وصلتُ إلى محطّة القطار صباح ذلك اليوم في الوقت المحدّد، لكنّي لم أجد تفاصيل الرّحلة على الشّاشة كالمعتاد. انتظرت قليلاً إلى أن أعلن الموظّفون أنّ انطلاق الرّحلة سيتأخّر ساعةً ونصف السّاعة بسبب حادث تقنيّ. ثمّ ما لبثت هذه السّاعة والنّصف أن أصبحت ساعتين كاملتين.

في المدينة الثّانية سأكون على موعد مع طائرةٍ أستقلّها هي الأخرى في طيران داخليّ نحو مدينة ثالثة. لكن الآن بعد هذا الحادث، لن أبلغ موعد إقلاع الطّائرة، وليس ثمّة من تعويض إن تخلّفتُ عنها.

فضّلت أن أقضي وقت الانتظار في مكتبة المحطّة أتجوّل بين الإصدارات الجديدة. لكنّ ذلك، على غير المتوقّع، لم يخفّف من انزعاجي من كلّ ما جرى.

ماذا سأفعل في الوقت المتبقّي؟ كتاب صغير أحمر على رفٍ في المكتبة أجابني عنوانه بسرعة: “متى عجزت عن معرفة ما الّذي يتوجّب فعله.. عليك بالفلسفة!”. ربّما دعابة لطيفة في العنوان الفرنسيّ أضحكتني فشدّتني إلى الكتاب على صغر حجمه: ‘Kant tu ne sais plus quoi faire, il reste la philo’.. دعابة، عرفت لاحقًا أنّ المترجم الإنجليزيّ لم يحرم قارئه منها: ‘If you Kant figure it out, ask a philosopher’.. ابتسمت للدّعابة، واشتريته بقطعتين نقديّتين كنتُ قد وفّرتهما لطعام الفطور.

في كتابها الصّغير هذا، عملت الكاتبة ماري روبير، وهي شابّة تدرّس الفلسفة، على جمع اثنتي عشرة قصّة قصيرة. كلّ واحدة من القصص تحكي عن موقف حرج أو مأزق يمرّ به القارئ المفترض، تتبعها إشارة لفيلسوف يسدي للقارئ نصيحة تخرجه من ورطته هذه. تختلف أسماء الفلاسفة الّذين استدعتهم الكاتبة للحضور في نصّها، من شخصيّات اعتدنا عليها في الحكمة العمليّة، من قبيل أبيقور وأفلاطون وباسكال، إلى شخصيّات يندر أن نصادفها في هكذا نمط من النّصوص المبسّطة، على شاكلة كانط وفتجنشتين وليفيناس.

حان موعد الانطلاق أخيرًا، ورافقني الكتاب طيلة الرّحلة في القطار. وصلتُ إلى المطار في الموعد المناسب لحسن الحظّ، فاستكمل الكتاب رحلته معي في الطّائرة أيضًا.

الفيلسوف لا يتدخّل هنا للتّأمّل في معضلة فكريّة، بل للخروج من مأزق عاديّ في الحياة. يتدخّل لمساعدة إنسان مخمور أو شابّ خاب أمله في موعد غراميّ.. أو للتخلّص من تخمة الأخبار في زمن الميديا، أو حتّى لإسداء نصائح لقضاء عطلة نهاية أسبوع مريحة، أو لتفادي المواقف المحرجة في أوّل لقاء مع عائلة محبوبتك. يحدث ربّما في الكتاب أن تلتقي بسبينوزا متجوّلاً في متجر بضائع في يوم تسوّق عاديّ.. يعطيك الفيلسوف مفاتيح بسيطة، تجعلك تحتمل الحياة أكثر، وتنتظر غدك بفرح أكبر.

ينتمي هذا النّصّ المبسّط لنمط من الكتابة لا ينفكّ يزداد رواجًا في السّنوات الأخيرة. نمط يحاول استعادة الفلسفة لتؤدّي دورها على مسرح الحياة العاديّة، للاستنجاد بها ابتغاء العزاء أو السّلوى أو مقاومة أمراض العصر… نمط يذكّرنا بأنّ الفلسفة، رغم محمولاتها النّظريّة المعقّدة، هي جزء من نسيجنا الأرضيّ، تحمل همّ الرّاهن في تفاصيلنا اليوميّة العابرة. هنا نسترجع ربّما الوظيفة العلاجيّة للفلسفة، كفنّ للعيش وأسلوب للحياة، لكن في مواجهة مآزقنا المعاصرة لا في إطار كلاسيكيّات ضبط الأهواء أو تحقيق السّكينة كما كان حالها في زمن انقضى.

غالبًا، يسألني الأصدقاء البعيدون عن جوّ الفلسفة متى دار بيننا حديث عنها: “هل من فيلسوف لا زال على قيد الحياة؟” هذا أوّل ما يخطر لهم. ويتكرّر السّؤال دومًا. لكأنّ الفيلسوف من جنس الأنبياء لا يجوز الحديث عنه إلا في الزّمن الماضي. هو كالأنبياء لا يمكن أن نتصوّره معاصرًا لنا. نتهيّب منه أن يمسي صديقًا يشاركنا تفاصيل اليوميّ والرّاهن… وننسى أنّه لا يخشى على نفسه، بكلّ بساطة، أن يحيا بيننا حياة اليوم.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles

كما لو أنّ