(Image Credit: Antony Fleyhan Photogrpahy / Instagram)

 

20 تموز:

يوافق هذا اليوم عيد ميلادي الرابع والثلاثين. يستقبل الناس أعياد ميلادهم في الحالة العادية بالمعايدات والهدايا والمفاجآت، ولقلّة من يتذكرون يوم مولدي ولقلّة الأصدقاء عموماً، لم أتوقع أيّاً من هذا، وذلك أمرٌ يريحني من حفلة المجاملات التي تتخلل أعياد الميلاد عادةً. لكن مع ذلك، كان هناك ما ينتظرني في اليوم الأول لعامي الجديد؛ ألمٌ شديدٌ يتركّز في رأس المعدة، معدةٌ أعرف أنها ضعيفة لا تصلح سوى لمضغ الأعشاب، فأجبرها على طحن الحجر. كان الألم هذه المرة مختلفاً وموجعاً بشكلٍ غريبٍ اضطرني إلى زيارة قسم الطوارئ في المشفى. خلال دقائق قليلة، حقنوا أكثر من مصل في وريدي، الفعل الأسرع والأحب للممرضين والممرضات.

قرّر بعد ذلك أحد الأطباء المناوبين أن دخولي إلى المشفى أمر ضروري. ودخول المشفى لشخصٍ مثلي لا ضمان صحي لديه، يعني أن تدفع سلفاً ثروة يعتقدون أنك تحملها في جيبك وأنت قادمٌ تتلوّى من الألم. المهم، اتفقت مع صديقتيّ اللتين رافقتاني على العودة إلى البيت والاعتماد على المسكّنات.

لا أعرف من أطلق على الممرضات اسم “ملائكة الرحمة”، لكن لأول مرة تذكرت الاسم حين تقدمت نحوي ريتا، وكانت ملاكاً بيني وبينها أوجاع وأمصال في الوريد. تقدّمت نحوي وقالت: “ممنوع تفِلْ وأنتَ موجوع”. مفردة “فِلْ” لطالما كان لها وقع سلبي عندي؛ “ما عاجبك الوضع فِلْ”، “ليش ما فلّيت من لبنان لهلّق”، “ايمتى بدكُن تفلّوا”.

“ما في تفِلْ” غسلت كل أخواتها السابقات، ولأول مرة كلمة “فِلْ” صار لها وقعٌ آخر مع ريتا.

سرير مريض، تَنَقلٌ على كرسي متحرك، تصوير أشعة، لباس المريض فوق جسد عارٍ، وفي اليوم التالي تنظيرٌ للمعدة. رغم التخدير، أحسست بكل شيءٍ، وشاهدت الطبيب والممرضات يحيطون بي، مرتدين زياً عسكرياً ويقومون بإجباري على ابتلاع المنظار. المنظار الذي سيتجول داخلي وأنا أقاومه محاولاً النهوض بينما فرقة الجنود تعاود تثبيتي على السرير بعنف، وإقحامه في فمي، مهدّدين بأني سأقتل نفسي إن لم أستسلم. كلّ هذا شعرت به وكأنه حلمٌ، حلمٌ لا يختلف كثيراً عن أحلامي المعتادة.

النتيجة: المريء خرقَ قانون الجاذبية، ضاج وتوتر، وعبّر عن ذلك بالصعود إلى الأعلى علّه يصل منطقة الصراخ، فرفع المعدة معه إلى الأعلى، ما أدى إلى فتقٍ في المعدة.

ذكّرني ذلك بطبيب الأعصاب قبل سنوات حين شخّص حالتي: “يا ابني قصتك بسيطة، قلق وتوتر مش واعي عليه”. أردت حينها لو أردُّ: “مش واعي عليه؟ كل المشكلة أني واعٍ تماماً له”.

***

بعد أيام:

بدأ فتق المعدة يهدأ بفعل الأدوية، وخفّ توتر المريء والأعضاء الباطنية الأخرى مع الأدوية المهدئة، قبل أن أشكَّ باحتمال إصابتي بفايروس “كورونا” بسبب سلسلة من المخالطات مع مصاب. لم يكن الخوف من الفايروس منذ بدايته متعلقٌ بالموت. فلو كان يقتل كرصاصة لكان أمره هيناً، لكن الربو الذي أعاني منه وفتق المعدة المستجد، أحالاني فوراً إلى تجربتي الأخيرة في المشفى، ما جعل الأمر كابوساً، زاد من إزعاجه خوف المحيطين بي، والتعب من المرض مرة أخرى و”الشنططة” في المشافي. فأنا أفضّل إذا اشتدّ المرض بي وسبّب لي أزمة تنفسية، أن استخدم أنبوبة غاز الطبخ على أنه “منفسة” بدلاً من أنبوبة الأوكسجين. ليس بسبب الخوف ولا الشجاعة كما يقول أنسي الحاج، بل إنها “بطولة التّعب”.

