“هل ما زالت شهوة الكتابة أكبر من فعلها”؟

يسألني رئيس التحرير، فأعترف له بأنّ جملة مثل “كما كلّ شيء شهوة الكتابة أكبر من فعلها” لم تكن إلاّ إحدى طرق الطالبة الأكسل في الصّف للتهرّب من واجباتها.

يظنّني أمزح، لكن لم أكن أفعل. لطالما كان هذا الشعور رفيقي في حياتي، على الرغم من النجاحات التي نلتها، فدائماً ما كنت أنظر إليها بعينٍ غير راضية. كان على الجهد أن يكون أكبر، وكنت أقرّع نفسي، بينما أراقب كيف انسلّ العُمر خلسةً بين “الديد لاينز”.

اليوم كان امتحان اللغة العربية للشهادة الثانوية في سوريا، استعدتُ تلك الأيام التي تحفر في حياة الطالب السوري ندوباً عميقة لا تنردم. أكاد لا أعرف شخصاً تخلّص من كوابيس الذهاب إلى الامتحان حافياً، أو أنّ المنبه خذله وسرق سنةً من عمره، وكأنّ السنوات التالية لن تكون منهوبةً على كلّ الأحوال، من قبل كائنات ليست بإخلاص المنبّه.

لن أتذكر الآن أن “أحسن الوقت للهوى تشرين[1]”، ففي تلك الأيام كانت كلّ الأوقات منذورةً للحبّ، والحياة تحصل على هامشه. سوف يطالعني مقطعٌ آخر للشاعر، لم أحتج أن يدرَج في منهاجٍ كي أحفظه:

“لو لم تكوني أنت في حياتي / كنت اخترعت امرأة مثلك يا حبيبتي”

رأيت المقطع قبل مدّة في صورةٍ، مخطوطاً على ثوب زفاف عروس جميلة، داخل قلعة بعلبك. بقي لزمنٍ طويل المقطع الأثير لديّ، بعدما أهداني إياه حبيب في أيام المراهقة البعيدة، دامت علاقتنا 12 سنة ثم انتهت نهايةً كارثيّة. ولم يبقَ الآن من الأمر شيءٌ يذكَر عدا الشعر، وبضع أغنيات. حتى إنني حين تعيدني -مثل الآن- جملة إلى تلك القصة الطويلة زمنيّاً، القصيرة عاطفيّا، أنظر بحنوٍّ إلى الفتاة تلك، وكأنّها لم تكبر لتصير أنا الآن، بل بقيت هناك عالقةً وحدها بين 1998 وَ2010، متروكةً لمصير أثقل من أن تتحمّله. أتمنى لو في وسعي أن أمدّ لها يدي وأسحبها إلى حياتي الآن، نقف كلتانا أمام المرآة، سنكون متساويتَي الطول، أزيدها بـ 10 كيلوغرامات، سوف تجدني أسمن ممّا يفترَض، سوف أجدها أنحل ممّا يُفترَض، سوف نفكّر بأن تكسب هي 5 كيلوغرامات وأخسر أنا بالمقابل 5 كيلوغرامات، لكنّنا معاً سوف نسخر من الأمر ونقول بصوتٍ واحد، يشبه صوت أمّنا: وماذا نفعل بالعشر سنوات؟ لنعدل عن الأمر. سيفاجئنا قليلاً أنّ أمّنا واحدة، بل عائلتنا الصغيرة واحدة. لن أخبرها كم يكبر الآباء بسرعة، وكم أن هذا الأمر مخيف. سوف أطلب منها أن تخرج من أحلامي، هي وشخوص حياتها، سواء الذين كبروا مثلي أم الذين ظلّوا هناك عالقين معها.

