حين لفته اهتمامي الزّائد بما يقول، توسّع الرّجل الخمسينيّ بحديثه عن تاريخ الكنسية وقصّة كلّ قسمٍ من أقسامها. يستفيض بالشّرح عن قسم معيّن حينًا، ويقتضب أحيانًا أخرى لينتقل إلى قسمٍ ثانٍ.

كنّا في Sainte-Croix-en-Jarez، أو الشّارتروز كما لا زال يسمّيها أهل الجوار، دير رهبنةٍ من أعمال القرن الثّالث عشر. ديرٌ قد استحال اليوم قريةً عاديةً مستقلّة، يسكنها الأهالي جيلاً بعد جيل، بعدما احتلّوا المكان وطردوا الرّهبان من خلواتهم في خضمّ أحداث الثّورة الفرنسيّة.

في القرون الوسطى، كانت العادات اللّيترجيّة تقتضي أن يقف الكهنة أثناء طقوس الصّلاة مطوّلاً، وأن لا يجلسوا للاستراحة إلّا نادرًا. ومن غير الممكن أن يخالف الواحد منهم تلك الممارسة لما فيها من علامات إجلال وخشوع، خصوصًا في وقت قراءة الأناجيل أو إنشاد المزامير، وإلّا عُزل عن رفاقه وطُرد من بينهم. ولمّا كانت ساعاتُ الصّلاة طويلةً جدًا، شرع كبار السّن من الكهنة بالاتّكاء على عصيّ تعينهم على احتمال الوقوف، ثمّ حذا الشّبان حذوهم أيضًا. وفي ذلك ترك لنا التّاريخ رسالةً رفعها جمعٌ من الرّهبان إلى شارلمان، شكوا فيها رئيس الأخويّة الّذي حرمهم حمل العصيّ للاتّكاء ولو للحظات.

بعد ذلك، وفي حدود القرن الثّاني عشر، دخلت على الكنيسة أشكالٌ جديدةٌ من المقاعد انتشرت في مناطق من فرنسا وبعض بلدان الجوار. هذه المقاعد المسمّاة les stalles (وكلمة stalle من اللّاتينيّة stare وتعني الوقوف باستقامة) وُضعت في المكان المخصّص لرجال الدّين حول المذبح، وفي أسفل كلّ مقعدٍ منها قطعةٌ من الخشب على هيئةٍ دائريّة اسمها la miséricorde (وتعني الرّحمة واللّين)، يسند الكهنة عليها مؤّخراتهم، فيظهر الواحد منهم على هيئة الواقف، وهو في الحقيقة جالسٌ متّكئ.

يفخر محدّثي بمجموعة الصّور الّتي عرضها لهذه القطع في واحدة من صالات الشّارتروز ذلك اليوم، وعليها مختلف أعمال فنّاني القرون الوسطى. درج الفنّانون يومها على نحت قاعدة القطعة الخشبيّة المخصّصة للجلوس بصور حيوانات، أو بصورة رجل وامرأة، أو نبتة مزهرة، أو مشاهد عاديّة من الحياة الأرضيّة.. لكأنّ هذه القطعة الخشبيّة رسولٌ علمانيّ أتى الكنيسة من خارجها.

كلّما همّ الرّجل بتذكيري بوظيفة القطعة الخشبيّة، يستهل جملته بقوله comme si، “كما لو أنّ”: فالكاهن جالسٌ في حقيقة أمره، لكنّه يبدو كما لو أنّه واقفٌ متأهّبٌ لأداء صلاته.

أعادتني العبارة للفقه الإسلامي، حيث تنامت مع انتشار المدارس الفقهيّة تقنيّات الالتفاف على الأحكام الشّرعيّة. وهي تقنيّات لم يسلم منها مذهبٌ أو عقيدة، حتّى أنّ كثيرًا من الفقهاء الأوائل أدرجوا في مصنّفاتهم بابًا سمّوه باب الحيل. وفي باب الحيل يذكر الفقهاء مخارج تعين المكلّف على التّهرّب من الحكم “كما لو أنّه” ملتزمٌ به.

درجت الحيل الشّرعيّة في التّاريخ الإسلاميّ تحت مسميّات عديدة، ولجأ إليها أهل المذاهب المختلفة، حتّى أولئك الّذين رفضوها وكتبوا في ذمّ أصحابها. وإلى اليوم يلجأ المكلّفون إليها أيضًا، وإن كانت أبواب الحيل قد حُذفت من المصنّفات الفقهيّة الحديثة. في التّاريخ، كانت الحيل الفقهيّة مناسبةً للتّندّر كأخبار البخلاء والخلفاء، أو فرصةً لمديح الفقيه وبيان حذاقته وتمكّنه من الصّناعة الفقهيّة. الحيلة لعبة تأويل وتورية، إظهار وإخفاء. لكنّها لعبةٌ يأخذها الجميع على محمل الجدّ. الكلّ يُدرك أنّها لعبة، ولا أحد يجرؤ على الاستخفاف بها. كأنّ ساحة الفقه مسرح بلا متفرّجين، الكلّ يمثّل، لكن ليس بينهم من يجرؤ على مصارحة الآخرين ولا على النّزول عن خشبة المسرح.

“كما لو أنّ” قدر الإنسان مع الفقه أن لا يواجه الواقع كما هو، بل أن يلتفّ عليه كلّما أوقعه النّصّ في ورطة. لا يهمّ أن يخالف المرء النّصّ في الحقيقة، المهم أن يبدو “كما لو أنّه” لم يخالف.

تابع الرّجل الخمسينيّ الشّرح وهو يعرض لي صور منحوتات القطع الخشبيّة المخصّصة لجلوس الكهنة الّذين يتكلّفون الوقوف.. صورة تلو الصّورة.. ابتسمتُ دون أن يشعر، وفي خاطري باب الحيل في مصنّفات الفقه، وعلى لساني المتن النّواسيّ: “قُل لمن يبكي على رسم درس… واقفًا ما ضرّ لو كان جلس”.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles