أثناء محاولة الأطباء الصينيين عزل فيروس “كورونا”، كانت المعلومات التي تُرسَل إلى العاصمة بكين مبنيّة على الإحصائيات فقط. وكانت الزيادة النسبيّة (اليوميّة) في أعداد الإصابات تدلّ على أن سرعة انتشار الفيروس ستؤدي إلى فقدان السيطرة في مدينة ووهان، وأن الوضع سيزداد سوءًا إذا ما استمر الانتشار على هذا النحو، بشكل لا يعود معه ممكنًا استيعاب المزيد من الحالات في المشافي.

في تلك اللحظة الحرجة، كان لا بدّ للّجنة العسكرية المركزية (“القيادة المركزية” و”جيش التحرير الشعبي”) من التدخل سريعًا بهدف اتخاذ إجراءات عاجلة ووضع خطط ملائمة والإشراف على تنفيذها. وفي الساعة الأولى من يوم الثلاثاء الواقع في 25\1\2020، شاهدنا أبواب مطار ووهان المُغلق تُفتح بشكل استثنائي، لتحطّ طائرةٌ في أحد مدرجاته وليخرج منها أشخاصٌ يرتدون البزّات العسكرية ويسيرون في صفّ واحد. كانت الحقائبُ على ظهورهم تدلُّ على أن الإقامة في ووهان قد تطول، فيما خطواتهم العسكرية المتناسقة توحي بأن النّظام سيحل محلَّ فوضى الهلع والقيل والقال. كان هذا محتوى الفيديو القصير الذي تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي الصينية في ذلك اليوم. لقد شكّل هؤلاء أوّل كادرٍ طبي عسكري يصلُ إلى ووهان، ليعلنوا “حرباً شعبية” ضد “كورونا”.

مستشفى جبل إله النار “هوو شين شان”

في مساء اليوم الذي أُغلقت فيه مدينة ووهان (23\1\2020)، كانت عشرات الحفّارات والجرافات تمهّد لبناء مستشفى ميداني يخضع لإدارة “جيش التحرير الشعبي” الصيني. وفي “سباق مع الشيطان” كما وصفته السلطات الصينية، وعبر الاستعانة بـ 7000 آلاف شخص يعملون على مدار الساعة في ثلاث مناوبات، أرادت بكين الانتهاء من بناء المستشفى في وقت قياسي لا يتجاوز العشرة أيام. وأثناء عملية البناء (27\2\2020)، أعلنت “اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح” عن تخصيص 300 مليون يوان صيني لدعم بناء المشافي. وفي اليوم ذاته، قدّمت مؤسسة “الشبكة الحكومية الصينية” مواد بقيمة 60.28 مليون يوان صيني للغرض نفسه. ومع انتهاء اليوم العاشر (2\2\2020)، وُضعَ الحجر الأخير في البناء، وبدأ سلاح الجو بنقل الكوادر الطبية والإمدادات إلى ووهان، ليُفتتح المستشفى في اليوم التالي عند الساعة العاشرة صباحاً ويستقبل المرضى الأوائل، وليشكّل نموذجاً أولياً لبناء مشافي مشابهة مُخصّصة للحالات الطارئة.

كلّ إنسان حامل للفيروس وناقل له

تتراوح مدة حضانة الفيروس في جسم الإنسان من دون ظهور أعراض، بين يوم واحد وأسبوعين. وخلال مرحلة الحضانة هذه، يُعتبر الجسد الحاضن للفيروس ناقلاً له أيضاً. ونظراً لصعوبة تحديد الجسد الحاضن للفيروس، كان لزاماً علينا اعتبار أن كلّ إنسان هو حاضن مُحتمل لـ”كورونا”. وعليه، كانت تقع على عاتق أيّ فرد في المجتمع مسؤوليتان: مسؤولية فردية تقتضي أن يحمي المرء نفسه من الآخرين، وأخرى اجتماعية تقتضي أن يحمي الآخرين من نفسه. ولهذا السبب فُرض ارتداء الكمّامات على السّكان جميعًا من دون استثناء. ولكن هل يمكن للصين أن تلبّي طلبًا داخليًا بضخامة تعداد سُكّانها؟

بالرغم من استخواذ الصين على نصف الإنتاج العالمي من الكمّامات الواقية (بواقع 15 مليون قطعة يومياً)، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لتلبية الطلب المتزايد عليها في الأسواق الداخلية. لذلك دخلت شركات صناعة السيارات على خط هذا الإنتاج، من بينها مجموعة “غوان زهاو أوتومبيل” التي تتعاون مع شركتي “تويوتا موتورز” و”هوندا موتورز” في صناعة السيارات، بالإضافة إلى شركة “بي واي دي أوتو” الصينية العملاقة، التي وصل إنتاجها إلى 5 مليون قطعة يومياً. اليوم، بات ارتداء الكمّامة في الصين أشبه بـ”واجب وطني” يخضع للرقابة الاجتماعية، إذ إن عدم القيام بذلك يُعدّ تهديداً للمجتمع ككل.