مرّت الأيام وزالت الشكوك، وبدأ المريء والأعضاء الباطنية والقلب بالاسترخاء في ليلةٍ أخيرة.

***

بكيت بحرقة، بكيت مثل طفلٍ ضائعٍ في طرقات بيروت، بكيت طوال الطريق على كلّ المدن التي شهدت خرابها، بكيت السنوات العشرة الماضية

4 آب:

بحكم سكني في بيروت في الحي ذاته لخمس سنوات، وبيتي العالي نسبياً المطلّ من شرفته على معظم بيروت، اعتدت على تجاهل الأصوات الغريبة، بما فيها صوت الطائرات. طائرات “الهليكوبتر” مثلاً أمرٌ اعتيادي ويومي. كنت أعتقد أن هذا حال سكان لبنان جميعاً.

لذلك، حين كنت أجلس مع صديقتي التي تحاول تقوية لغتي الإنكليزية عند وقوع الانفجار الأول عصر يوم الثلاثاء، وتساءلت عن ماهيّة الصوت القوي، أجبتها بلا مبالاة بأن الصوت ربّما لشاحنة مرّت فوق مطب. حاولت صديقتي أن تستمدّ الطمأنينة من لامبالاتي، لنتابع الدرس بينما أتمشّى في الصالون. وقبل أن أجيبها عن إحدى أسئلتها، طارت الإجابة من فمي مع زجاج المنزل الذي تناثر فوقي، حاولت الاحتماء تحت شيءٍ ما غير قابلٍ للكسر والهدم، ثم أدركت عدم جدوى ذلك، فتسمّرت في مكاني، منتظراً توقّف الارتجاج، أو تهدّم السقف فوق رأسي. حدث كلّ هذا في ثوانٍ قليلة.

ركضَت صديقتي للنزول من الشقّة كحال أهل البناء جميعاً، بينما أسرعتُ أنا بحكم تجربتي السورية إلى غرفةٍ أخرى لأنتشل حقيبةً صغيرةً فيها بعض أوراقي ونقود قليلة.

ربّما كان سيليه انفجارٌ آخر يقضي عليّ، لكن ما الفرق لو نجوت أنا وفقدتُ – كسوريٍ في لبنان – أوراقي غير المكتملة أصلاً.

في مدخل البناء، تجمّع الجيران بوجوهٍ شاحبةٍ مغبّرة في حالة هلعٍ وذعرٍ شديدين. بينما حاول البعض الأكثر تماسكاً مواساة الآخرين وتهدئتهم. ألقيت النظر إلى الخارج، وإذا بالحي عبارة عن لوح زجاجٍ كبيرٍ محطمٍ والغبار يغطيه كغيمةٍ جافة. عدتُّ إلى الداخل لأتفقد صديقتي بينما يتفقد الجميع بعضهم البعض. كان الدم يملأ كنزتي من شظايا زجاج صغيرة انغرزت في شفتي ووجهي ورقبتي وركبتيّ. لم أشعر بها لو لم ينبهني الآخرون إلى ذلك.

بعد لحظات من التخبط والتكهنات ومحاولات التهدئة، صعدنا مجدداً إلى المنزل لنلقي نظرةً على الأضرار، ونظراً للزجاج الكثيف المتناثر في المنزل كلّه ولانقطاع التيار الكهربائي، قرّرنا أن ننام تلك الليلة عند أحد الأصدقاء. تذكرنا حينها أننا نسينا الغاز مشتعلٌ وفوقه طنجرة “اليالنجي” التي كنّا ننتظر استواءها بلهفة، فأصرّت صديقتي التي بذلت جهدا كبيراً في تجهيزها على اصطحابها معنا.

ولأن سلوكنا كلّه كان تحت سيطرة الصدمة، لم أعِ ما أقوم به وأنا أضع طنجرة “اليالنجي” الكبيرة في كيس كرتونٍ مخصصٍ للهدايا وسط الفاجعة.

