“لسّاتِك هون؟ لماذا لم تسافري؟”

منذ ثماني سنوات، كلما صادفني شخص لم يرني منذ مدة طويلة يسألني السؤال ذاته.

اعتدت أن أقابل هذا السؤال بسؤال: “لم أسافر، كما ترى. متى ستسافر أنت؟”

أستيقظ في السادسة صباحاً كلّ يوم. أتأمل السرير، الكتب إلى جانبه وتحته، الكتب المكدسة فوق بعضها بعضاً على الأريكة وعلى الطاولة.

أقول لغرفتي التي تضجّ بالفوضى: “صباح الخير، لسّاتِك هون؟”.

أحدق في سقف الغرفة الذي يتساقط ملاطه تباعاً وأقول له: “لقد صمدتَ طويلاً قياساً بعجزي عن النوم خوفاً من أن تهبط فوق رأسي بسبب تحليق الطائرات اليومي”.

يأتي صوت فيروز من بيت الجيران: “ضجرت مني الحيطان ومستحية تقول … وأنا عيني عالحلا والحلا عالطرقات…”.

صارت أغاني فيروز عسيرة في الصباح، تبعث شعوراً بحزن لا سبيل لاحتماله.

ألقي نظرة على أمي: “حسن، لم تمت بعد مع الموتى الوافرين!”.

أفتح الباب لهرّتي. أطعمها. تحاول أن تلتصق بي، أُبعدُها وأقول: “لا أريد ألاعيب عاطفية، لا مزيد من التعلّق”. يضيف الجيران دليلاً جديداً على أنّ مسّاً أصاب عقلي وجعلني دائمة التحدث مع القطط.

أعدّ القهوة. لا أحبُّ أن أشارك أحداً، أيّ أحد، قهوتي الصباحية. أنا كائن غير صباحي في الحقيقة، كما علّقت صديقة ذات مرة. أحبّ أن أدخّن بحرية وأصمت وأطيل التأمل في العابرين أمام البيت صباحاً.

أرتدي ثيابي وأدلف إلى الطريق الرئيس كي أنتظر الحافلة التي ستقلني إلى جبلة. تتأخر الحافلة كعادة حافلات القرى.

منذ أن بدأت الحرب، بات على الحافلة التي تتسع لأربعة عشر راكباً أن تتسع لعشرين. نفاد في الوقود، ازدحام هائل، أزمات متتالية، طوابير غاز، بطاقة ذكية للمحروقات، غلاء معيشة، فقر وبطالة.

يلفت انتباهي هذه الأيام أنَّ نسبة التحرش انخفضت رغم تلاصق الركاب الإجباري. يبدو أن الحرب وهموم الحياة اليومية جعلت الفتيات أكثر أمناً على هذا الصعيد.

أرتال طويلة من السيارات تنتظر على جانبي الطريق قرب محطات الوقود. قد تنتظر يوماً أو يومين قبل أن تحصل على حصتها من البنزين.

أشرد: عليّ أن أعود إلى البيت باكراً، لم يعد بوسعي أن أدفع لسيارة أجرة بعد ارتفاع الأسعار ضعفين منذ بدء أزمة البنزين.

تعبر ذاكرتي ثمانينيات القرن العشرين، حين كنا نقف أرتالاً طويلة منذ الصباح الباكر بانتظار الحصول على علبة سمن أو سكر أو محارم ورقية. اعتقدتُ أنّ هذه الأيام ولّت من دون رجعة، لكنها عادت بصورة أشدّ قسوة: حتى المتوفّر لم يعد بوسعك أن تشتريه.

نصل كراج الانطلاق في جبلة: ازدحام هائل، طلبة وفلاحون وموظفون وجنود. ما من حافلة. أزمة مازوت أيضاً. حين يأتي الميكروباص، نتدافع، يرتفع الصراخ، ننسى أعمارنا ونقفز في جوفه، لا يهمنا شيخ أو طفل أو امرأة أو عاجز. المهم أن نبات في الداخل، عشرين راكباً لا أربعة عشر!

يصرخ السائق: “أربعاات…أربعااات!” ويعني أنَّ المقعد الذي يتّسع لثلاثة يجب أن يتسع لأربعة وأحياناً خمسة.

نتكدّس فوق بعضنا بعضاً خافضين رؤوسنا ما أمكن، ثم يعلو صوت المسجلة:

اجرح لي گلبي ولا تداوي

ورشّ عليي كيماوي

بس لا تگلي واحبَيْبي

إنّك ع هجري ناوي

يقود السائق بسرعة جنونية، ثم يدير رأسه إلى الوراء فجأة: “مين لسّا ما دفع؟”

كبرتُ على طريق اللاذقية جيئة وذهاباً. على هذا الطريق قرأتُ كتباً، غازلتُ رجالاً. أعرف الطريق شجرة شجرة. أحفظ أسماء محطات الوقود على جانبي الطريق محطة محطة. كبرت مع سائقي الحافلات الذين سيفتقدونني بلا شكّ إذا ما تغيبت يوماً.

هذا ما أجبت به صديقاً يتصل بي من ألمانيا بعد أن غدا لاجئاً فيها ليسألني: “لسّاتك بسوريا… كنت أعتقد أنّك أول من سيخرج!”.

وهذا ما يخطر لي حين أقرأ على “فيسبوك” لـ”يساريّ” هاجر طوعاً: “أهلنا، الذين لم يخرجوا من سوريا لسبب أو لآخر، هم الذين يدفعون ضريبة الحال المزري الذي تعيشه البلاد”. أصدقاء كثيرون في الداخل أعجبهم هذا الكلام البخس فأخذوا بالجهر بمظلومياتهم وتشكراتهم في التعليقات: “شكرا .. ونحاسب على ذلك ونخوّن”، “شكرا .. كثيرون ممن غادروا ليس لنا مكان في حساباتهم وتحليلاتهم الفظيعة”، “وهناك من يهلل لتجويعنا”.

