…وانفجر الفساد في بيروت!

انفجار رهيب سلب لبنان ضحكته المستعادة، وأذهل العالم وأبكاه. أمّا نحن السوريّين، فتوجعنا أيضاً، كأنّ لا قرارة لتوجعنا.

بين لبنان وسوريا أخذ وعطاء، من تحت القانون ومن فوقه. من المصانع والأسواق، من الوديان والجبال، من البحر والمرافئ! بحر لبنان بحرنا، والشرّ الجاثم فوق رأسه، يجثم فوق صدورنا ويخنق أنفاسنا. ولبنان الذي قام من حربه الأهلية، لطالما كان، في بداية حربنا، يمدّنا بأمل قيامتنا السوريّة التي كنّا نخالها قريبة!

أوجعتنا بيروت بينما نتوغّل للسنة العاشرة في خرابنا، وقد سُلب منّا ما سُلب، وتعرّى فينا ما تعرّى. انشرخت سماؤنا وانخسفت أرضنا إلى أن مالت بنا البلاد على جنبها، ومعها ملنا في ارتطام رهيب. شدّنا الألم وجرّنا حتى أقاصيه، إلى أن تقطعت أوردته وشرايينه فينا.

بلادنا لا تزال في ميلانها، لا تقوى على الاستقامة. حتى ميلانها مشروخ هو الآخر، إذ نميل نحن “المعتّرين” منبطحين أو متكوّرين، يخبصنا البرد، الجوع، ويعفّسنا الخوف والعجز. وقبالتنا، يقبع المائلون الآخرون في ترف تخمتهم المفضوحة وبذخها.

لكننا نحن “المعترين” وحدنا من تحرقنا الشمس وتكوينا، ومن تصفعنا الأمطار، ويخبطنا “كورونا” خبط عشواء، ويسلّط “قانون قيصر” سيفه فوق رؤوسنا، يحزّنا، ويعمّق موتنا. لعلّنا لم نعد نهتم، فتحت ترابنا متسع لمزيد من القبور، ولا خوف علينا أو حزن. ولعلّنا نسينا كيف نخاف أو نحزن. أمّا المائلون الآخرون فإلى مزيد من التخمة الفاجرة كلما اشتدّ الخناق علينا.

على جبهة “المعترين”، لم يعد يشغلنا الشرخ بين موالاة ومعارضة. نحن ننخبص وننشرخ معاً، والبلاد تميل وتميل، حتى تكاد تنقلب.

حين بدت للعيان بعض حقائق الفساد الضخم، الذي هو ديدن المتسيّدين المتخمين واقتصادهم السياسي الوحيد، لم نستغرب أو نأبه. ليس لأنّنا كنّا نعرف، بل لأنّ هذي البلاد ضيّعتنا؛ البلاد التي ابتلعتها بطون المفسدين، كباراً وصغاراً، آمريهم وعبيدهم. والفساد لا يلزمه عرقنا فحسب، بل دمنا وموتنا كما اتضح جلياً.

قد نستعيد عافيتنا، ولعل من بشائر ذلك أننا لم نفقد القدرة على رؤية العدو الذي يستوطن فلسطين، ولم تفقد ضمائرنا القدرة على النزف مع جراح لبنان

في الحرب أخذنا ننقسم في متوالية عجيبة، بدأت بين مع وضدّ. وما إن توغّلنا في دمائنا وعارنا، حتى انقسم السادة مجدّفوّ المراكب بين قتلة وقتلة، وتوزّع سدنتهم بين تجار دماء وتجار دماء، وبين لصوص ولصوص. أمّا نحن العامّة الناجية، فانشرخنا بين الداخل والخارج! داخليّون تائهون بين المقابر وأوصال أبنائهم المفقودة، وأبواب المعتقلات، وعلى خطوط الهواتف والخوف والعجز ورغيف الخبز؛ وخارجيّون منهم من تجترهم آلامهم بصمت، وقد يخطّ بعضهم، بين حين وآخر، كلمات دافئة مثل سنابل قمح وحيدة تحت ضوء القمر، ومنهم من بلبلته الثرثرة الضاجّة الفارغة يغطي بها على ما كان من صمته المطبق وسيرته غير الوضّاءة، قبل الحرب أو في بداياتها! هؤلاء هاجروا من البلد باحثين عن أمنهم واستقرارهم، وهذا حقّهم الطبيعي الذي لا يُنازَع، لكنّ ما ليس حقّهم وما يُنازَع هو تثريبهم على حقّنا في اختيار البقاء، ورغبتهم في أن يقطعوا عنا الهواء والماء والدواء والكساء مدّعين أنهم يقطعون كل ذلك عن النظام. ومع ذلك، نحن لا نريد من هؤلاء سوى أن يكفّوا عن الضجيج، ويدعوننا نغفو في موتنا بهدوء وسلام، ولينصرفوا في بعيدهم المتسع الحرّ الآمن لاختلاق مزيد من قصص البطولة وأكاذيبها.

بيد أنّ الخارج والداخل يتشاطران ثلّة أخرى، ثلّة من شذّاذ الآفاق الذين يعلنون بصفاقة نادرة مباركتهم قصف الصهاينة أرضنا. الأرض ذاتها التي يدبج الخارجيّون منهم توقهم للرجوع إليها. الأرض ذاتها التي يقيم الداخليّون فيها ويحلمون بتحريرها.

بعد ذلك كلّه، كيف لنا ألّا نباغت بإحساسنا بالوجع مجدّداً؟

غير أنّ الوجع، في حالة كحالتنا السوريّة، يبقى إحساساً فيه نعمة: هطل على كتلتنا العاجزة، فانتابتنا رعشة حيّة، مثل مشلول باغته إحساسٌ بالوخز، أو ظلّ ضوء فاجأ أعمى، أو صوت أرعشَ أصمّاً. بلى، هي رعشة حيّة ومبشّرة. أن نقدر حتى الآن على التوجّع، فهذا دليل عافية ما، مهما تكن ضئيلة، قد نستعيد معها عافيتنا بقيافتها الكريمة، مهما طال الزمن.

ولعل من بشائر ذلك أننا لم نفقد القدرة على رؤية العدو الذي يستوطن فلسطين، ولم تفقد ضمائرنا القدرة على النزف مع جراح لبنان.

لهذا، وعلى الرغم من كل شيء: مرحباً، أيّها الوجع!

 
×