في الشارع المزفّت بالزجاج والجرحى على أطرافه، شاهدت رجلاً كبيراً يحمل كيس المصل المعلّق في وريده وينزف دماً ويمشي دون أن يدرك وجهته. صديقتنا تحمل في يدها قطنٌ ومعقمٌ وتحاول أن تساعد من تصادفه، بدءاً مني وصولاً إلى المارة في طريقنا.

عجوزٌ تنزف من رأسها تسأل صديقتي: “حطّيلي شي على راسي”، لتجيبها بيدين فارغتين وصوت مكسور: “آسفة، ما ضل شي معي دوايكِ فيه”.

وأنا أمشي فوق الزجاج المتكسّر الذي يخترق حذائي، تذكّرت، بينما طنجرة “اليالنجي” بين يديّ، ما حدث في عام 2013 حين نزحنا بعد قصفٍ شديدٍ وكان معنا من يحمل طنجرة محاشي. ضحكنا يومها عليه وصارت طرفةً نتذكرها دائماً. كنّا نضحك فقط. لم نبكِ مرةً من القهر أو الخوف، رغم كل القصف والانفجارات اللاحقة بالبراميل والصواريخ.

تذكرت ذلك وضحكت على نفسي لثوانٍ ثم بكيت بحرقة. بكيت مثل طفلٍ ضائعٍ في طرقات بيروت، بكيت طوال الطريق على كلّ المدن التي شهدت خرابها، بكيت السنوات العشرة الماضية.

انقضت ليلة الانفجار بين متابعة الأخبار والاطمئنان على الأصدقاء ومساعدة ومواساة بعضنا، وحتى السخرية من أنفسنا وأكل “اليالنجي”، وطمأنة البعيدين. ومع كلّ: “الحمدالله على السلامة، المهم أنك منيح”، كنت أتحسس نثرات الزجاج في وجهي ورقبتي وأقول ليتها كانت أكبر، كنت سأكون بخير ومنيح، الآن لست بخير، أن ننجو يعني أن نشهد مآسٍ أخرى قادمة.

أردت النوم، فعاد البكاء مرة أخرى مثل نوبة هلع، ولكنه ليس هلعاً ولا خوفاً، فما حدث لم يسبب لي الخوف ولا الذعر، إنما التعب فقط، والملل من هذا كله. وكأنه حلّ فجأة حين استلقيت على سريرٍ وصدح في رأسي قول الشاعر اليوناني “يانيس ريتسوس”: “أختي، أنا نعسان. فأين يمكن أن أستريح؟  أين يمكن أن أنام، وأنا بلا سرير؟”

في اليوم التالي، انتهى وقت التعب وكأنّ شيئاً لم يكن. وبهمةٍ ونشاطٍ بدأنا حملة التصليح والتنظيف، وتحوّل الحي الذي أسكن فيه إلى ورشة وسيمفونية ضجيجٍ من تكسير الزجاج وأعمال التصليح، استمرت ليومين متتاليين. الصوت الذي أصبح مثيراً للتوتر والقلق، الصوت الذي يشبه الهزات الارتدادية بعد الزلازل.

في صباح اليوم الثالث، لم يسترح أحد، استيقظتُ لأجد صديقتي مستلقيةً على الكنبة في حالةٍ من التوتر والتشنج، وتبادرني بقولها: “خلّينا نطلع كم يوم من بيروت، ما عاد فيني اتحمّل”.

خوف الذين تحبّهم، عجز الذين تحبّهم، عجزك أمام عجزهم، هي الجروح الحقيقية التي لا تُشفى وهي الزجاج المتكسّر داخلك، الذي لا يمكن ليدٍ أن تلمّه.

ابتعدنا قليلاً عن بيروت لأيامٍ معدودة. ذهبنا إلى الجبل لنطلّ عليها من بعيد. حملت معي كاميرتي، لم أصوّر جريحاً ولم أصوّر بيتاً مهدماً، لم أصوّر المتطوعين الذين يملؤون الشوارع، لم أصوّر زجاجاً يغطي بيروت.

صوّرت كل يومٍ من ارتفاع عالٍ غروب بيروت، على مدى أيام التقطت مئات الصور للمشهد ذاته. غروبٌ لا يمكن تكنيسه ولا ترميمه. أصوّره كلّ يومٍ، وكأنّه الغروب الأخير لبيروت.

المزيد من هذا المؤلف

بحر وجبل

 
×