تشرين الأول/أكتوبر 2019:

“شوي وبيرجع الكلّ على بيته”. هكذا كان ردّ الفعل الأوّل لدى عدد من ممثلي السلطة اللبنانية وأنصارها على تحرك الشارع الذي فجّر “انتفاضة 17 تشرين”.

في صباح 18 تشرين، أغادر منزلي باتجاه النبطيّة في الجنوب. على مفرق بلدة حبّوش تجمّع خجول يقطع الطريق بالإطارات المشتعلة. أراقب بصمت نيران الإطارات وفي داخلي رائحةُ غضب دفين، وأسمع صرخة مكبوتة. كل ما فيّ يدفعني نحو بيروت.

أتصل بسائق “فان” وأغادر منزلي على عجل، وليس في جيبي سوى مبلغ صغير من المال. الطرقات مقطوعة، ورائحة الدخان المنبعث من الإطارات تعمّ المكان. أجلس وحيدة في “الفان”. يسألني السائق بتهكّم “شو منزّلك؟”. لا أجيب، لكني أسرح في سؤاله: ما الذي يدفعني نحو بيروت؟ ولمَ بيروت؟ ربّما لأنّه في سرّي أردت إطلاق العنان لنفسي والتخلّص من التبعيّة التي صُبغتُ بها منذ زمن طويل، ولكنّي أعلم أنّ هذا سيكلّفني الكثير.

نقطع بين البساتين طرقاً فرعية ترابية. يستفّز هدوء الجنوب الغضب في داخلي، ويمرّ في رأسي صدى صوت السيد موسى الصدر، قبل أن يقطع شرودي سؤالُ السائق: “يمكن ما تقدري توصلي على بيروت”. ترسل سحب الدخان في داخلي إحساساً غريباً يدفعني إلى التساؤل: هل اقتربت نهايتهم؟ لا أعذر نفسي اليوم على بساطة إيماني بالتغيير. عليّ التمعّن في السياسة أكثر. عليّ قراءة كفّ هذا البلد المتسخ بتأنّ.

يتجاوز السائق الخبير بالطرقات الفرعية بلدة خلدة ويصل بي إلى نفق المطار. “انتهت الرحلة”، يردف قائلاً. أرى عناصر مكافحة الشغب يحملون العصّي، فيتسلّل إلى قلبي رعب الدولة البوليسية. أنظر حولي. الردم يتراكم في منتصف الطريق، فيما عدد من المتظاهرين يتدافعون مع عناصر من الجيش. يظل في رأسي سؤالٌ واحدٌ يلحّ: كيف أصل إلى بيروت؟

يحاول السائق مساعدتي بأن يؤمّن لي دراجة نارية، وبعد مضي نصف الساعة يوافق أحد الشبّان على إيصالي إلى أقرب نقطة من ساحة رياض الصلح. “ألن أسبّب لك المتاعب؟ ماذا لو أوقفنا الجيش؟” “لا تخافي، منقلهم أختي ورايحين ع البيت”. أعلم لاحقًا أنّه سوري الجنسية: “شايفة لو عنّا، كان من زمان ضبّوهم”.

التطهير

على متن دراجةٍ ناريةٍ صغيرةٍ وحيدة نمر عبر نفق المطار. لم تزعجني يومها رائحة الصرف الصحي التي تستقبلني صباح كلّ يوم، وأودّع بها بيروت مساء بعد دوام جامعي طويل، فرائحة الإطارات المشتعلة المنذرة بشيء مختلف، كانت أقوى.

يغمرني شعور بأني ماضية في مهمةٍ عظيمة. نقطع جسر الكولا. أمامنا شوارع مقفرة وألسنة لهب وأعمدة دخان. أين رأيت هذا المشهد من قبل؟ في سلسلة أفلام “التطهير“.

أصل رياض الصلح وأنضم إلى صديقاتي لننخرط بين الجموع. يخيّم عليّ الصمت، ما يحدث ثقيل عليّ، أراقب المشهد من خارج الدائرة، أسمع “الهيلاهو” للمرة الأولى. يُشتم الصرح العظيم الذي خاطبته في طفولتي لافتتاحه مدرسة في بلدتي ووصفته بالـ”البطل الذي انتزع فكّ الحوت وألقاه على النيران”. ثم ينتابني إحساس لا أعرفه؛ أهو فرح أم غضب أم ماذا؟ ويتشظّى سؤال في رأسي: من أين جاء كل هذا الحقد؟

لقد تراكم على مرّ السنوات من أخبار صالونات الفساد وعنجهيّة السلطة، من أيّام مرض جدّي وحربه مع السرطان واقتصاده في العلاج كي يوفّر الخبز، ومن دواء أمي الذي انتظرنا الحصول عليه مطولاً عبر وزارة الصحة ولم نتمكن من ذلك إلّا بعد وفاتها. لقد اختزنتُه من الجامعة التي ما رأيت فيها لوناً يشبهني، ومن مهزلة الواسطة، ومن الحيتان التي كانت تبتلعنا على الدوام في كلّ مناحي الحياة. تراكم الحقد هذا على مدى سنوات، وانفجر بين الجموع.

رأيت نفسي بين معشر للشباب المنسلخ عن البيئة الحزبية التي نشأ فيها، الذي رفع التحيّة الكشفيّة للأخ الأكبر وآمن بأن الخلاص مرهون بالقادة. شعرت بأننا أينعنا، وتيقّنت بأن الوهم، وحده، كان حقيقة ثابتة.

لقد أكسبني هذا التطهير راحة نفسية خلال الأيّام الأولى لـ17 تشرين، وتتابع لاحقًا على الصفحات الافتراضية وفي الجامعة وبين العائلة الكبيرة. لكنه سرعان ما انقلب إلى خوفٍ رحت أتابعه على شاشات التلفزيون، كلّما احتّك شارعٌ بآخر وأوحى بقرب مجهول نخشاه.

تشرين الأول 2020

يزعجني أننا نحتفل بذكرى هذه الأيام العظيمة والحال أسوأ مما كان. تؤسفني عبارة الاحتفال بهذا اليوم، ولكن من قال إن انتفاضة 17 تشرين هي “قدرة قادر”. سألهي نفسي عن الخيبات بالأصدقاء الذين جمعني وسط العاصمة، وكذلك بمن وصموني بالخيانة، فيما أرى اليوم بعضهم يلعن الأخ الأكبر وعصابته، ويردّد أغنية دروس لي ومثيلاتها. وسأحرص على حفر كبائر السلطة في ذاكرتي، علّ الغضب ينفجر لاحقاً، في يومٍ مجيدٍ آخر حاسم.

المزيد من هذا المؤلف

يمامة المرفأ

 
×