… وعلقنا بَيْنَ بَيْن.

في بنائنا، في حي العَدَوي في دمشق، إخوتي وأنا وما تبقّى من أوكسجين في المصعد بين الطابق الثالث والرابع: نصف بابٍ ونصف جدار، نصف خوفٍ ونصف طمأنينة، نصف شجاعةٍ ونصف انهيار. محاولاتنا للتماسك والصمود باءت بالفشل، بينما تسلل صوت جارتنا أم فراس المطمئِن: “لا تخافوا! لا تخافوا!”

لا فوبيا لدي من الأماكن الضيقة أو المغلقة، ولا صعوبة حقيقية في التنفس هنا، لِمَ ذلك الخوف كلّه إذن؟! جاء الفرج بعد لحظات على يد أبي فراس ومفتاحه السحري الذي أخرجنا من تلك “العلقة”.

خرجنا، لكننا لا نزال إلى اليوم عالقين بَيْنَ بَيْن. جميعنا عالقون، هذه المرة، ليس في حي العدوي فحسب، بل في كلّ حيّ وكل مدينة من هذا الوطن المكلوم. “لا تخافوا”، عبارة ستتردد في خاطري كثيراً بعد ذلك اليوم، وكلما تذكرتها، خفت.

اليوم وأنا “عالقة” في طابور انتظار البنزين، فتحت جوّالي وقررت استثمار الوقت في البدء بقراءة رواية رشحها لي صديق: “الجوع” للكاتب النرويجي كنوت هامسون. يا إلهي ما هذا التزامن الموجع؟ استحضرت زميل دراستي الجامعية، وهو الأب لثلاثة أولاد الذي انفجر يومها في أثناء نقاش ناريّ: “الجائع لا يملك رفاهية الولاء للمبادئ”. يومها وبّخْته متهمة إياه بالميكيافيلية: “أها! الغاية لديك تبرر الوسيلة إذن؟” لا أدري من منّا كان على صواب. فنحن حتى اليوم عالقون بين الحقّ والباطل.

صوت أحدهم في محطة البنزين شتت تركيزي المشتّت أصلاً. وضعت جوّالي وهامسون جانباً، دسْتُ على البنزين محررةً فرامل اليد حين رأيت السيارة التي أمامي تقترب أكثر من “فردوس الوقود”. ارتفع صوت الرجل في الخارج: “يلّي ما عبّى اليوم، راحت عليه ها!” جحظت عيون المستمعين وتجمدت حركتهم، تمنيت لو أمدّ رأسي لأقول لهم: “لا تخافوا!”، لكننا عالقون، بلا جدوى، بين الانتظار والوصول.

“راحت عليه؟ شو يعني؟ أصلا رايحة علينا بكل شي من زمان”…

الشاب الذي طلبت منه فنجان قهوة سادة، قدمها لي بينما كان يحدث أحدهم على جوّاله بأن حَجْراً أكيداً سيُفرض شهر آذار/مارس القادم. مباشرةً، لمحت أمامي التماعاً خبيثاً – كذلك الذي تصوّره أفلام الأطفال – في أعين التّجار، وسمعت أسنانهم تُسنّ لاحتكار المواد الغذائية في الوقت الذي ستصتكُّ فيه أسناننا من البرد والعبث. الأسعار سترتفع إذن أكثر من ارتفاع ضغط المواطن.