سوف ننظر بريبةٍ إلى بعضنا البعض، من منّا أكاكي أكاكيفيتش؟ من منّا شبحه؟ وليس معطفاً، بل مجرّد فستان زفاف داخل قلعة بعلبك

سوف تدندن أغنيتها “يا مالكاً قلبي”، فأهمّ بأن أقول لها اشششش، ثم أعدل وأظلّ أراقب كيف تستطيع تلك الفتاة أن تحبّ الناس والأغنيات بلا حسابات مسبقة. سوف أسألها إن كانت تعني لها شيئاً جملة “من كثر شوقي سبقت عمري”؟ ستزمّ عينيها، وحينها ألحظ أن رموشها أكثر كثافةً من رموشي، وما مِن انتفاخات تلحَظ في الأجفان، قد أغار قليلاً. سوف تعجبها الجملة، لكنّني سأحذّرها من أن تقربها، فهي جملة “تخصّ المرء وحده”. ستقول أوليسَت غرفة؟ لا يا حبيبتي أنا أسكن داخل الكلمات الآن، أنتِ من تنام وتصحو في غرفةٍ على جدرانها ملصقاتٌ لصور نجوم التسعينيات، وعلى درفة خزانتها من الداخل خطَّت أسماء رجال. هل حقّاً يعجبكِ جمال سليمان؟ سوف تسألني إن شاهدتُ مسلسل “ذكريات الزمن القادم” قبل أن أسخر. سوف ننتبه معاً للجملة، ويختلط علينا الأمر لبرهة، من منّا المستقبل؟ ومن الذكريات؟

ينتهي خلافنا باقتسام أغنية التّتر، لها جملة “بكرا يا ذكرى مبارح”، ولي جملة “الولد بالبلد، بالبلد ضايع”، وستظنّها هي قسمةً عادلةً، أما أنا فكلمة عدل لم تعد تعني لي شيئاً.

سوف تلحظ خاتم الزواج في بنصري الأيسر، سوف ألحظ دائرةً بيضاء في بنصرها الأيمن. ولن نعلّق على الموضوع.

ستجول بعينيها باحثةً عن صورة للرّجل الذي أحبّه. سوف أتردّد قليلاً قبل أن أخبرها عن الشاب الذي كانت تحبّه، عن أنه -ورغم كونه عالقاً معها هناك- ظهر في حياتي هنا. سيدهشها أننا لم نتبادل الكلام ولا السلام ولا حتى نظرات خاطفة، على الأقل من قِبلي. سوف أقرّب فمي من أذنها وأسرَّ لها كيفَ تبعني إلى محلّ الحلويات، وكيف هربت منه، وأن وجوده وعدمه لم يغيّر في شيءٍ من نسب السّكّر في عجينة البراونيز. وقبل أن تشهق، سوف أقول لها: لا، إنني أمزح معكِ، لم أره، وأصلاً مرضى السكّري وسكان الأزمنة البعيدة لا يدخلون محال الحلويات عادةً. لن تصدّقني وسيضيرها انحدار مستوى الطرافة لديّ. سوف أكتم ضحكتي وأنا أتذكر ما قاله لي حبيبي -الذي مازالت تجول بعينيها كي ترى صورته- “أنتِ أكثر شي بتحبّيه إنك تقولي إشيا بتضحّك”. سوف أحاول أن أخفي عنها ما استطعت صورتي في إشبيلية، لا كي أحمي الرجل الذي كان برفقتي من عينيها الفتيّتَن، بل كي لا تظنّني تعمّدتُ سرقةَ شهر عسلها مع ذلك الشابّ.

“كلّما تفحّصنا قصّةً مضحكة بحذرٍ ولمدّة أطول، أصبحت مثيرة للحزن أكثر” قالت الفتاة النحيلة، مقتبسةً من نيكولاي غوغول. ولم أكن أعرف أنها تحبّ القصص القصيرة، مثلي!

سوف ننظر بريبةٍ إلى بعضنا البعض، من منّا أكاكي أكاكيفيتش؟ من منّا شبحه؟ وليس معطفاً، بل مجرّد فستان زفاف داخل قلعة بعلبك.

سأخفي عن رئيس التحرير حقيقة أن قسماً من هذا النص كتبته قبل سنة، أرغب حقّاً بأن يعجبَه، ويضع نجمةً على جبيني، كما كانت تفعل في كلّ مرّةٍ مدرّسة الصّفّ، محيلةً رأسي الصغيرة سماءً واسعة. كلّما سقطت الشّهب في حضن من أحبّ، تحقّقت له أمنية، لم تكن إلاّ فكرةً عبرت خيالي.

 

[1] للشاعر نزار قباني

المزيد من هذا المؤلف

تذكرة العودة

ترجمان الخطوات

 
×