بعد وصولي إلى ألمانيا ببضعة أسابيع، احتجتُ ورقة رسميّة من إحدى دوائر الدولة.
في مكتب الموظفة المعنيّة، قلت لها بالإنكليزية:

“مرحباً! اعذريني، فأنا لا أتكلم الألمانية، وأحتاج هذه الوثيقة”، وناولتها قصاصة ورق كُتب عليها بالألمانيّة اسم الوثيقة، مرفقة بهويّتي المؤقتة، تلك التي تُعطى لطالبي اللجوء قبل الاعتراف بهم لاجئين.

نظرتْ الموظّفة إليّ في عبوس. أزاحت أوراقي من أمامها. وبينما راحت تقيس طولي وعرضي بنظراتها اللئيمة، ناولتني الورقة التي أحتاجها، ثم قالت بالإنكليزية:

“نحن هنا في ألمانيا، ونتكلّم الألمانيّة! إذا أردت التحدث بالإنكليزية، فاذهبي إلى إنكلترا!” وأشاحت بنظرها عنّي.

اجتاحتني صدمة عارمة. احتجت نحو دقيقة كي أستعيد توازني. أخذت أوراقي، خرجت وأنا أبكي. حينها، لم يخطر ببالي أن أقدّم شكوى ضدّ تلك الموظّفة، كما لم أخبر أحداً بالأمر. كنت خجلى، وأشعر بالعار لكوني لاجئة!

قبل أن آتي إلى ألمانيا، كنت أعرف أنّه سيتوجّب عليّ تعلّم اللغة الألمانيّة. ومن نافل القول أنّ مَن يعيش في بلدٍ أجنبيّ لا بدّ أن يتقن لغته. لكنّ تلك الحادثة جعلتني أتنبّه إلى حقيقة مفادها:

“كلّ شيء هنا أقسى بكثير ممّا ظننت!”

بدأت بارتياد المدرسة. وكان عليّ، بالإضافة إلى تعلّم اللغة، أن ألبّي كثيراً من المتطلّبات التي يُلزم اللاجئون بها. ووجدْتُني عالقة في دوّامة ما يُسمَّى “الاندماج” الذي يبدأ، بحسب بعضهم، بتعلّم اللغة.

لم أُفلح في تعلّم اللغة. لكني عرفت الكثير، بالمقابل،عن الثقافة الألمانية وتقاليد المجتمع والتاريخ الألمانيّين. اندمجت في سوق العمل إلى الحدّ الذي اضطرني فيه ضغط الشغل إلى ترك المدرسة. لكنّ ذلك الاندماج كلّه لم يكن كافياً.

كان علي أن أواجه السؤال المتكرر:

“أنت في ألمانيا منذ سنة، ولم تتعلّمي لغتها بعد؟ أنت في ألمانيا منذ سنتين، ولم تتعلّمي؟ أنت في ألمانيا منذ أربع سنوات، وما زلت في المستوى B1؟” وكي أتخلّص من هذا السؤال الذي نغّص عليّ حياتي عدت إلى المدرسة.

ما الذي يعنيه الاندماج؟ هل اندمجنا، أو اندمج بعضنا على الأقل، مع المجتمع الألماني؟ أكانت قلّة الاندماج تلك التي فعلت بالسوريين فعلها طوال السنوات الماضية؟

في الصفّ، أنا الطالبة العربيّة الوحيدة. معظم زملائي من دول أوروبيّة أو أميركية. أغلبهم جاؤوا إلى ألمانيا قبلي، أو في الفترة ذاتها التي جئت فيها. نحن الآن نتكلّم الألمانيّة بالمستوى ذاته. لكنّ زملائي هؤلاء يؤكّدون لي أنّ الأسئلة التي واجهتني لم تواجههم، ولم يشعروا بأنّهم مطالَبون بتعلّم اللغة كجزء من عمليّة الاندماج، بل إنهم ليسوا مطالبين أصلاً بما يسمى الاندماج. ومن جاء منهم من دول الاتحاد الأوروبي معفى من نصف تكاليف دورة اللغة، حتى في حال كان يعمل بدوام كامل. أمّا اللاجئ الذي يعمل ويكون مستقلاً عن مكتب العمل ولا يتقاضى مساعدات اجتماعية، فعليه أن يدفع كامل تكاليف دورة اللغة.

“الأمر متعلّق، إذاً، بكوني لاجئة.. أم أنّها أسباب أخرى أجهلها؟”

أكتب هنا عن تجربتي مع تعلم اللغة بصفتها واحدة من أصعب التحديات التي واجهتها. لكن كلّ شيء في هذه البلاد يخضع لمعيارين في النهاية: من أين أتيت، ولماذا؟ فإن كنت ألمانياً فلا داعي للقلق، وكل شيء سيمضي على خير ما يرام. وإن كنت ألمانيّاً من أصل أجنبي، فسوف يُعاد النظر في وضعك، مرّة على الأقلّ، وسوف يُرحّبُ بك أجنبيّاً من بلد أوروبي، لكن يفضل ألاّ تكون في ألمانيا لأسباب اقتصادية. أمّا أن تكون أجنبيّاً لاجئاً، فهنا المشكلة؛ إذ يتوجب عليك، كي تبقى في هذا البلد، أن تثبت جدارتك في كلّ خطوة تخطوها وفي كلّ نفَس تتنفسه وفي كل كلمة تنبس بها وفي كلّ تصرف يصدر عنك. ذلك كلّه سوف يُحسب عليك، ويُسجَّل بدقة، وكلّ نجاح تحرزه سوف يستخدمه أولئك الذين يتبعون سياسة الترحيب باللاجئين. وكلّ زلّة قدم أو لسان، وكلّ إساءة في التصرف والسلوك، سرعان ما سيستثمرها من يقفون في وجه اللاجئين.

في المحصّلة، على كلّ لاجئ إثبات جدارته في أن يكون لاجئاً، وذلك من خلال إثبات اندماجه الذي يُسلَّط عليه مجهران لا مجهر واحد: مجهر من يتعاطفون مع اللاجئين ويؤازرونهم، ومجهر من يقفون لهم بالمرصاد.

ويبقى السؤال: ما الذي يعنيه الاندماج؟ هل اندمجنا، أو اندمج بعضنا على الأقل، مع المجتمع الألماني؟ أكانت قلّة الاندماج تلك التي فعلت بالسوريين فعلها طوال السنوات الماضية؟ هل سنحتاج، إذا ما رجعنا يوماً، إلى دورات اندماج مع أهلنا الذين لم يغادروا البلاد، ولم يضطروا إلى الانسلاخ عن جلدتهم للاندماج في مجتمع غريب لا يكادون يتقاطعون معه في شيء؟

 
×