ترسل لي صحفية دنماركية أسئلةً من ضمنها السؤال: “هل بقي مثقفون في داخل سوريا؟”

هل حقّاً أن الملايين التي تزيد على عشرين ممن بقوا في سوريا كانوا عازمين على الخروج لكنهم “لسبب أو لآخر” لم يخرجوا؟! كيف يقرأ أصدقائي على “فيسبوك”؟! كيف يعجبهم مثل هذا الكلام الفدم؟

أكاد أكتب ردّاً، لكنني أتراجع إذ أتذكّر أنّ “يساريّنا” المهاجر الطوعي نفسه هو من كان صحّح للسيد فراس طلاس في تموز ٢٠١٤ تعليقه على سقوط الفرقة ١٧ من الجيش السوري شمال الرقة بيد “داعش”. قال السيد طلاس وقتها: “بالنسبه إلى سقوط الفرقه ١٧ بيد “داعش” هو’ ناب كلب بجلد ديب’ الله يخلصنا من الجوز . فلا تشوحوا ولا تنوحوا”. وما كان من الرفيق المناضل الذي كان يعمل لدى طلاس في دولة عربية حينها إلا أن صوّب لمعلمه: “أستاذ فراس: ذكرت النسخة المهذبة والمنقحة من ‘المتل’ وراح غامر بذكر النسخة ‘غير المنقحة’ وهي ‘ناب كلب بطيز خنزير'”.

لم أعتب على أستاذه طلاس في حينها، فهو حرّ بفرقة من فرق أبيه، وزير الدفاع السابق، بما فيها من عساكر فقراء وصفّ ضباط وضباط، وبالطبع فإنّ شعوري تجاه الرفيق المصوِّب ما كان ليدخل في باب العتب قطّ، إذ هرعت إلى الحمّام مباشرةً.

لن يمكن لقرّاء “فيسبوك” أن يجدوا هذا التصويب الذي حُذف بعد أن لم يعد ثمّة لزوم للعمل عند السيّد بانتقال المناضل إلى غير قارة.

أنزل من الميكرو في اللاذقية التي أعشقها حيّاً حيّاً، رصيفاً رصيفاً، حجراً حجراً، ومقهى مقهى.

في عام ٢٠٠٦، أجريت في دمشق عملاً جراحياً في الظهر أقعدني هناك ٢٥ يوماً، كنت أتصل فيها يومياً بـ”الياس” كي يسمعني صوت الشارع قرب مقهى السويس الذي يعمل فيه. وحين عدتُ كان أول أمر فعلته هو زيارته. وقتها بكيت بحرقة وأنا أفكّر: “الأمكنة خوّانة، ما همّ الرصيف والأشجار والشارع إن متّ؟” أذكر ذلك وأطيل النظر في صور ضحايا الحرب التي غزت كل مكان.

الأسواق الشعبية هي وجهتي المفضلة، لا سيما سوق أوغاريت الذي تختلط فيه روائح الخضار والفاكهة الطازجة بروائح العفن والسمك واللحوم وأصوات الباعة والزبائن من أبناء الطوائف المختلفة. سوق أوغاريت هذا لم يشهد أي حادث طائفي طيلة هذه الأعوام الثمانية. وهو ردّي على شخص رآني هناك وسألني مستهجناً: “أنت شاعرة، لِمَ لم تسافري؟ ماذا تفعلين هنا؟”

في شارع ٨ آذار، أتأمّل مقهى السويس، ملتقى مثقفي اللاذقية، وقد استحال مطعماً للوجبات السريعة. نعم، الأمكنة خوّانة ولا ذاكرة لها. أتذكر الياس، عامل المقهى الحسكاوي الذي كان يحفظ أذواق روّاد المقهى واحداً واحداً. هاجر الياس إلى السويد مع بداية الحرب، من دون أن يسمعنا مواعظ ويشبعنا تعاطفات. أتذكر السيدة التي كانت تصنع القهوة وتنظر من كوّتها ولا تكفّ عن التمتمة. لم أعرف اسمها، ولم أر يوماً سوى وجهها، ولطالما تخيلت أنها ولدت هناك وراء الموقد وسوف تموت وراءه. ترى ما الذي حلّ بها الآن؟

تغيّرت المدينة. لم أعد أعرف مرتادي المقاهي. كان غالبيتهم أصدقائي، حتى كبار السنّ منهم. الآن مات من مات وهاجر من هاجر. وقلما أصادف أحداً أعرفه في شارع أو في مقهى. ومع أنني عرفت في السنوات الأخيرة أصدقاء جدد رائعين، تجددتُ معهم وبهم، فإنَّ الذاكرة لئيمة: تعيد الصور وتجبر على الحنين.

ترسل لي صحفية دنماركية أسئلةً من ضمنها السؤال: “هل بقي مثقفون في داخل سوريا؟” أكاد أقول لها لم يبق مثقفون سوى داخل سوريا، لكني أتذكر صور كثيرين اضطروا للهجرة أو ارتأوا الهجرة “لسبب أو لآخر”، وهذا حقّهم، فأتريث في الجواب.

أحدّق في الأضواء الكابية، في المطر وهو يتكسّر على هذه الأضواء ويتناثر على الوجوه المتعبة، على النساء المسربلات بالسواد، على أكتاف الرجال المهدودة من التعب والموت، على صور الضحايا، على رجع أغانٍ بعيدة.

“لسّاتني هون! بالطبع”.

هذا ما هو طبيعي، كالتنفس، كالحب، كالولادة والموت.

 
×