تنظر جدتي إلى السماء وتقول: “حدادة، غداً سوف يهطل المطر”.

أسأل جدتي: “ما هي الحدادة؟”

تجيب: “تلك الغيمة التي تشبه السمكة في جهة الغرب؛ أنظري إليها”.

لم أكن أعلم وقتها أنّ جدتي كانت تعني “الإله حدد”، إله الصواعق والأمطار لدى الأوغاريتيين، سكان الساحل السوري. حدد الذي كان معبده حيث ينتصب الجامع الأموي.

“لو كانت بدها تمطر كانت غيّمت”، هكذا أجيب صديقي المصري، بعد ٢٥ يناير ٢٠١١، عن سؤاله: “وانتم، إيه الأخبار؟”

لكني نظرت إلى جهة الغرب حينها فرأيت سمكة وتذكرت جدتي. إنّه الإله حدد، إله الصواعق والأمطار. الريح الغربية سوف تحمل المطر والخير إلى سواحل المتوسط ذي اللون الأزرق، وسوف توقظه من رقاده:

“أيتها الريح الغربية المتوحشة، يا زفرات كيان الخريف،

أنتِ التي أمام حضورك الخفيّ تفرّ الأوراق الميتة

كما تفرُّ الأشباح هرباً من ساحر،

صفراء وسوداء وشاحبة، وحمراء محمومة

جموعٌ حلّ بها البلاء

أنتِ التي أيقظتِ البحر الأبيض المتوسط الأزرق

من أحلامه الصيفية، حيث كان راقداً

يهدهده تكور جداوله البلورية

كوني أنتِ، أيتها الروح الشرسة،

يا روحي! كوني أنا، أيتها الجامحة!

سوقي أفكاري الميتة في أرجاء الكون،

مثل أوراق ذابلة، كي تعجّلي بميلاد جديد!

وبتعزيم هذه الأبيات،

انثري كلماتي بين البشر،

مثل الرماد والشرر من قاع موقدة لا تنطفىء!”

الريح الغربية والنار: حين أضرم البوعزيزي في جسده، لم يكن بالحسبان أنَّ الريح الغربية سوف تحمل هذه النار شرقاً لتندلع في مصر وليبيا وتحطّ أخيراً في سوريا.

“الناس نيام متى ماتوا انتبهوا”: ترنّ العبارة في أذني. كيف يمكن لليأس أن يفعل فعله في من مات وانتبه بعدما نام طويلاً قابلاً بكلّ شيء، وطأطأ حتى حسب الطأطأة العادة والطبيعة وأنّ علوّ الرأس تشوّه خَلْقيّ يورّث.

العكس، العكس: تلك كانت صرخة البوعزيزي، صدحت من الغرب لتتلقفها آلاف الحناجر في الشرق.

يصدح الهتاف في ميدان التحرير فنردّده بشغف، نحن الذين ربّيناه طويلاً في صدورنا حتى خرج من دون وعي “الشعب يريد”.

برغم الموت المتنامي، كان يوم الجمعة لا يزال يوم المباراة: مسيرات مؤيدة ومظاهرات معارضة. جمهور مَن أكبر اليوم؟ عَلَم من كان الأطول؟ ما الأغاني التي تردّدت؟

تنجح الثورة في مصر في شيء مما أرادت فيتلقفها “الإخوان المسلمون”، ثم العسكر، وتدوِّم الدوّامة من جديد.

تصل الريح الغربية إلينا، نهرع لاستقبالها، نشرّع القلوب، نحن الذين اعتقدنا طويلاً أننا عصيّون على التغيير. تهبّ الريح من الجنوب، من كتابات قيل أنّ أطفالاً خطّوها على جدران مدرسة. يخرج الإله حدد من الجامع على عربته يسوق أمامه الغيم الماطر: “الله … سوريا … حريّة وبس”.

لكنّ التغيير كان عصياً حقّاً. لا بسبب العنف فحسب، بل بسبب العنف الذي استبطنته النفوس وحولته خوفاً أو حقداً متهوراً. كان الخوف من التغيير بحجم تعجّله المتهور وبحجم التوق إلى الحرية. فانقسم الشارع وانقسم البيت. لكن عربة حدد لم تبد أنّها تعثّرت.

برغم الموت المتنامي، كان يوم الجمعة لا يزال يوم المباراة: مسيرات مؤيدة ومظاهرات معارضة. جمهور مَن أكبر اليوم؟ عَلَم من كان الأطول؟ ما الأغاني التي تردّدت؟ كان الأمر أشبه بمباراة برغم كلّ شيء. والمباريات لا تخلو من الأمل.

بيد أنَّ هذا الأمل سرعان ما تلاشى. لم يتفق السوريون الطامحون إلى التغيير على تسمية واحدة لما كان يجري، ولا على وسائله، ولا آفاقه. لكن من بينهم من جعل العَلَم الواحد علمين، وراح الشارع يغدو شارعين والضحية ضحيتين والبلد بلدين يتدفق بينهما وفيهما نهر من الدماء.

تنبثق جيوش وتنبق فرق وكتائب ومقاتلين ورايات سود من كل حدب وصوب وتتكوم الضحايا ويرتفع الخراب.

يسقط الحلم صريعاً في ساحات كانت تهتف للحرية.

الريح الغربية تسوق غيوم الدم.

أيتها الريح الغربية لم تحملي الخراب يوماً إلى بلد، فهل هذا ثمن التغيير أم أنّ ثمة ما يحصل؟

بدلاً من صوت الرعد ثمة صوت الطائرات والقصف، تدكّ المدن، تشلّع البيوت وتجتث البشر من مدنهم وقراهم.

بدلاً من صوت الرعد، تتكسر النصال على النصال، نعوات تُلصق فوق بعضها بعضاً لشباب في أعمار الورد يخرّون صرعى.

الريح التي وعدتنا بنبيذ وبأنخاب جديدة … كسرت أعناقنا، وحطّمت صداقاتنا، وفي خضمها مات أحبّة لنا في أقبية التعذيب أو في خنادق الحرب.

حتى المدن التي لم تدخل لجّة الحرب تماماً تغيّرت. تغيرت وجوه قاطنيها. باتت مكلومة تنتظر الخلاص، أي خلاص.

هل كنّا شعباً واحداً، حقّاً؟ إذاً، كيف يمكن للأخ أن يقتل أخيه؟ كيف يمكن لحضن الأم أن يغدو مفخخاً؟

بعد سنوات تسع أنهكت فيها الحرب أرواحنا، لم يعد بوسعنا حتى الفرار من حضن مفخّخ. إن كان ثمة نجاة، فسوف ننجو معاً كشعب واحد. وإن كان محُكوماً علينا بالموت، فلنمت سويةً: هذه البلاد مقبرة كبيرة تتسع للجميع.

حلّ الشتاء، لكن الربيع كان بعيداً.

 
×