تلفتني فقرة كنت قد نقلتها إلى دفتر ملاحظاتي منذ سنتين من رواية ميلان كونديرا كائنٌ لا تُحتملُ خِفّته:

“دكتاتورية البروليتاريا أم الديمقراطية؟ رفض المجتمع الاستهلاكي أم زيادة كمية الإنتاج؟ المقصلة أم إلغاء عقوبة الإعدام؟

كل هذه الأمور ليست ذات أهمية!

إن ما يجعل اليساريّ يساريًا ليس هذه النظرية أو تلك، بل مقدرته على إدخال أي نظرية كانت إلى “الكيتش” الذي يُسّمى المسيرة الكبرى!”

مثل هذه الأسئلة التي طرحت نفسها جدليًّا في وعيي، وباغتتني في لحظات صراعي الإيديولوجي الذي راح يتداخل مع سيكولوجيتي باطّراد ولفترة طويلة، شرعت أبواب البحث الحثيث عن الحقيقة، الحقيقة التي تكمن في المساءلة.

في كفّة أولى، كان ثمّة النصوص الدينية التي فرضتها تربيتي الإسلامية التي تشظّت عند مفترقات إدراكي، تلك النصوص التي أوحت إليّ بأنّ كلّ سؤال ينتابني هو قيد الإجابة الحتمية، وأنَّ كل إجابة هي بما يرضي الله؛ وفي كفّة ثانية، كان ثمّة نفسي الشكّاكة المتهكمة دائمة السؤال والجدل، نفسي التي تحمل الإجابة منطقيًا، بما يرضي الديالكتيك الماركسي والعقل. وبيني أنا وبين النصّ، زاد عبء الوجود واقترن فكري بالخوف الدائم من الجواب، الجواب الذي قد يجعلني أرتد عن الله والعلم، وأعتنق العاطفة بما تحمله من نعمة الجهل.

بتُّ ببساطة مرغمةً، محجوبة الإرادة، كائناً مشوشاً ذا جوهرٍ ليّن كالطين، تنحته القضايا والمطالب والمساءلة الدائمة وتخترقه سنان الحرب في سجن الجسد الذي يجب أن يُقتل في كلّ خاطرة تنبثق في حيّز ذهني.

وبلغ الأمر حدَّ أني أدركت جليًّا أنَّ ما في جعبتي من قضايا، وبعضها لا يعنيني ولا يمثلني، إنّما اخترتها كي أرضي نفسي اللوّامة الخائفة من يساريتي الناقصة ومن كفري الذي قد يقحمني النار: النسوية، حقوق الإنسان، حقوق الحيوان، الحرية، الشيوعية، الماركسية، الصراع الستاليني/التروتسكي، الفوضوية، الاحتباس الحراري، العنف الثوري، الراديكالية، البوهيمية، الاستعمار، الهيمنة الثقافية، الدفن المدني، إلغاء الطائفية، الوعي الفردي والجماعي، أصل الأنواع، اللا أدرية، الفلك، الآداب، وغيرها كثير من القضايا التي حمّلت نفسي وزرها ووزر الدفاع عنها والموت في سبيلها وباتت تخنقني عند كلّ خيبة أمل تختال أمامي.

ما أرنو إليه بفارغ الصبّر هو أن أُدخل كلَّ تشوشي وسوداويتي وصراعاتي وقضاياي في كيتشي أنا أو مسيرتي أنا، حيث ما من حتمية أو نسبية

وأيقنتُ حقّ اليقين بأنّي عندما اخترتُ اليسار هويةً وجودية بات عليّ أن أواجه الضد الذي يعتلي “الناصية الأخرى”: النصوص التي تربيت في حجرها كقطة تركية مدللة، الشعائر التي تختزل بعبقها طفولتي، صوت الآذان المتردد هنا في صدى أذني وقلبي، القرآن في كلّ زاوية من زوايا البيت، وعائي الاجتماعي الأول وضرورة مغادرته، فيزيولوجيتي التي فيها جذوري والموروثات التي ترعرت عليها وندبة الأنوثة التي رافقتني منذ ما قبل ولادتي.

عندما قررت تدشين أولى مداميك ثورتي، باغتني تعب وخوف، الخوف من أن تُقَوْقِع الوحدة الملولبة وأسلوب النبذ المنهجي وغياب الانتماء حياتي الرخوة. عندما قررت أن أسحق الأنا والنصّ، استحلتُ نقطةً عدمية لا أحد يأبه بها، ولا تستأهل الانتماء.

ما يجعلني أنا ليس أن أكون يساريةً أو مسيرةً لنصٍّ. ما أرنو إليه بفارغ الصبّر هو أن أُدخل كلَّ تشوشي وسوداويتي وصراعاتي وقضاياي في كيتشي أنا أو مسيرتي أنا، حيث ما من حتمية أو نسبية، حيث المطلق الذي لا يختزله حكمٌ أو نصّ أو قضايا ملولبة، حيث تسود الحقيقة التي لا تظللها حجب الهوية أو الوجود.

الكيتش أو المسيرة الكبرى التي مضيت في ركبها منذ الأزل، أي منذ أبصر فكري ميضأة الاختلاف، حوّلاني إلى رقمٍ يلف جيده طوق الكليشيهات، ويبهت عندما يسمع من بعيد أهازيج ثورة مرتقبة ويرددها تلقائيًا، لا من إيمانٍ بل من حرصه على الهوية التراكمية.

إلا أنني بتؤدة فككت عقدي، ولبست حذائي الملوث بأغبرة الهرب على غرار أحذيتهم البيضاء، وركضت بعيدًا عن موكب الكيتش وكففت عن مواكبته نحو المستحيل؛ ركضت بعيدًا بكلَّ إيماني وكفري، ويساريتي ويمينيتي، واستسلامي ومواجهتي؛ ركضت نحو اللا تحرّك، نحو شخصي الثابت في موقعه الذي لا يضيره طقس.

ها أنا هنا، حرّة تحت الشمس، وتحت سقف السماء المتمادي، تحت الأبعاد. حرّة في ثباتي. حرّة من النمطية التي غُرزت في خاصرتي. حرّة من إيجاد هوية وانتماء ووعاء اجتماعي يجب أن أقذف بنفسي فيه، لأكون إنساناً سويّاً، لأتمتع بإنسانيتي، لأكون في الناصية المقابلة للأخرى.

ها أنا هنا في موقعي، لا متحركة، لا ناصية لي، في درجي السّري نصّ ديني وكتاب يساري ممنوع في بلدي، وكومة عاطفة وعقل ينسابان ببطء من على أناي.

 
×