صباحاً، قررت العودة إلى دمشق، إذ حلمت ليلاً أنّ الحرب انتهت!

من شارع بيتي في برلين انطلقتُ. اجتزت أوروبا والمتوسط، ثم عبر بيروت إلى الحدود السورية حيث تنفستُ بعمق كأنني استنشق هواءً يعوّضني عناء سنوات غربة طويلة.

عبر الحدود مضيت. الطريق طويل. عادةً، كان الوصول إلي بيتي، في احدى ضواحي دمشق، يستغرق ساعات ثلاث.

الحارة، حيث عشت لسنوات، تبدو كما تركتها، كأنَّ شيئاً لم يتغير؛ حتى إنَّ البلدية لم تصلح بلاط الرصيف أمام الدكان. وأكاد أجزم أن أكياس القمامة بجانب الحاوية هي ذاتها التي رأيتها آخر مرة صباح ذلك اليوم الذي غادرت فيه دمشق قبل ست سنوات تقريباً.

على عجلٍ، وضعتُ أحمال السفر في البيت لأخرج قاصدة وسط دمشق.

في الطريق مررت بـ “سانا” وكالة الأخبار الرسمية، أقرأ أخبار البلد ثم أعكسها فأحصل على نتيجة واحدة: نصف الحقيقة.

من هناك، تابعت إلى المتحف الوطني. في مقهاه القديم شاهدت بعض الأصدقاء ممّن لا يزالون يعيشون على الأمل، فلم يغادروا البلاد كما فعلت.

أحاذيهم، من دون أن يروني. أسمع أحدهم يقول: “قبل سنوات كانت بيننا”. أحبس الدمع وأنسحب.

أذهب لأتمشى في شارع المكتبات في “الحلبوني”. على إحدى بسطات الكتب، تستوقفني طبعة قديمة لمجموعة زكريا تامر القصصية دمشق الحرائق ، ألتقط الكتاب وأتصفحه متسائلةً: كم مرة احترقت يا دمشق؟ وكم مرّة احترقنا؟ وبينما تلفح حرائق الشام قلبي، أعيد الكتاب إلى مكانه ثم أكمل المسير باتجاه قلعة دمشق. استريح قبالتها في مقهى الحديقة البيئية، أختار طاولة تطلّ على بردى كعهدي حين كنت أجلس هنا في الأيام الغابرة.

يتدفق النهر غزيراً، يجرف في طريقة أكياس الزبالة والفوارغ الزجاجية والبلاستيكية وغير ذلك من أوساخنا. ربما لو لم نلوث النهر لكان أمكنه أن يغسل خطايانا وأن يزيل آثار الحرب.

إلى جانب النهر مشيت ثم توغلت بين المحلات في شارع العصرونية، ومنه دلفت إلى سوق الحميدية ثم إلى الجامع الأموي. هذه هي المرّة الأولى التي أرى فيها سطح الجامع، والحمَام في أعشاشه، حتى إني لمست المئذنة التي صدحت بالأذان في اللحظة ذاتها، فطار الحمام رفوفاً رفوفاً.

إنه وقت الظهر، يهرع المصلّون إلى الصلاة، ويكمل الآخرون أشغالهم أو يواصلون مسيرهم، كلٌّ إلى وجهته. أمّا أنا فأجلس في زاويتي المفضلة في مقهى النوفرة قبالة الجامع، وأطلب الكمّون بالليمون، وقبل أن يُنهيَ الآخرون صلاتهم أكون قد أنهيت تأملاتي وغادرت.

البيوت على جانبي شارع القيمرية حميمية كعادتها. رائحة عذبة تنفر من خشب أبوابها. وتحثني مطارق الأبواب لأن أطرقها، فأطرق بعضها وأفرّ مسرعة قبل أن يُفتح الباب. مشربيات البيوت ذاتها، لكنَّ الهَجْرَ يبدو على معظمها.

من القيمرية أدلف إلى جادة النحوي، في آخر الجادة أنعطف يساراً بضعة أمتار، حيث حمّام البكري. من حسن الحظّ أنَّ اليوم مخصص للنساء. بعد كلّ هذا المسير الطويل، حمّام بخار سيكون أمراً رائعاً!

في الحمّام، النساء أغلبهنّ عاريات، وأخريات بملابسهن الداخلية، يجلسن مثنىً وجماعات، والبخار المعطّر يتصاعد من أجسادهن. رائحة صابون الغار تعبق في المكان، مشهد يُذكّر بلوحة “الحمّام التركي” للرسام الفرنسي جون جيروم.

يا لتعاسة الأدباء الرجال! إذ لا يسمح لهم بالدخول إلى هنا. لو كنت شاعراً، مثلاً، لثقبت الجدار واسترقت النظر إلى المشهد، لأمضي في السجن بقيّة حياتي أنظم الشعر!

آه! سأغادر قبل أن يقودني الخيال لأفكار أكثر تطرفاً!

سأعود إلي بيتي في برلين، أتأمل الثلج المتساقط خلف النافذة، بعد يوم سفر طويل على خرائط “غوغل”!