة، وفيهم الشجاعة أيضاً. في الشارع، صادفت أبا عامر جاري الخمسيني، ابتسمت له أحيّيه. في جمود، أجابني:” أنت مخطئة، يا أختي! لست أبا عامر!” ألتفت مصعوقة إلى عامر اليافع يمسك بذراعه، في عينيه يترقرق أسىً.

في الشوارع والأزقّة، الصدمة تجثم في العيون، والذهول لا يني يبقّع الوجوه، وييبّس الأنفاس. لا متّسع لديهم للخوف من كورونا. لا كمّامات واقية على الأنوف والأفواه، يتوسّلون هواء وخبزاً

أمس، كان من المفترض أن يزورني أحد أصدقائي بعد بعادنا الكوروني، حدّدنا الموعد، الساعة السابعة. وفي الساعة المحدّدة، خرجت من البيت. نسيت الموعد تماماً! أيّ خطأ شائن ارتكبت؟ وما يقوله اعتذاري لصديقي؟ في الصباح، اتصل بي صديقي ذاته يعتذر بشدّة لفعله المعيب، وهو يقسم صادقاً أنّه لا يعرف كيف غاب موعدنا أمس عن ذهنه تماماً. إذاً هو لم يأت! ألتفت إلى نصف الكأس الملآن، وأضحك. تحرّرت من واحد من ذنوبي. لقد فزت!

على الطاولة أمامي أضع الكأس، وأحدّق بالماء الذي ينتصفه. أُباغَتُ بأمّي، تعبرني وتخرج إلى الشرفة. أهرع إليها، تَعلقُ عينيّ على زهرة الغاردينيا الوليدة الأخيرة. أصرخ لها ألّا تذبل! ألّا ترحل عنّي! معاً نقضي وقتاً أبيض. وقتاً ضئيلاً أتشبّث به، بعدما انفرطت تكّاته مع الزهرات السابقات، ذبلت وسقطت تحت أمّها. وأنا ما أزال واقفة. تجول الخردوات في رأسي وتصول. أتذكّر! لقد رحلت أمّي منذ ثلاث سنوات!

أعود إلى الكأس أستجديه تركيزي وذاكرتي المكتملة! فوقتنا عسير، واستيعابنا ضامر. أتساءل ماذا لو أنّ أمّي ما زالت تعيش؟ ماذا لو أنّني وإخوتي نصرخ آلامها أمام الصيدليّات شبه الفارغة والأخرى المغلقة! ماذا لو أنّنا نعوّلُ فقر دمها أمام الأسعار العصيّة؟ ماذا لو استحالت وجباتها بسبب الغاز الضائع؟ أو قرضَ الصقيع أطراف قلبها وسط فقدان الوقود والكهرباء؟! وإذاً، ماذا عنّا، نحن الأحياء؟! ماذا عن حليب الأطفال، أدويتهم؟ دفئهم؟ كتبهم؟ دفاترهم؟ وماذا عن ضحكاتهم؟

“عليكم السلام والرحمة، عليكم النعمة والغبطة، أيّها الموتى!” نقطة إيجابيّة أخرى لصالحي! لن أحزن ثانية على من فقدت! ها قد فزت، يا نصف الكأس الملآن!

ياه! نسيت طفلي؟ ينام منذ الصباح! لن أجد له حليباً. أسمع صراخه. أهرع إليه. صوته يعلو! جائع هو! غير أنّ صراخه يخرج من الغرفة ويبتعد، ثمّ يعود ثانية عبر النافذة المشرعة. يخفت. يسكت. يأتيني صوت الجارة تهدهده! أجلس على طرف السرير، أمسك برأسي والخردوات تتلاطم فيه. كان ذاك صوت طفل الجيران! أين طفلي؟

أخرج إلى شرفتي في هلع. وعلى الفور، ألتقط لزهرة الغاردينيا الأخيرة عشرات الصور! ستتكاثر خلف الشاشة، سأجمّد وقتنا الأبيض، أستبقيه. وقتنا الذي سيصير بلا رائحة هو الآخر، كحياتنا السوريّة. في رأسي تنتفض خردة. ليس لي أطفال! وأصلاً، أنا لست متزوّجة!

أخبار حجورنا الثلاثة لا يتوقّف نعيبها، منذ عشر سنوات: قُتلوا في الحرب! انتحروا في كورونا! وانفجرت قلوبهم وأدمغتهم مع قانون قيصر! آباء وأمّهات، شباب وشابّات! المسرّة ترتجف فيهم، والشجاعة ترتعد بين الحداءات السوريّة الهائلة!

نحن هنا، على أرضنا الضيّقة، نتبادل رنين الهواتف، وقرع الأبواب، وحنوّ السؤال، نتبادل دثار عجزنا: “كيف أحوالكم؟ أتحتاجون شيئاً؟!” حسنٌ، يا كأسي نصف الملآن، المسرّة والشجاعة ما تزالان بقيافتهما الفاخرة فيمن تبقّى بيننا، وفيما تبقّى من بأس يأسنا!

نحن هنا، في قاعدة مثلّثنا السوريّ منزوع القائمتين، لا ننظر في الرأس الموغل في علوّه، ولا الرأس ينظر فينا. شاسعةٌ هي المسافة بيننا! نحتاج نظّارات جديدة، والنظّارات عصيّة، مصانعها أغلقت على آلاتها المعطوبة. لا استيراد أو تصدير يخفقان في حدودنا المحرّمة على الكوْن!

ما دام ثمّة قاعدة فلا بأس! على القاعدة نتمدّد في عزلتنا وعرائنا، في عزاءاتنا والمواساة، نحكي لبعضنا حكايات الانتظار المحقونة بسخرية كالحة، ونقرع كؤوسنا الملآنة حتّى المنتصف. فيقهقه ذهولنا، يضحك رعبنا، ويرقص سؤالنا العاقر! فوز إضافيّ أستحقّه، يا نصف كأسي الملآن!

الليلة، سأنام باكراً مع بقيّتنا في القاعدة. عليّ تناول الدواء. وصف لي طبيبي النفسيّ Zolosyr 100 عياره أثقل ممّا أتناوله عادة. هذا الدواء الذي يتناوله أغلبنا، هو الآخر مفقود. ما زال لديّ ستّ حبّات من عيار 50 سأتناول حبّتين منها لأيّام ثلاثة!

أبتلعُ الحبّتين وأشرب نصف الكأس الملآن بالماء. ثمّ أتمدّد بجانب بقيّتنا، نلتحف الخواءَ.. ونتوسّد اللّا يقين.

 
×