يبدو كأنّ خبر الحجر تسرّب فبدأ اللهاث: لهاث السيارات على المحطات، لهاثٌ خارج المحطات على الأفران، لهاثٌ من خلفه لهاث، ونحن عالقون. رحت أتساءل: كيف سأترك طابور البنزين لأقف على طابور الغذائيات؟ ما العمل؟ وهل يمكن وسط هذا السعي المتشعّب، والقلق المتواصل والطوابير، الإحاطة بأنواع اللهاث المختلفة كلّها قبل أن يحدث شيء ما، شيءٌ لا يعرفه أحد، ويتوجّس منه الجميع؟ هل يمكن لأحدنا أن يتواجد على الطوابير كلها في آنٍ للحاق بذاك الأوان الملعون الذي يضعنا بَيْنَ بَيْن ويهدّدنا على الدوام أنه سيفوتنا لا محالة؟ نعم هذا ممكن، شرط أن يتحول كلّ منّا إلى “جني لابلاس” القادر على معرفة بارامترات كل الجسيمات في العالم، وعلى إدراك كل قوى الكون ومكوناته في لحظة واحدة، ويمكنه فوق ذلك إجراء الحسابات الضخمة من دون عناء. أو ربما علينا أن نكون سوبرمان نيتشه، الكائن الخارق القادر على الوجود في الأمكنة والأزمنة جميعها في آن، المتجاوز لذاته، والمتخطي للعقبات كلّها.

هل ستأتي اللحظة التي تخرجنا من مأزق نصف الحالة؟ بين فردٍ وربع فرد، بين خبزٍ مدعوم ومواطنٍ غير مدعوم ومواطن فوق القانون؟

لكن، ألن يسخر هايزنبرغ من حلولي تلك؟ ألن يذكرني بقوانينه في الشك والارتياب؟ نعم، لا أجد مثيلاً لحالنا سوى إلكترون هايزنبرغ العصي على التحديد. ألسنا الكترونات اجتماعية عاجزة مستلبة على الطوابير، مستسلمة أمام دروب اللهاث المتزامنة؟  فكيف لنا أن ننجز ما هو متوجب ونحن عالقون؟ ألن يسخر جلجامش حين يتأمل لهاثنا، وهو الذي جرّب قبلنا الخلود واللاتناهي؟ ألم تنتهي به الحال إلى العودة للتغني بأسوار أوروك بعد أن أيقن أنه لا بدّ متناهٍ محدود القدرة مهما بلغ به الطموح؟ يا إلهي كم كان سيقهقه حين يرانا نتغنى بساعة كهرباء وخزّان وقود، ورغيف!

هل ستأتي اللحظة التي تخرجنا من مأزق نصف الحالة؟ بين فردٍ وربع فرد، بين خبزٍ مدعوم ومواطنٍ غير مدعوم ومواطن فوق القانون، وبين الرز القصير والرز الطويل، بين البال الطويل وأفق يتسع ليضيق، نحن عالقون؛ بين الغضب السريع والضحكة الدامعة والقهقهة المكتومة، وبين الارتياب والطمأنينة، وبين اللصوص وضحاياهم؛ وعالقون بين الحبّ وتوجّس الخيبة، وبين وطنٍ ولا وطن وشبه وطن، وبين هجرةٍ ومكوث.

رأيت تولستوي يخبرني أن “الانتظار مقتل الرجال”، أجبته: “والنساء أيضاً”. سمعت بوكوفسكي يقول: “لا شيء أسوأ من فوات الأوان”، تساءلت: هل فات الأوان أيتها البلاد الحزينة؟ رأيت سعد الله ونوس، يهم بفتح فمه ليقول: “نحن محكومون”، فسارعت في مقاطعته: “باللهاث يا سعد، باللهاث. نحن محكومون باللهاث وعالقون إلى ما شاء الله”، فأطرق رأسه صامتاً.

تيقّنت من الفوبيا التي نعاني منها؛ إنها فوبيا الأماكن الواسعة على اللصوصية، المفتوحة على اللهاث، فوبيا البلاد المهدّدة بالجوع، بلاد الرغيف وشيك النفاد، فوبيا السرّ والعلن، الباطن والظاهر، فوبيا الإذلال والتحقير والإشهار والتشهير، فوبيا البَيْن بَيْن، وددتُ لو أنَّ مفتاحاً سحرياً، كذلك الذي أحضره العمّ أبو فراس وأخرجنا به من المصعد، يظهر فجأة، وددت لو أن صوتاً من مكانٍ ما يطمئننا، حين ترتعد فرائصنا: “لا تخافوا”.

 
×