كم كان جبارًا فيروس “كورونا” عندما فرض على أبناء مدينة ووهان، الذين غادروها لقضاء عطلة رأس السنة الصينية في مقاطعات أخرى، عدم العودة إلى منازلهم. ظلوا بعيدين عنها على مدى أكثر من سبعين يوماً، بينما يكبُر في داخلهم شوقٌ للقاء العائلة والأصدقاء وحيواناتهم الأليفة. ظلّ الأمر على هذا النحو إلى أن أُعلن يوم الأربعاء 8\4\2020، أخيرًا، رفعُ الحظر عن المدينة وفتحُ معابرها الرئيسية.

تجمّعت سيارات العائدين عند المداخل الرئيسية لووهان بانتظار حلول منتصف اليوم. وعلى الضفة الأخرى، تهيّء راغبون بالخروج من المدينة للعودة إلى مقاطعات سبق أن أتوا منها قبل تفشي الوباء. ومع الثواني الخمس الأخيرة، راح المتجمعون في الاتجاهين يردّدون: “وو .. صه .. سان .. آر .. إي”، وفُتحت المعابر. ها هي الحياة تعود تدريجيًا، وها أنا أمشي في شوارع ووهان يومياً. أخاطر بالشراء من دكان صغير أو بمداعبة حيوان أليف. قبل شهر، كانت هذه اللحظة أشبه بالسّراب.

تحاول الصين اليوم أن تقدّم نموذجًا لإدارة المدن التي كانت موبوءة، يسهّل عودة الحياة إليها. يقوم النموذج على خدمة إلكترونية بسيطة متوفرة في أكثر التطبيقات الإلكترونية استخدامًا في الصين، وكذلك على تقديم جميع المؤسسات والشركات في الدولة خططًا للعودة إلى العمل، وفق معايير جديدة، تتماشى مع إجراءات الوقاية من “كورونا”.

نظام الكود الصحي 

بات لزامًا على كلّ مواطن صيني أن يحصل على “كود صحي” إذا ما أراد الخروج من المجمّع السكني حيث يقطن أو العودة إليه، أو رغب باستخدام وسائل النقل العامة، أو ارتياد المطاعم أو “المولات” أو أي مكان عام قد يحوي تجمعًا ولو بسيطًا للناس. يحصل السكان على هذا “الكود” عن طريق خدمة إلكترونية جديدة أُلحقت بخدمات أوسع التطبيقات الصينية انتشارًا (مثل تطبيقي “WeChat” و”Ali Pay”)، حيث يُطلب من صاحب الحساب أن يُدخِل بعض المعلومات الخاصة (الاسم ورقم الهوية الوطنية وعنوان السكن)، ليقوم التطبيق تلقائيًا بإعطائه “الكود الصحي”.

يُصنّف الناس وفق “الكود الصحي” تبعًا لثلاث حالات: إما أن يكون الشخص مُعافى تماماً وحالته الصحية غير مشكوك بها (لون الكود أخضر)، أو أن يكون ممن خالطوا أشخاصًا تأكدت إصابتهم بـ”كورونا” (لون الكود أصفر)، أو أن يكون مُصابًا بالفيروس (لون الكود أحمر). نظام عمل “الكود الصحي” معقدٌ قليلاً، إذ قد تكون بصحة جيدة وقادرًا على القيام بواجباتك كافة، وفوق ذلك يُظهر “الكود” أنك معافى، لكنّك تصبح فجأة من “المشكوك بأمرهم” ويُطلب منك البقاء في المنزل مدة 14 يومًا.

تصنيفات "الكود الصحي" كما تظهر على التطبيقات الهاتفية في الصين
تصنيفات “الكود الصحي” كما تظهر على التطبيقات الهاتفية في الصين

على سبيل المثال: إذ أرادت امرأة التسوّق في مكان ما، فدخلته عند الساعة الثانية من بعد الظهر لتخرج منه عند الساعة الثالثة، وصدف وجود شخص حامل لـ”كورونا” خلال الفترة الزمنية نفسها، فإن المسكينة ستصبح من “المشكوك بأمرهن”، وسيضحي لزاماً عليها البقاء في المنزل (مع كود لونه أصفر) لمدة 14 يومًا. وإذا لم تظهر عليها أعراض المرض بعد انقضاء فترة الحجر، يجوز لها حينذاك أن تخرج من المجمع السكني (بالكود الأخضر) مجدداً. أما بالنسبة لمن ثبتت إصابتهم بالفيروس وتماثلوا للشفاء، فعليهم عندئذ أن يقوموا بتحميل صور الوثائق على التطبيق الإلكتروني وبإرسالها إلى أطباء يقومون بدورهم بالتواصل مع المشفى الذي أصدر هذه المستندات، بغرض التأكد من تعافي حامليها تماماً. بعد ذلك فقط يُمنحون “الكود الأخضر” مجددًا. أما بالنسبة لنا نحن الأجانب، فما زلنا، حتى تاريخ نشر هذه المقالة، نستخدم تصريحات تمنح من قبل مخافر الشرطة، تفيد بأننا التزمنا بالحجر الصحي ولم نختلط بأي مصاب، وتسمح لنا بالتالي بالتحرك في المدينة.

التخطيط للعودة

لم تعد الأمور هنا كما كانت عليه في “مرحلة ما بعد كورونا”. حتى الأنظمة الراعية لعمل موظفي المؤسسات والشركات خضعت للتعديل. إذ بات لزامًا على هذه الأخيرة أن تقدّم خطة تضمن سلامة العاملين لديها وسلامة المجتمع كذلك. عودة محطات القطار، مثلاً، كانت مرهونة بتشكيل نظام جديد يتماشى مع ما تقتضيه الإجراءات الصحية للوقاية من الفيروس. فإذا ما أردتَ السفر ستُسأل عن “الكود الصحي” أولًا، وعن سبب السفر ثانيًا، وسيتمّ تقدير أهمية هذه الحاجة بعد ذلك. فإذا ما كانت حاجة ملحّة أو ضرورية (كأن تكون مطلوبًا للعمل، مع إثبات يؤكد ذلك)، سيتم حجز مقعد مخصص لك يبعدُ عن أي شخص آخر مسافر متر ونصف المتر على الأقل. يعني هذا أن القطارات تنتقل من مقاطعة إلى أخرى وهي شبه خالية من الركاب، وقِس على ذلك بالنسبة لوسائل النقل الأخرى. كذلك باتت أغلب المطاعم تعتمد خدمة التوصيل إلى المنازل للحيلولة دون وجود تجمعات، وأكثر الأسواق تخضع للحراسة عند المداخل بهدف التحكم بأعداد الداخلين إليها والخارجين منها، فلا يدخل شخص ما لم يقابله خروج آخر. أما التحذيرات عند كلّ مفترق طرق، فإنما تؤكد أن معركة ووهان هذه، بل الصين بشكل عام، لم تنتهِ حتى اللحظة.

 
×