ليس بالحجر الصحي وحده تسيطرُ الصين اليوم على فيروس “كورونا” الجديد، بل بالتخطيط الشامل والمتكامل الذي يُنسّق العمل بين مؤسسات الدولة والشركات الصينية، جميعها من دون استثناء، لتبقى في حالة استنفار دائم لمواجهة الفيروس. لم يكن للصين أن تصل إلى إنتاج 53 سيارة إسعاف، خلال 12 يوماً فقط، من دون جهود وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات التي قامت بتنسيق العمل، من خلال الخطابات الموجهة والاتصالات، بين 60 شركة من أجل ضمان إنتاج سيارات الإسعاف وتسليمها في الوقت المحدد. ولم تكن لتُحقق ذلك لولا العامل الصيني الذي وصل عدد ساعات عمله إلى 20 في اليوم، حتى بات يأكل وينام في المصنع. ولم تصل الصين إلى سدّ حاجات الطلب الداخلي على الكمامات، ومن ثم تقديم أطنان من المساعدات الطبيّة وملايين الكمامات للدول الأوروبية، لولا توجيه الأوامر لشركات إنتاج السيارات بتعطيل بعض خطوط الإنتاج وتحويلها لتتخصّص في صناعة الكمامات بهدف زيادة الإنتاج اليومي منها. كذلك لم تصل الصين إلى تأمين الأسرّة في المشافي للمصابين كافة وتخصيص سيارات إسعاف مجهزة لنقل أي منهم من باب منزله إلى المستشفى (حتى لا يحتكّ بالآخرين)، لولا جهود من وصلوا الليل بالنهار من أجل بناء مستشفى خلال أسبوعين فقط، ومن ثم تجهيزه بالمعدات الطبية والكوادر اللازمة. لم يكن لكل ذلك أن يحصل لولا التنسيق بين جسد المجتمع الصيني ككل والعقل المدبّر.

الحكاية من البداية

سهرنا ليلة رأس السنة الميلادية، هنا في مدينة ووهان، ونحن نتحدث عن حادثة إغلاق سوق للأسماك البحرية في خانكو (خانكو هي جزء من مدينة ووهان والسوق يبعد عن منزلي نحو 5 كم فقط). قالوا إن هناك حالات إصابة بالتهاب رئوي غامض انتشر في السوق وتمت السيطرة عليه بعد عزل جميع من اختلط بالمصابين ومن ثم تعقيم السوق وإغلاقه، برغم عدم وجود دليل بعد يثبت قابلية انتقال المرض بالعدوى بين البشر. لم يمض عشرون يوماً (20\1\2020) حتى صُعق سكان ووهان بالخبر الآتي: إصابة بعض أطباء وممرضات الكادر الطبي بالعوارض نفسها برغم ارتدائهم الكمامات أثناء قيامهم بواجبهم في المستشفى، وحصول وفيّات بين المصابين سابقاً. بعدها بيومين (22\1\2020) تتابعت الأخبار على المنوال نفسه: 129 حالة إصابة جديدة والعدد مرشح للازدياد. وفي ليلة ذاك اليوم تناقلت قنوات التلفزة الصينية خبر حظر ووهان وإيقاف المواصلات العامة فيها، على أن يُباشر بهذه الإجراءات في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي (23\1\2020).

مدينة ووهان المحظورة

كان الحظر يعني منع الخروج من والدخول إلى مقاطعة خوبيي (ووهان جزء من هذه المقاطعة). وكان هذا بدوره يعني إيقاف محطات القطار والمطار وإغلاقًا جُزئيًا للطرق الرئيسية التي تصل المقاطعة بالمقاطعات الأخرى، بالإضافة إلى تعطيل حركة المواصلات العامة داخل المدينة. وعندما تتوقف المواصلات العامة في ووهان، فهذا يعني أن من بين كل 10 أشخاص، سيكون هناك 7 ليس بمقدورهم الخروج من الحي الذي يقطنون فيه بسبب عدم امتلاكهم سيارات خاصة. ولم يمض يومان على قرار إيقاف المواصلات العامة حتى صدر قرار جديد ينص على منع التنقل بين أجزاء المدينة (ووتشان، خانكو، هانيان) من دون ترخيص حكومي. بعدها بأيام، صدر قرار آخر ينص على عدم جواز التنقل داخل جزء المدينة نفسه من دون سبب وجيه.

في تلك الغضون، كَثُرَ التداول بالأخبار الكاذبة التي تفيد بأن “الصينيين محبوسون في منازلهم”. كانت هناك أيام ثلاثة (من 17\2 حتى 19\2) مُنعنا فيها من مغادرة المجمّعات السكنية إلا في الحالات الاستثنائية التي تقتضي ذلك. وفي حال الخروج، لم يكُن ذلك متاحًا سوى لفرد واحد من العائلة فقط. أما سبب المنع على مدى الأيام الثلاثة فتمثل بالحاجة إلى تعقيم المدينة بكل ما فيها بغرض الحدّ من انتشار الفيروس. في ما عدا ذلك، كان على الداخلين والخارجين من المجمعات السكنية وإليها تدوين أسمائهم وأرقام هواتفهم المحمولة ودرجة حرارة أجسامهم بعد قياسها. باستثناء ذلك، كان التزامنا بالبقاء في المنزل أخلاقياً بالدرجة الأولى، وكل ما قيل غير ذلك منافٍ للحقيقة.

ووهان تضحي من أجل الصين
الصين تُضحي من أجل ووهان

بعدما أُعلن الحظر وفُرض الحجر الصحي في ووهان، ازدادت رقعة انتشار “كورونا” حتى بدأت الأمور تخرج عن السيطرة. كان شعار الحجر في حينها “ووهان تضحي من أجل الصين”. وفي ليل 25\1\2020، ومع وصول أول كادر طبي عسكري إلى مطار المدينة، أُعلن عن بدء إرسال أطباء إلى ووهان، أتوا من جميع المقاطعات، كدلالة رمزية على أن “الصين تضحي من أجل ووهان” أيضًا. فهؤلاء تركوا عائلاتهم وقرروا المضي نحو مجهول المشافي في المدينة، والتي قد لا يتمكنون من العودة منها بسبب عدم توافر معلومات كافية حول كيفية التعامل مع الفيروس في ذلك الحين. وفي مساء 27\1\2020، راح أهالي ووهان يصرخون من النوافذ: “ووهان دجايو” أي “تشجّعي يا ووهان”، فيما فضّل البعض الآخر ترديد الأغاني الوطنية ليصل صوته إلى الأطباء والممرضات الموفدين إلى مشافي المدينة من سائر المقاطعات الصينية. أراد هؤلاء القول إن أهالي ووهان سيكونون عونًا لهم عبر الالتزام بالحجر الصحي وتقليص حالات الإصابة حتى لا تستنزفهم أعدادها.

تخطيط مدينة ووهان

بعدما فُصلت أجزاء المدينة عن بعضها البعض، تمّ تقسيم كل منها إلى مناطق فُرزت لاحقًا إلى مجمّعات سكنية. وكان المسؤول عن كلّ من هذه المجمّعات رجال أمن (“بو آن”). والـ”بو آن” موظفون مدنيون يمتلكون سلطة تنظيم شؤون المجمعات السكنية وتقتصر سلطتهم التنظيمية على أمور المجمّع وتنتهي عند أبوابه. أصبح هؤلاء مسؤولين عن تلبية الحاجات الخاصة بسكّان كلّ من المجمعات من خلال شراء الحاجات الأساسية بكميات كافية وعرضها في ساحاتها التي باتت تشبه الأسواق، حيث يتم فيها توزيع ما هو مجاني لقاطني المجمّع، ويُباع فيها ما هو مدفوع الثمن أيضاً. أما التنسيق مع سكان المجمّع فكان يتم من خلال تطبيق إلكتروني صيني (WeChat)، حيث تُنشأ غرفة محادثة جماعية على التطبيق تضم سكان المجمّع، يُضاف إليها رقم منزل كل منهم واسم البوابة التي تخصه بجانب اسمه المُستعار على التطبيق الإلكتروني. وهؤلاء الـ”بو آن” كانوا مسؤولين أيضاً عن التدقيق في معلومات الخارجين من المجمعات والداخلين إليها. أما العشوائيات المتناثرة هنا وهناك، فتم إغلاق أزقتها الفرعية بجدران بلاستيكية، وتُرك شارع واحد مفتوح للحركة منها وإليها (أي تم تحويل العشوائيات إلى مجمعات سكنيّة)، على أن يضبط هذه الإجراءات في كل منها رجال أمن “بو آن”، من ساكني المنطقة الذين يعرفون أهلها.

يتبع…

 
×