فولغوغراد، أو “ستالنغراد” كما جرت تسميتها في الفترة الممتدة بين عامي 1925 و 1961، هي مدينة روسية جميلة. ابحثوا عنها في “غوغل” وتأملوا جمال معالمها.
حين تقول “ستالنغراد”، تتداعى إلى البال صور الحصار وتسجيليّات القتال وأقاصيص المعركة التي أنهت مشروع آدولف هتلر إلى غير رجعة.
قليلون همّ الّذين سيقولون شيئاً عن المسرح والسينما والموسيقى والأدب والرياضة والحياة في ستالنغراد، فالحرب تعيش طويلاً في الذاكرة الانطباعية، وتغيِّب ما في المدن والأحياء من جمالٍ لصالح ماضيات الموت والقتال.
حمص مثلاً، عاصمة الضحك في سوريا، بات اسمها يُذكر وأمارات الحزن باديةٌ على الوجوه. المدينة التي استوطنت فيها الحرب طويلاً، احتلّت مربّعاً أسود في وعي من لم يعرفها قبل أن تضاء أمسياتها بالقذائف والصواريخ.
غالبية الّذين لم يعرفوا حيّ “الوعر”، آخر معاقل مسلّحي المعارضة في حمص، قبل 2011، ربّما يتخيّلونه كتلة حديدٍ ونار تقاتل في محيطها السوريّون وضيوفُ حربهم من حملة الجنسيات المختلفة.
قليلون هم الّذين يعرفون.
أنا ابنُ حيّ الوعر. أريد أن أحكيَ لكم قصّة لا علاقة لها بالحرب…

الوعر/ 2005
كنّا مهووسين بكرة القدم، لعباً ومشاهدة.
يوم الجمعة، العطلة الأسبوعية الرسمية للمدارس والقطاعات العامة في سوريا، كان بالنسبة لنا فرصة للعب الفوتبول.
في الوعر، مدارسُ كثيرة، وباحات واسعة، لكنّ باحة مدرسة “الشهيد أحمد المبارك” كانت المتسع الأجمل للعب، فالبلاط مسطّح كما يجب، والأرضية مخططة بوضوح، والعارضات والقوائم المعدنية للمرميين متينة للغاية، ولهذا السبب كان غالبية الفتيان في الحيّ يتقاطرون للعب فيها.
كان العُرف أنّ “من يصلُ إلى المدرسة أوّلاً، يلعب في باحتها، والبقية ينصرفون”.
بناءً عليه، كان “عاطف الدروبي”، كابتن فريقنا، يتصل بنا فرداً فرداً في تمام الخامسة والنصف فجراً كي يوقظنا وننطلق صوبَ باحة المدرسة، إيّاها، ونبلغها قبل أن يصل إليها الآخرون.
نجحنا في مناسبات عدّة، لكنّ فريق “أنس الكردي” أفسد علينا صباحات الجمع التالية، فهذا الأخير، وأصدقاؤه، كانوا يسكنون قبالة المدرسة تماماً، وهم قريبون جداً منها، على عكسنا نحن، الّذين نبعد عن “أحمد مبارك ستيديوم” ثلاثة كليومتراتٍ كاملة.
هنا، شعرنا أننا مظلومون، واستنتجنا أنّ الأعراف لم تعد عصرية بما يكفي، وأنّنا بحاجة إلى إصلاح النظام.
“نلعب على الأرض”… هذا ما اتفقنا عليه.
صار فريقنا يلاعب فريق أنس الكردي، ومن يسجّل هدفين في مرمى الخصم أوّلاً، تصير الأرضُ أرضه، ويخرج الخاسرون بحثاً عن باحةٍ أخرى.
كنّا نغلبهم مرّة فنخرجهم، ويغلبوننا غير مرة فيخرجوننا.

الحرب تعيش طويلاً في الذاكرة الانطباعية، وتغيِّب ما في المدن من جمالٍ لصالح ماضيات الموت والقتال؛ حمص مثلاً، عاصمة الضحك في سوريا، بات اسمها يُذكر وأمارات الحزن باديةٌ على الوجوه

ذات يوم، التقينا بشابٍّ، أستطيع أن أجزم أنه أفضل لاعب كرة قدمٍ سداسية رأيته في حياتي، ويدعى سامي. أقنعه عاطف أن ينضمّ إلى فريقنا بهدف تعزيز فرصنا في الفوز على “جماعة أنس الكردي”.
وهذا ما كان. انضمّ سامي إلينا وصرنا نهزم أنس ورفاقه في خمس دقائق ونخرجهم من الباحة.
هم أيضاً باتوا يستعينون بعناصر “أجنبية” لتقوية فريقهم، واضطررنا، بدورنا، إلى أن نستعين بالمزيد من الغرباء.
شيئاً فشيئاً، تبدّلت ملامح تشكيلتنا حتى صار فريقنا الأساسيّ، كلّه، يجلس على دكة البدلاء متفرّجاً على المُستقدمين من الخارج وهم يلعبون باسمنا.
في المحصّلة، لم نعد نلعب. نحنُ أعضاء الفريق الأوّلون، لم نعد نلعب.
القوى الخارجية التي استعنا بها كي “نلعب على الأرض” أقصتنا، نحنُ أصحاب الأرض!
باتوا يلعبون، وبتنا نتفرّج عليهم، وما عاد بوسعنا أن نقول لهم “من أنتم ومن الّذي جاء بكم إلى هنا”، فنحن من فعل. وهذا ما حدث مع أنس الكرديّ وأعضاء فريقه الأوّلين أيضاً.
يومها أدركت أنّك “لمّا تستعين بالغريب لتواجه إبن بلدَك، هاد الغريب رح يستوطن بالأرض وما بقى رح يطلع منها”.
هذي قصة، لا علاقة لها بالحرب…

 

 
×