من باب المنزل إلى باب المستشفى

كيف لمصابٍ بفيروس “كورونا”، لا يمتلك سيارة خاصة، أن يذهب إلى المستشفى في مدينة توقّفت فيها حركة وسائل النقل العامة؟

كلّ ما عليه فعله هو التواصل مع أقرب نقطة صحّية في الحي، لتقوم بدورها بإبلاغ الجهة المسؤولة حتى ترسل سيارة إسعاف تقلُّ المريض من باب منزله إلى باب المستشفى. ولكن، هل ثمة سيارات إسعاف كافية لتأدية الواجب؟

في ظلّ الظروف الاستثنائية المفتوحة على مفاجآت كارثية، تمكّنت مجموعة محركات “جيان لين” (أكبر شركة لصناعة سيارات الإسعاف في الصين) من إنتاج 53 سيارة إسعاف ضغط سلبي خلال 288 ساعة، أي ما يقارب 12 يوماً (إنتاج السيارة يمر بالحلقات التالية: تفكيك وتلحيم وطلاء وتجميع نهائي ثم اختبار الضمان). وقال “تسوي مين”، مدير المبيعات في المجموعة: “حاولنا تقصير مرحلة الإنتاج عن طريق إطالة وقت العمل اليومي، إذ يعمل عمال الجبهة الأمامية من الساعة الثامنة صباحاً حتى العاشرة مساء، وكثير منهم يتناول الطعام في المصنع ويبيتون فيه”. كما أشاد بإصدار وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات أكثر من 20 خطاب اتصال عمل، بغية التنسيق بين نحو 60 شركة من أجل ضمان إنتاج سيارات الإسعاف وتسليمها في الوقت المحدد.

مكافحة استغلال التجّار

المبدأ القائل بأن “التجارة شطارة” قد يبرّر لبعض التجّار استغلال تفشي وباء “كورونا” لرفع الأسعار أو لإرغام المواطنين على شراء بضائع كاسدة. لهذا السبب، كانت تصلنا رسائل نصيّة عبر شركات الاتصال بشكل شبه يومي، تذكّر بأهمية دور المواطن في مكافحة استغلال التجّار من خلال الاتصال بأرقام تستقبل الشكاوى. بعدها بأيام، صار لزاماً أن تُنشر لائحة بأسعار الحاجيات الأساسية في المجمّعات السكنية.

لكن مكافحة استغلال التجّار لم تتمّ من خلال القرارات فقط، وقد تراوحت العملية بين أخذ وردّ ومدّ وجزر. على سبيل المثال: منذ بداية تفشي الوباء تم تحديد سعر كيس الكمامات بـ 20 يوان صيني، وهو ما دفع التجّار إلى بيعها بسعر 19.9 يوان. لذلك ردّت السلطات الصينية بحصر بيع الكمّامات في الصيدليات فقط، فصار التجار يشترونها من الصيدليات ليبيعوها في دكاكينهم. عندها ردّت السلطات بتحذير المواطنين من شراء الكمّامات المعروضة في المحلات والدكاكين، محذرة من أنها مجهولة المصدر، وأن ماركتها قد لا تكون مسجّلة، وأن استخدامها قد يسهّل الإصابة بـ”كورونا”. هكذا رحنا، تدريجيًا، نلتزم بشراء الكمّامات من الصيدليات حصرًا.

نتيجة “الحرب الشعبية” ضد “كورونا”

هزمت مدينة ووهان فيروس “كورونا” في المعركة الأولى، إلا أن الحذر ما زال قائماً. إذ إنّ عودة الحياة إلى مجاريها في هذه المدينة محفوفة بالمخاطر. لذلك وضعت السلطات الصينية نظاماً جديداً وفريداً، سمّته “كود الصحّة”، وهذا ما سنتناوله في الحلقة الثالثة والأخيرة.

يتبع…

 
×