دخل صديقي الياس ماريا عقده السابع منذ زمن لا يريد أن يتذكره. يحافظ على أناقته بارتداء البدلة دائماً، وفي أيام البرد، يضيف إليها معطفاً أسود لا يغيّره. أتناقش معه كثيراً في الوضع السياسي ومستقبل الفلسطينيين. كلّما التقيته يبادرني مبتسماً ومسلماً:

“ماذا يلوح في الأفق؟ ماذا ينتظرنا؟”.

في الأسبوع الماضي بادرني بالسؤال:

“هل جهّزوا سيناء لنا فعلاً؟”.

ثمّ قرر، ونحن نقف أعلى أحد الأدراج في بيت لحم، أن يروي لي حكاية قصيرة.

طلبت منه أن نجلس في قهوة “المسمس” على بعد أمتار، لكنه بدا وكأنه لم يسمع ما قلته. صمت الياس كمن يريد استجماع ذكرياته كلّها، ثم راح يحكي لي عن قريبته حنّة التي جاءت إلى والده، ابن عمّها وكبير العائلة، وسألته:

“يا عمّ، ألا يمكن أن أزور بيتي قبل أن أموت؟”.

عاشت حنّة خليل ماريا مع أختين، لم يتزوجن ثلاثتهن، وعملن، قبل عام 1948، خادمات في بيوت الإنكليز في القُدْس، وجمعن مالاً بنين به بيتاً في البَقعة، الحيّ القدسي الطلائعي خارج الأسوار.

ولكنهن لم يهنئن في البيت؛ نُكبن ونُكب البيت، ووجدن أنفسهن لاجئات عائدات إلى بيت لحم.

مضت السنون. توفّيت نجمة وعزيزة، أختا حنّة، وبقيت الأخيرة وحيدةً على قيد الحياة.

يتذكر ماريا: “بعد الاحتلال في حزيران 1967، فُتحت طريق بيت لحم-القُدْس التي كانت جزءاً من المنطقة الحرام بين الأردنيين والإسرائيليين، وأصبح بإمكاننا، ونحن ذاهبون إلى القُدْس، رؤية المنازل والقصور التي بناها “البيتلحميون” في أحياء القُدْس الجديدة، كالبقعة، والطالبية. لم تفكر حنّة بزيارة منزلها في البَقعة برغم مضي السنين. لكنها، في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، أرادت أن تلقي نظرة على بيتها، بيت الأخوات الثلاث، فاتصلت بوالدي”.

“انطلقنا، حنّة ووالدي وأنا إلى القُدْس، نزلنا عند كامب اللنبي في تلبيوت، وسرنا في طرقٍ ملتفة حتّى توقفنا أمام البيت، وعندما رأته حنّة قالت: هو هو لم يتغير” – يكمل الياس وقد تغيرت نبرة صوته، وأجَشّ.

طلب منها عمّها التقدم وقرع الباب. ترددت. خشيت حنّة أن تخونها يدها فلا تقدر، فتقدّم الياس بدلاً عنها. فُتح الباب وأطل منه رجلٌ بشاربٍ غليظ، سأل وكأنّه كان يتوقع قدوم هؤلاء “الغرباء”:

-أنتم أصحاب البيت؟

*نعم

-تفضلوا، أنا عراقي ابن عرب وأهلاً بكم على العادات العربيّة!

ما زال المنزل موجوداً في القُدْس التي كبرت في ظل محتليها الجدد، وتتراكم فيها الشقق بسرعةٍ خيالية، وكأنّها في سباق مع زمنٍ، هو بالتأكيد ليس زمن الأخوات الثلاث

تفضلت حنّة ورفيقاها إلى الداخل، تجولوا في البيت بحرية وفّرها اليهودي العراقي المستوطن منزلها، وسالت دموع حنّة وهي تذكر أختيها الميتتين وتفاصيل البيت.

أبدى اليهوديّ العراقيّ، كما يتذكر الياس، رغبةً في تقديم مشروب ساخن لضيوفه، فعرض عليهم قهوة وشاي. لم تكن حنّة في مزاج لشرب أي شيء. لكنها استغلت فترة تقديم الشاي والقهوة لتأمل الصالون وتذكر تفاصيل راحت تسأل عنها المستوطن. وعندما حان موعد الخروج، اعتدل “الساكن” الجديد وقال لضيوفه وهم على الباب، بلهجة تهديد ووعيد:

-هذه المرة استقبلتكم، كيهودي ابن عرب، لكن لا تأتوا هنا مرّة أخرى، هذا البيت أصبح بيتي، إنني أحذركم.

يتذكر الياس وهو ما زال يقف أعلى الدرج: “لم تحدث انتكاسات مباشرة لحنّة خليل ماريا، وعاشت بعد تلك الزيارة نحو عشرين عاماً، حلمت خلالها، كل يوم، ببيتها في البَقعة”.

وغادر الياس ماريا، فجأة، من دون أن يصافحني ويمازحني كعادته.

ما زالت قصور ومنازل الفلسطينيين في البَقعة، بأحجارها الحمراء والبيضاء، قائمة، كما لو أنهم اجبروا على تركها للتو، لكنهم لا يستطيعون العودة إليها أو الاقتراب منها. فالاحتلال حوّلها إلى مكاتب لمؤسساته، أو إلى منازل أسكن فيها مستوطنيه، ومن بينها مثلاً “عمارة مرّة” التي حُوِّلت إلى مقر لمستوصف طبي، بينما تحتل مؤسسات وعائلات منزل صالح جريس بخيت المكون من طابقين، والحال نفسه مع منازل عائلات القواس، والأعمى، وميلادة وغيرها.

أمّا منزل الأخوات الثلاث، فما زال هو الآخر موجوداً؛ منزل في القُدْس التي كبرت في ظل محتليها الجدد، وتتراكم فيها الشقق والمنازل بسرعةٍ خيالية، وكأنّها في سباق مع زمنٍ، هو بالتأكيد ليس زمن الأخوات ماريا.